محطة الموصل تنتظر القطار.. منذ عشر سنوات

306

لموصل‭ (‬العراق‭)(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬رغم‭ ‬توقف‭ ‬حركتها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بسبب‭ ‬التدمير‭ ‬والأعطال،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عامر‭ ‬عبدالله‭ ‬يتفقد‭ ‬باستمرار‭ ‬قاطرته‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬الموصل،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يوماً‭ ‬صلة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬والعالم‭.‬

وجراء‭ ‬النزاعات‭ ‬والسياسة،‭ ‬فإن‭ ‬مسار‭ “‬توروس‭ ‬إكسبرس‭” ‬الذي‭ ‬ربط‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق،‭ ‬بتركيا،‭ ‬امتداداً‭ ‬بخط‭ “‬أورينت‭ ‬إكسبرس‭” (‬باريس‭-‬فيينا‭-‬اسطنبول‭)‬،‭ ‬تقلص‭ ‬تماماً‭.‬

بعيد‭ ‬الغزو‭ ‬الأميركي‭ ‬للعراق،‭ ‬انخفضت‭ ‬حركة‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬وواصل‭ ‬قطاران‭ ‬فقط‭ ‬المغادرة‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭ ‬باتجاه‭ ‬غازي‭ ‬عنتاب‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬حتى‭ ‬صيف‭ ‬العام‭ ‬2010‭.‬

يقول‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ (‬47‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسمّي‭ ‬قاطرته‭ “‬الحبيبة‭”‬،‭ ‬إنه‭ “‬قبل‭ ‬ظروف‭ ‬الموصل‭ ‬كنت‭ ‬أنقل‭ ‬المسافرين‭ ‬والبضائع‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬الموصل‭ ‬وإليها،‭ ‬باتجاه‭ ‬بغداد‭ ‬والمحافظات‭ ‬وسوريا،‭ ‬وأستمتع‭ ‬بعملي‭ ‬الذي‭ ‬حرمت‭ ‬اليوم‭ ‬منه‭”.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬آثار‭ ‬الخراب‭ ‬والقصف‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬محطة‭ ‬قطار‭ ‬الموصل،‭ ‬بعدما‭ ‬حولتها‭ ‬التفجيرات‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬الأنقاض،‭ ‬وهدمت‭ ‬أبنيتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬فيما‭ ‬طال‭ ‬التخريب‭ ‬غالبية‭ ‬خطوط‭ ‬السكك‭ ‬وخرجت‭ ‬عن‭ ‬مسارها‭.‬

أما‭ ‬القطارات،‭ ‬التي‭ ‬أوقفت‭ ‬يوماً‭ ‬صفيرها‭ ‬كرمى‭ ‬لعيون‭ ‬الفنانة‭ ‬اللبنانية‭ ‬صباح،‭ ‬حين‭ ‬أحيت‭ ‬حفلاً‭ ‬غنائياً‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬هياكل‭ ‬حديدية‭ ‬صدئة‭ ‬بلا‭ ‬أبوات‭ ‬ولا‭ ‬نوافذ‭ ‬ولا‭ ‬مقاعد‭.‬

ويستذكر‭ ‬علي‭ ‬عكلة‭ (‬58‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬أب‭ ‬لسبعة‭ ‬أبناء،‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬يدفع‭ “‬ألف‭ ‬وألفي‭ ‬دينار‭ ‬فقط‭ (‬أقل‭ ‬من‭ ‬دولارين‭)” ‬للسفر‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬أو‭ ‬المحافظات‭.‬

ويضيف‭ “‬سابقاً،‭ ‬كنت‭ ‬أشحن‭ ‬بضائع‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬والمحافظات‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬الموصل،‭ ‬عبر‭ ‬القطارات‭ ‬بتكلفة‭ ‬مالية‭ ‬مناسبة،‭ ‬وضمان‭ ‬إيصال‭ ‬البضاعة‭ ‬دون‭ ‬تأخير‭ ‬أو‭ ‬أضرار‭”.‬

ملحقات‭ ‬ومرافق‭ ‬عدة‭ ‬كانت‭ ‬تضمها‭ ‬محطة‭ ‬قطار‭ ‬الموصل،‭ ‬منها‭ ‬قاعة‭ ‬ملكية‭ ‬كبيرة‭ ‬تعود‭ ‬للملك‭ ‬فيصل‭ ‬الأول،‭ ‬وتعتبر‭ ‬أقدم‭ ‬قاعة‭ ‬ملكية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬المهندس‭ ‬في‭ ‬المحطة‭ ‬محمد‭ ‬عبدالعزيز،‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬عاطلاً‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬تقنياً‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬

