محنة أوطان.. ولهفة قبائل – فؤاد مطر

260

محنة أوطان.. ولهفة قبائل – فؤاد مطر

هذا المشهد لشيوخ قبائل ليبيا الذي رأيناه في رحاب الرئيس عبدالفتاح السيسي يوم الخميس 16 يوليو/ تموز 2020 وحديثه المتقن المفردات بحيث يحقق المنطلق القومي والأخوي والأمني بما يقطع الطريق على أي حساسيات، وفي الوقت نفسه تتساوى المنطلقات بين قدرة الواجب المصري وسلاسة التجاوب وسيادة القرار القبائلي الليبي مع تلك القدرة، رأيناه قبْل سبع عشرة سنة في رحاب “قصر الشعب” في دمشق عندما إستقبل الرئيس بشَّار الأسد وفداً من عشائر العراق يضم أكثر من 60  ممثلاً للمجتمع العشائري الراسخ الجذور كما القبائلي في ليبيا وبعض أقطار الأمة وحيث البوادي كثيرة وشاسعة. لكن ما أبعد جوهر مشهد الحاضر المصري- الليبي عن مشهد الأمس البشَّاري-العراقي.

زمنذاك كانت المعاناة العشائرية العراقية قريبة المنطلقات من المعاناة القبائلية الليبية في أيامنا هذه. ضيق من الذي أصاب الوطن المنزوع السيادة بنسبة مقلقة، حيث إصطفت أطياف عراقية كثيرة إلى جانب الوجود الأميركي، ولم تعد هنالك حكومة في العراق تمثِّل كل شرائح المجتمع. ويكفي تدليلاً على عمق الجرح في النفس الوطنية العربية قول حاكم العراق بول بريمر في اليوم نفسه في تصريحات بثتها فضائيات عربية ودولية “إن الولايات المتحدة ستساعد في صوغ دستور عراقي مؤقت يعكس القيم الأميركية ويؤدي إلى قيام حكومة جديدة” مؤكداً أن قوات التحالف لن تغادر الأراضي العراقية حتى بعد نقْل السلطات إلى حكومة عراقية مؤقتة في يونيو/ حزيران 2004 “بل ستبقى بعض الوقت للمساعدة في ترسيخ الاستقرار، على أن تتحدد ترتيبات تمركزها في هذا البلد بموجب إتفاق ينبغي التوصل إليه قبل مارس/آذار مع مجلس الحكم الإنتقالي…”.

في ذلك اللقاء العشائري في دمشق أكد الرئيس بشَّار حرص سوريا على “بذْل كل جهد لتخفيف المعاناة عن الشعب العراقي الشقيق ولمساعدته على تعزيز اللُّحمة الوطنية من أجْل التوصل إلى إقامة حكومة وطنية تمثِّل مختلف شرائح الشعب، كما تريد مساعدة الشعب الشقيق من أجْل تحقيق الاستقرار والأمن في العراق وإستعادة البلد الشقيق سيادته كاملة بحيث يكون هو الذي يقرر شؤونه بنفسه…”.

وما لم يقله الرئيس بشَّار عن الوجود الأميركي في العراق الذي إستحوذ بشرعية المعارضة العراقية التي أسقطت بالذراع الأميركية واللسان الإيراني الهوى النظام البعثي، قاله وزير الدفاع زمنذاك العماد أول مصطفى طلاس الذي وصف القوات الأميركية في العراق بأنها قوة إحتلال “وإننا نشعر بقلق من وجود هذه القوات على حدودنا ومن نتائج الحرب على شعوب المنطقة…”.

الوجود الأميركي موضوع شكوى العشائر العراقية في حضرة الرئيس بشَّار، هو قريب الشبه بالوجود التركي الذي بسببه يمم شيوخ القبائل الليبية شطر الجـــــارة مصر عملاً بقاعدة الجار للجار، عِلْماً بأن هذه القاعدة غير موضع إحترام من جانب تركيا مع العراق ومع سوريا قبل ليبيا.

بصرف النظر عما إنتهى إليه أمر إنتخاء شيوخ العشائر العراقية للرئيس بشَّار والإنتخاء الراهن بعد سبع عشرة سنة من جانب شيوخ القبائل الليبية للرئيس السيسي بأمل وضْع حد لهذا الهلع الأردوغاني الذي يباري الهلع الإيراني أو يبارزه بمعنى إستلهام دوره المؤذي للجار العربي، فإن أهمية الخطوتيْن الليبية بعد العراقية تكمن في تأكيد حقيقة بدهية وأساسية وهي أن الأخ لأخيه جاراً كان في محنة أو جاراً يحتاج إلى نصح يضعه على طريق الهداية في الإتجاه المستقيم. كما أن الخطوتيْن هما إذا جاز القول مجرد لفت إنتباه من جانب شريحة في المجتمع العربي برسم أهل القرار بأن يواجهوا الأجنبي الغريب المتدخل في شؤون الأخ القريب بإقناع هذا الأخ بأهمية تنقية الثوب من شوائب تندرج إما وفق رهانات، والرهان عادة مخاطرة، وإما نتيجة خطأ في التقدير ودائماً هنالك تصحيح طالما هنالك خطأ.

وتبقى ملاحظة أساسية وهي أن للإنتخاء مواصفات في من يُنتخى به. وهنا وفي الظروف البالغة التعقيد التي يعيشها النظام البشَّاري نرى أن الذي قاله أمام شيوخ العشائر العراقية في ما يخص أحوال بلدهم يعيشه الشعب السوري منذ أحد عشر عاماً. ففي ظل عهد رئاسته إستُبيحت السيادة السورية وحدث من جانب النظام والحليفيْن الروسي بعد الإيراني أن بات ثلث الشعب السوري في حالة لجوء أو نزوح كما بات الوطن السوري ساحات يصول عليها التركي ويجول الإيراني كما يحلو له التصرف، ويحتكر الحليف أجواء الساحة العروبية العريقة وشاطئها. ولذا هنالك حاجة من جانب الرئيس بشَّار نفسه لكي يطلب من الجمع العربي ما طلبه شيوخ عشائر العراق منه قبل سبع عشرة سنة أتوا يشكون السيادة المنقوصة والقرار المُصادر والشتات الذي طال أمده والسمعة التي تتآكل. وحتى إذا كانت القيود ثقيلة والإرتهان في أعلى درجات عدم القدرة على التصرف، فإن فك هذه القيود لا يعود صعباً خصوصاً إذا جاء العلاج على النحو الذي عبَّر عنه الرئيس السيسي أمام شيوخ القبائل الليبية من خلال إيحاءات عسكرية ومفردات أخوية وروح قومية وأحاسيس وطنية ووضْع مضامين كل هذا التعبير ضمن إطار سيادة الوطن وحصْر القرار في أهل الدار.

محنة بعض الأوطان متنقلة ولهفة القبائل تذكير لتنفع الذكرى. وفي إنتظار الإنتفاضة العربية الأهم.. إنتفاضة قبائل اليمن لكي يعود سعيداً ومستعيداً شرعيته متخلصاً بإذن الله من القبضة الإيرانية كما خلاص آتٍ بإذن الله لليبيين من القبضة الأردوغانية.

وكل أضحى والأمتان نحو الأفضل والأهدأ.

مشاركة