محنة العقل المتنوّر – عـلاء لازم العيـسى

608

الشيخ عبدالكريم الزنجاني

محنة العقل المتنوّر – عـلاء لازم العيـسى

 من أصعب المحن التي يمرّ بها أصحاب العقول المتنوّرة والواعية منذ زمن سقراط وحتى زماننا هذا ، هو استحالة حريّة العمل أو الإصلاح بعيدًا عن سطوة أثر الجماعة السياسيّة أو الاجتماعيّة أو المتلبسين بلباس الدين على الفرد ، والتي تظهر في قابليّة عوام الناس الذين لا يملكون القدرة والمهارة على إدراك وتحليل ما يجري حولهم ، إلى الانصياع إلى قرارات معيّنة تصدر من الثالوث المذكور ، بغضّ النظر عن صوابها من خطئها ، وهو ما يُعبّر عنه بالعقل الجمعي أو ظاهرة سلوك القطيع، وهذه بالضبط هي المأساة التي عاشها العالم المجتهد والداعية إلى التقريب بين المذاهب الإنسانيّة والإسلاميّة الشيخ عبدالكريم العراقي النجفي أصلًا ، الزنجاني مولدًا .  ولد عبدالكريم بن محمّد رضا بن محمّد حسن النجفي ، في مدينة زنجان الإيرانيّة سنة 1304هـ / 1887م ، وكان والد جدّه الشيخ محمّد علي ، وهو من أعيان العلماء في النجف الأشرف ، هاجر بأسرته إلى بلاد إيران سنة 1217هـ / 1802م أثناء تزايد الخطر الوهابي على المدن المقدّسة كربلاء والنجف ، وقد استقبله عالم زنجان المجتهد الأكبر السيّد محمّد المجتهد ، وزوّج كريمته من ابن الشيخ النجفي المدعو محمّد حسن ، فأولدها محمّد رضا ، الذي رزق بمولود ذكر فسمّاه عبدالكريم ، وبعد عودة العائلة إلى النجف موطنها الأصلي سنة 1329هـ / 1909م عاد الشيخ عبدالكريم لأجل إكمال دراسته في حوزتها ، وحرص على أن يستأثر بالعلوم النقليّة والعقليّة فنال مرتبة الاجتهاد في سنّ مُبكّرة، وحصل على إجازات العلماء مثل : الملا قربان علي ، والسيّد محمّد كاظم اليزدي ، كما تضلّع في الفلسفة على وجه عام ، ثُمّ تفرّغ للتدريس ، فشرع بتدريس الفلسفة وعلم الكلام والفقه والأصول ، وقلّده جمع كبير من الناس في داخل العراق وفي خارجه .

منهجه الفلسفي

   لقد دلت كتابات الشيخ الزنجاني ومحاضراته في الفلسفة في مجالسه الخاصة والعامة ، على عظيم اطّلاعه على الفلسفتين الإسلاميّة والغربيّة الحديثة والمعاصرة إضافة إلى تبحّره بمصادر الفلسفة اليونانيّة ، وهو يعدّ أول من تعرّض للدرس الفلسفي بهذا العمق وكتب فيه في الحوزة النجفيّة . ومن السمات البارزة في منهجه الفلسفي ، هو دعوته إلى التلاقح والتكامل مع الفلسفة الغربية المعاصرة وعدم القطيعة مع أعلامها ، وقد اهتمّ بهذا المشروع أيّما اهتمام ، وبالرغم من تصديه لتشكيكات المستشرقين ومقلّديهم من الشرقيين ، إلّا أنّه كان يرى في كلّ من الفلسفتين : (( قوة عقليّة جاهزة وعُدّة فكريّة ناهضة ، يجب استغلالهما ولا يجوز الاستغناء عن كلّ منهما ، بل يجب أن نضمّ نفائس الفلسفة الحديثة الغربيّة إلى حقائق الفلسفة القديمة الشرقيّة ، على ضوء العقل والرويّة لنستخلص منهما مزيجاً إصلاحيّاً خالصًا ، وفلسفةً قويمةً صالحةً للحياة والبقاء ، وكذلك أراد الله أن تكون الحياة ؛ مزيجاً من صالح القديم والحديث ، ولن تجد لسُنّة الله تبديلا )) . أمّا السمة الثانية في منهجه في بحثه الفلسفي فهي كشف الجوانب الإبداعيّة في الفلسفة الإسلاميّة وإماطة اللثام عن جواهرها ومكنوناتها ، وفضلها على الفكر الإنساني ، وسبقها في كثير من الاكتشافات والنظريّات ، كاشفًا من خلال منهجه هذا أخطاء بعض الدارسين العرب للفلسفة الإسلاميّة ، وتشويشهم على القارئ العربي بسبب المرجعيّات الإستشراقيّة غير الأمينة التي اعتمدوها في بحوثهم ودراساتهم ، فأشار إلى نظرية الحركة الجوهريّة التي ابتكرها واثبتها ملّا صدرا في القرن السادس عشر الميلادي ، وسبقها لنظرية النشوء والإرتقاء التي اشتهرت بنظريّة التطوّر لداروين الذي ولد بعد ذلك بثلاثمائة سنة ، هذا مضافًا إلى اشارته إلى أنّ جماعة من العرب المسلمين كجماعة أخوان الصفا وابن مسكويه سبقوا إلى القول بالتطور بمعناه الصحيح . وأعظم من ذلك إشارته إلى مقولة الفيلسوف خواجة نصير الدين الطوسي (( الأجسام متحرّكة نسبيًّا )) ، فأصبحت هذه القضيّة مبدأ النظريّة النسبيّة التي انتجتها عدّة تجارب كان أهمّها تجربة ميكلسن ومورلي سنة 1887 التي مهّدت لظهور النظريّة النسبيّة المنسوبة إلى العالم البرت اينشتاين ، وقد استعرض الشيخ الزنجاني البراهين الرياضيّة التي أقامها اينشتاين لإثبات نظريّته وناقشها مناقشة علميّة دقيقة ، وأرسلها إلى شاعر الهند محمّد اقبال ، الذي أرسل ترجمتها الإنكليزيّة إلى اينشتاين     الدعوة إلى التوحيد