‭”‬80%‭ ‬دمار‭” ‬

يقول‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ “‬المحطة‭ ‬كانت‭ ‬تضم‭ ‬دار‭ ‬استراحة،‭ ‬وفندقاً‭ ‬يعتبر‭ ‬الاقدم‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬ومقهى‭ ‬وحدائق‭ ‬وكراجات‭ ‬لوقوف‭ ‬السيارات‭ ‬وعربات‭ ‬نقل‭ ‬الركاب‭ ‬التي‭ ‬تجرها‭ ‬الخيول‭”.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ “‬واردات‭ ‬المحطة‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬مصدر‭ ‬عيش‭ ‬لمئات‭ ‬العائلات،‭ ‬كالموظفين‭ ‬والعمال‭ ‬والباعة‭ ‬وأصحاب‭ ‬المحال‭ ‬والمطاعم‭ ‬والكازينوهات‭ ‬وسائقي‭ ‬الأجرة‭ ‬وغيرهم‭”.‬

فعبر‭ ‬الموصل‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬العام‭ ‬1940،‭ ‬وصل‭ ‬أو‭ ‬قطار‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬إلى‭ ‬اسطنبول‭. ‬لكن‭ ‬العاصمة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مربوطة‭ ‬إلا‭ ‬بالفلوجة‭ ‬غرباً،‭ ‬وكربلاء‭ ‬والبصرة‭ ‬جنوباً‭. ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬بعيد‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬72‭ ‬رحلة‭ ‬يومية‭ ‬كانت‭ ‬تسيّر‭ ‬على‭ ‬ألفي‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭.‬

قبل‭ ‬زمن،‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬التقدم‭ ‬والتطور‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فمنذ‭ ‬العام‭ ‬1869،‭ ‬كان‭ ‬الترامواي‭ ‬موجوداً‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬منه‭ ‬شيء‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬العربات‭ ‬الخشبية‭ ‬الأنيقة‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬السكك‭ ‬التي‭ ‬ابتلعها‭ ‬التمدد‭ ‬العمراني‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭.‬

احتضار‭ ‬محطة‭ ‬الموصل‭ ‬كان‭ ‬طويلاً‭. ‬ففي‭ ‬31‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬العام‭ ‬2009،‭ ‬فجرت‭ ‬شاحنة‭ ‬مفخخة‭ ‬جزءاً‭ ‬منها‭. ‬وفي‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬2010،‭ ‬غادر‭ ‬آخر‭ ‬قطار‭ ‬بتذكرة‭ ‬ذهاب‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬غازي‭ ‬عنتاب‭ ‬التركية‭.‬

لكن‭ ‬ثالث‭ ‬مدن‭ ‬العراق،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يوماً‭ ‬مركزاً‭ ‬تجارياً‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬صارت‭ ‬خراباً‭ ‬بفعل‭ ‬المعارك‭ ‬ضد‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2014‭ ‬و2017‭.‬

يقول‭ ‬معاون‭ ‬مدير‭ ‬سكك‭ ‬المنطقة‭ ‬الشمالية‭ ‬المهندس‭ ‬قحطان‭ ‬لقمان‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ “‬نسبة‭ ‬دمار‭ ‬المحطة‭ ‬قبل‭ ‬وخلال‭ ‬استعادة‭ ‬الموصل‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬80‭%”.‬

فلا‭ ‬يزال‭ ‬أثر‭ ‬الرصاص‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭ ‬على‭ ‬الأعمدة‭ ‬والأرصفة‭ ‬وواجهة‭ ‬المحطة،‭ ‬وبالكاد‭ ‬يمكن‭ ‬رؤية‭ ‬الفسيفساء‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تغطي‭ ‬أرض‭ ‬وجدران‭ ‬القاعة‭.‬

ويوضح‭ ‬لقمان‭ ‬أن‭ “‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬تشوبها‭ ‬معوقات‭ ‬مالية،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬سقف‭ ‬زمني‭”.‬

‭ ‬أغاثا‭ ‬كريستي‭ ‬وأم‭ ‬كلثوم‭ ‬

ذكريات‭ ‬جميلة‭ ‬تربط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الموصليين‭ ‬بقاطرات‭ ‬المحطة،‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬نور‭ ‬محمد‭ (‬37‭ ‬عاماً‭).‬

وتتذكر‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬عمرها‭ “‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬كانت‭ ‬جدتي‭ ‬تأخذنا‭ ‬بسفرات‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬من‭ ‬الموصل‭ ‬إلى‭ ‬حمام‭ ‬العليل‭ ‬ومعنا‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬الأقارب‭ ‬والجيران‭”.‬

باختفاء‭ ‬هذه‭ ‬المحطة‭ ‬يختفي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق،‭ ‬ومدينة‭ ‬الموصل‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭ ‬وتركيا‭.‬

ويقول‭ ‬مدير‭ ‬محطة‭ ‬قطار‭ ‬الموصل‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ “‬لقد‭ ‬زار‭ ‬محطة‭ ‬قطار‭ ‬الموصل‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرؤساء‭ ‬والملوك‭ ‬والمسؤولين‭ ‬الكبار‭ ‬والفنانين‭ ‬المعروفين‭”.‬

ففيها‭ ‬طورت‭ ‬الروائية‭ ‬البريطانية‭ ‬أغاثا‭ ‬كريستي‭ ‬مغامراتها‭ ‬البوليسية،‭ ‬وغنت‭ ‬كوكب‭ ‬الشرق‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬الاستقبال‭ ‬الملكية‭.‬

مشاركة