محمد العريبي .. أخو باشا .. شيخ صحيح النسب – منير حداد

774

محمد العريبي .. أخو باشا .. شيخ صحيح النسب – منير حداد

إختزلتْ آخر ثلاثة أيام، من عمر صديقي القاضي محمد العريبي، أربعين عاما، تبدأ باليوم الاول من الدوام في كلية القانون.. جامعة بغداد 1987  وتنتهي برفيف روحه نحو السماء محلقة في فضاءات رحمة الرب يوم 2  نيسان 2021  صريع كورونا.

الأيام الثلاثة الأخيرة من حياته، وهو يقاوم الفايروس بوهن جسده، واصلنا المراسلات.. أمازحه فيضحك: “محمد عريبي كوم والحمزة ما ابقى وراك ساعة والحسين (ع) اموت وراك.. ساعة السودة اللي عرفتك بيها… كوم دخيل الحسين” في ضحك يعيدنا الى لغة الشباب.. طلابا متناغمين في المشاكسة، برغم فارق خمس سنوات قضيتها في المعتقل، لنتزامن في الصف الاول من كلية القانون، أنا تولد 1964 وهو 1969 لا حدود بيننا… توطدت صداقتنا في معسكرات الطلبة 1988 حين أنقذت حياته بشجاعة ما زال يحملها لي!

وعندما أقول لا حدود بيننا، فأنا أسرد قصة سليل مشيخة آل بو محمد، الذي يأنف أن يطلب من أحد سواي.. وعلمني ألا أطلب من سواه.. جيب واحد.. حتى لو بقيت أضرس متضورا من الجوع “أكدكد” بإبهامي، ولا أطخ الراس.

مكثنا على صداقة مقيمة كل يتولى شؤون الآخر بمسؤولية أخلاقية، لا فاصل إجتماعي او مالي او وظيفي.. نقف واحدنا للآخر حد قطع النفس الذي لم أستطع تأمينه له أمام عصف كورونا الجائحة.. وعزائي أنها جائحة، تعني في قاموس اللغة العربية: الداهية التي لا راد لها!

وفعلا لا راد لها، عندما يظهر وزير صحة دولة علمانية في أوربا، مصرحا لوسائل الإعلام: إستسلم العلم للفايروس وعجزت الطب.. لا نملك سوى التوجه بالدعاء الى الرب.

ماذا يستطيع ان يفعل منير حداد لمحمد العريبي، عندما يتحول وزير خارجية دولة علمانية عظمى، الى روزخون مستلب!

أخي ونعم الأخ طوال أربع عقود، إختلفنا قليلا وتوافقنا كثيرا ثم توافقنا كثيرا، حين أبرمنا عقدا غير موثق إلا في ضمير الصداقة، أن تعلمني حماستك “القانونجية” مخلصا للأنظمة والدساتير في بطون الكتب ومطبقة على ارض الواقع الميداني للعمل في سبيل إحقاق الحق وإرساء دعائم العدالة، برغم إمتلاء الكون من حولنا بالظلم والجور والباطل.

أخي محمد.. “وأنت العبد والمعبود والمعبد”* علمتني الإعتداد بالنفس، والكبرياء والترفع، من دون إهانة الآخرين او إستصغارهم، وهي معادلة لا يجيدها إلا إبن شيوخ.. أخوة باشا.. آل بو محمد، الذين شغلوا العمارة والجنوب والعراق كله بمآثرهم عالية الجناب.

علمتني التأني.. الآ أتسرع بالإجتهاد إنما أحتكم الى نصوص القانون وتشريعات الدستور.. علمتني الكرم، والتصرف مثل الشيوخ، فقد إكتسبت الشعور بكبرياء المشيخة من التماهي معك.

رشحتك الى المحكمة الجنائية العليا لمقاضاة أركان النظام السابق، فمت متأثرا بخذلان السلطة لك وجحودها وتنصلها من وعود الشرف والتنكر لفضلك.

كل هذا العبء من الآلام منيت به، عندما إنحلت المحكمة واردت العودة الى القضاء او الحلول في منصب يليق بما قدمته للوطن!

ولم يكتفِ دهاة السلطة بعدم إلتزامهم إياك، إنما غرموك عشرات الملايين بترشيحك الى مجلس النواب، وتجيير أصواتك لتصعد بها الدلالات والحفافات والـ… الى مجلس النواب، وإقصاؤك أنت العصامي العظامي.. إبن شيوخ وقاضٍ يعني “متوسط ونازل” فكيف لا تموت قهرا وألتحق بك ويلتحق بنا الشرفاء والكل يرى المنازلة غير العادلة بين شريف أعزل وسواه مسلحاً…

سرني أنني وفرت لك سعادة التأمل في وصف حنا بطاطو لأمجاد أهلك، حين أهديتك كتاب “تاريخ العراق” بمناسبة إفتتاح مكتبك، الى جانب “مقاتل الطالبيين” الذي تستمتع بقراءته منذ كنا طلابا في الكلية..

آخر الداء الكي، رضيت بالعمل محامي، حين أغلقوا الأبواب بوجهك.. عامدين؛ جزاء إخلاصك للعراق، وتلك صفة تؤرقهم؛ فلا بد أن يستبعدوك بضراوة؛ كي لا ينكشف فسادهم أمام نزاهتك.

أبكيك حتى تنقل الارض دموعي الى السماء، وأنا أستودعك ثرى مقبرة وادي السلام في ظل حامي الحمى.. داحي باب خيبر.. علي بن ابي طالب.. عليه السلام.

{ محمود درويش قصيدة (أحمد العربي)

{ قاض

مشاركة