ولاقتناعه بأهمية الحوار الجاد في تقدّم ونهضة الشعوب والأمم ووحدتها ، فقد طوّف في كثير من البلدان العربيّة والغربيّة والإسلاميّة فزار دول أفريقيا والهند والصين ، ودخل بلاد الأفغان وبلوخستان ، وزار الجامع الأزهر وصافح الشيخ المراغي وألقى محاضرته ، وسمع محاضرته الدكتور طه حسين فقال : (( إذا سمعت محاضرة الزنجاني نسيت نفسي وكأنني في حياة أخرى غير الحياة التي أعهدها ، وظننت أنّ ابن سينا يخطب )) ، وحلّ ضيفاً على الملوك والرؤساء ، وألقى على مسامعهم كثيراً من المحاضرات في الدعوة إلى التقريب والوحدة وجمع الكلمة وتوحيد القلوب بين جميع الطبقات والطوائف ، والإعداد الروحي واستنهاض الهمم ، للوقوف بوجه الاستعمار بكلّ أشكاله ، وكان يتعمّد ـــ بالرغم من ملكة بلاغته ولسانه العربي الطلق وغزارة علومه وحكمته ـــ في أن يخطب في جميع المناسبات العامة مرتجلًا باللسان الذي يفهمه جميع المستمعين على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم ودرجات ثقافتهم ، وقد بيّن العلّة في اتّباعه هذا المنهج في محاضرته التي ألقاها في قاعة ( دار الأيتام الإسلاميّة ) في بيروت وذلك في مساء يوم السبت الموافق في 17 / 12 / 1938بقوله : (( ولو أردت أن أتكلّم بما يلائم الطبقة الراقية منكم من ذوي الفضل والمعارف لكنت أوجبت حرمان الآخرين من الحاضرين ، فرعاية لحقّ الجميع لا مندوحة لي من التكلّم باللسان الذي يُفهم الجميع ولا تختصّ به طبقة دون أخرى ، إذًا فلا مؤاخذة إذا تكلّمتُ باللسان العادي ، بعد أن كان جلّ الغرض هو الإفهام ، لا إظهار الفصاحة والبلاغة والصناعة والبراعة وتزويق الكلام ، مع العلم بأنّ أفضل الكلام ما زانه حسن النظام ، وفهمه الخاص والعام )) .لقد تكلّم في محاضرته عن قدم وجود النزعة الاجتماعيّة عند الإنسان القديم ، وعن الإدراك العقلي وغريزة التديّن والبدايات الأولى للتفلسف ، كما عرّج على ذكر ومناقشة بعض الآراء والمصطلحات والقوانين ، كالديمقراطيّة والاشتراكيّة والعدالة الاجتماعيّة وقانون العرض والطلب وأصول التربيّة والملكيّة الفرديّة ، وغيرها، ثمّ ختم محاضرته بالدعوة إلى الوفاق بين جميع الأديان والمذاهب ، ونشر راية السلام على جميع الشرق من خلال النظر إلى الأديان والمذاهب (( بالنظر إلى سيرة أرقى ممثليها لا إلى انحرافات أحطّ الآخذين بها)).

