
محلات بغداد في مئة عام (١٨٥٨–١٩٥٨): توثيق شامل لذاكرة المدينة وتحولاتها
قتيبة الحميد
يأتي كتاب محلات بغداد في مئة عام 1858-1958م من تأليف قصي إسماعيل الفرضي ونادية ياسين عبد بوصفه عملاً توثيقياً واسعاً يسعى إلى إعادة قراءة ذاكرة المكان في العاصمة العراقية بغداد، من خلال تتبع محلاتها وأسمائها وتغيراتها خلال مئة عام من التحولات الاجتماعية والعمرانية والسياسية، إذ ينطلق الكتاب من فكرة أن بغداد مدينة غنية بالتاريخ والحضارة وأن دراستها لا تكتمل دون العودة إلى تفاصيل أحيائها القديمة ومحلاتها التي شكّلت نسيجها الإنساني والعمراني. رغم كثرة الكتابات التي تناولت المدينة إلا أن المؤلفين يؤكدان وجود فجوات مهمة تتعلق بذاكرة المكان مثل مواقع المحلات، تسمياتها، معالمها، وما اندثر منها أو تغيّر عبر الزمن، لذلك جاء هذا العمل ليقدم توثيقاً دقيقاً وشاملاً لتلك الذاكرة المكانية.
وينقسم الكتاب إلى بابين رئيسيين حيث يضم الباب الأول محلات الجانب الشرقي من بغداد ويبدأ بخارطة عامة للمحلات، ثم يتفرع إلى عدة فصول فيتناول الفصل الأول محلات شارع الرشيد ومنها الميدان، السور، الطوب، جديد حسن باشا، دكان شناوة، الحيدر خانة، العاقولية، إمام طه، الدشتي، باب الأغا، تحت التكية، رأس القرية، عمار سبع أبكار، المربعة، والسنك. وهي محلات تعكس مركزية هذا الشارع التاريخي ودوره في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. أما الفصل الثاني فيتناول محلات شارع الملكة عالية وغازي والشيخ عمر ويشمل محلات متعددة مثل قمر الدين، البارودية، إيلان دلي، تبة الكرد، القراغول، عباس أفندي، الدهانة، صبابيغ الآل، القاطر خانة، قنبر علي، التوارة، سوق الغزل، عقد القشل، الحاج فتحي، دكاكين حبوب، الشيخ سراج الدين، الصدرية، العوينة، رأس الساقية، جميلة، الفناهرة، كهوة شكر. شارع غازي الفضل، حمام المالح، الست هدية، خان لاوند، السيد عبدالله، المهدية، البو مفرج، الكبيسات، الخالدية، حنون الكبير، قاضي الحاجات، الهيتاويين، البو شبل، سوق حنون الصغير، العبيد، الطاطران، أبو دودو، فرج الله، وبني سعيد. مع الإشارة إلى تكرار بعض المحلات بأسمائها في أكثر من موضع نتيجة التداخل التاريخي والجغرافي في النسيج العمراني لبغداد القديمة.

أما الباب الثاني فيتناول محلات الكرخ داخل السور وخارجه، إضافة إلى محلات بغداد الجنوبية حيث يسلط الضوء على توسع المدينة خارج مركزها التاريخي وتحوّلها من نسيج محلات تقليدية إلى امتدادات حضرية جديدة، تعكس التغيرات الديموغرافية والاجتماعية التي مرت بها العاصمة عبر الزمن.
ويأتي هذا الكتاب ضمن مشروع “كتب المئويات” الذي أطلقته وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية بمناسبة مرور مئة عام على تاسيس الدولة العراقية ١٩٢١- ٢٠٢١. بوصفه مشروعاً ثقافياً يهدف إلى توثيق مئة عام من تاريخ العراق الحديث ليس فقط من خلال الأحداث السياسية، بل عبر إبراز القوة الناعمة التي صنعت هوية البلد من فن وأدب وصحافة وتعليم وعلوم مختلفة. إذ يؤكد المشروع أن العراق لم تصنعه الحروب والصراعات وحدها بل ساهمت الثقافة والإبداع في بناء صورته الحضارية، وأن القوة الرمزية للعراق تشكل جانباً أساسياً من تاريخه الحديث.
يمثل هذا الكتاب وثيقة معرفية مهمة تعيد رسم صورة بغداد القديمة بكل تفاصيلها، حيث لا تُقرأ المدينة كأماكن فقط بل كذاكرة حيّة تحمل أسماء وأزقة ومحلات شكلت هوية السكان وعلاقتهم بالمكان. فهو يربط الماضي بالحاضر ويؤكد أن فهم بغداد اليوم يبدأ من استعادة تلك الطبقات التاريخية التي صنعت شخصيتها لتبقى المدينة حاضرة في الذاكرة كما كانت في الواقع.
