العوام وتدليس العلماء

ونتيجة لوعي الشيخ الزنجاني الحاد بأسباب الأمراض الاجتماعيّة والأخلاقيّة والدينيّة وطرق علاجها ، اعتقد اعتقادًا جازمًا بأنّ أهم أسباب تخلّف الأمّة تكمن في ثلاث نقاط هي : جهل العوام ، وكتمان العلماء للحقّ محاباة للحاكم أو خوفًا من العامة ، وعدم سلوك طريق الوسطيّة في عقائد الشباب ، ولهذا شنّ حربًا  جريئة وصريحة لا يعوزها عنصر المغامرة ، فبعد أن نبّه في خطبته التي ألقاها في دمشق سنة 1936 على الحاجة (( إلى أن يعرف بعضنا آراء بعض ، وعلى ضوء المعرفة يقوى الاتصال ويدوم الإخاء )) ، أمر الحضور بأن يبتعدوا عن الجمود ، وأن تتسع صدورهم للتراث العظيم المتمثل بآلاف الآراء الفقهيّة التي انتشرت في مختلف ممالك العالم الإسلامي ، والمحافظة على هذا الإرث المعرفي المجيد . ثمّ وجّه كلامه إلى العلماء والفضلاء مشيرًا إلى أنّ السعادة كلّ السعادة تكمن في إظهار العلم وعدم كتمان الحقّ ، خوفًا من العامة أو حرصًا على ما تمتلئ به جيوبهم كما كان يفعل الكهنة القدماء (( يوم كانوا يعرفون الحقّ ولكنهم كانوا يخفونه على العامة ، ليظلّوا في غيّهم يعمهون ، ولينعموا هم بما كانوا يقدّمونه لهم من القربان والنذور )). وبعد أن أنهى مهمته في الحث على الوحدة وجمع الكلمة ونبذ الفرقة ، وبعد مشاركته في مؤتمر العلماء الأول المنعقد في دمشق في أيلول سنة 1938? عاد إلى النجف وبقي فيها ما يقارب ثلاثين سنة لم يخرج منها منشغلا بالبحث والتدريس والتأليف ، ثمّ ابتدأ اشتغاله على الدرس الفلسفي بمحاضراته لطلاب الحوزة العلميّة منذ سنة 1940  ولأهميّة الفلسفة عنده (( كان يختار دارسي الفلسفة في الحوزة العلميّة لديه من بين أنبغ طلبة العلوم وأكثرهم شغفًا بالعلم والمعرفة ))، كما شارك في مؤتمر ابن سينا الذي انعقد في بغداد سنة 1952 ومؤتمر الكندي الذي انعقد في بغداد ايضًا سنة 1962  الذي تزامن مع احتفال العراق بشفاء عبد الكريم قاسم من محاولة اغتياله وكانت ابحاثه من أفضل الأبحاث .

   نهاية محزنة

أخيرًا ، ولأسباب غير معلنة وغير منطقيّة ، عُرّض الشيخ عبدالكريم الزنجاني إلى حملة تشويه وتسقيط من الخاص والعام في بلدته النجف ، فانفضّ عنه الناس والتلاميذ ، وانقطع عن الدرس ولزم بيته سنوات ، حتى أدركته الوفاة في جمادى الثانية سنة  1388هـ / 1968م ، وصلّى على جثمانه السيد أبو القاسم الخوئي ، ودفن في الصحن الحيدري في النجف الأشرف ، وبوفاته انغلقت مدرسة عقليّة وفقهيّة كبيرة ، ومن الغريب أنّ السيّد محسن الأمين العاملي والشيخ آغا بزرك الطهراني ، وهما اشهر من كتب عن علمائنا القدمــــــــاء والمعاصرين ، لم يذكرا هذا العالم الجليل والمفكّر الكبير ولو بسطر واحد في موسوعتيهما : أعيان الشيعة بمجلداتها الـ (15)  وطبقات أعلام الشيعة بمجلداتها الـ (17)  بالرغم من أنّهما من المعاصرين له !!

مشاركة