محطات … رواية العراقي (مظلوم)     1-2

محطات … رواية العراقي (مظلوم)     1-2

عملية تحوّل إجتماعي شامل

 فؤاد جابر كاظم

على الرغم من حجم الفجيعة وضخامة الأحداث التي مر بها العراق على مدى أكثر من نصف قرن فانك نادرا ما تجد كاتبا عراقيا نجح في تحويل هذه المآسي الى رواية. فلقد ظلت الرواية، هذا الفن الادبي المتميز الذي يستوعب التفاصيل مثلما يستلهم الشخصي والدقيق، أقرب في منجزها العراقي الى التعبير عن التجارب الشخصية منها الى هموم المجتمع ككل. بل المفارقة ان واحدة من افضل الروايات التي كتبت عن العراق وهي (وليمة لأعشاب البحر) والتي أثارت ضجة عربية في نهاية التسعينيات من القرن الماضي قد نجحت بامتياز في اعادة الحياة روائيا لحقبة زمنية عراقية مهمة على يد كاتبها الروائي العربي السوري حيدر حيدر فيما فشل فيه كتاب عراقيون كبار.

مقطع زمني

فلقد استطاع حيدر ان يصور مقطعا زمنيا مهما هي ثورة الأهوار في جنوب العراق ضد سلطة بغداد فيما لم اقرأ – بحسب معلوماتي المتواضعة- أي عمل روائي لكاتب عراقي بخصوص ذلك المقطع السياسي العراقي ماعدا عمل توثيقي هو اقرب للذكريات كتبه واحد من صناع الحدث والمشاركين فيه وهو الكاتب العراقي المغترب عبد الامير الركابي. وقل مثل ذلك عن احداث عراقية كبيرة ومهمة في التاريخ السياسي العراقي المليء بالتراجيديات والمآسي الكبرى مما يمكن ان يشكل مادة غنية لكتاب القصة والرواية. لذلك تأتي رواية الكاتب حميد الحريزي (محطات) لتمثل حدثا غير عادي في المشهد الادبي العراقي، خصوصا وهي تسد فراغا في المشهد الروائي التاريخي العراقي الذي يحتاج الى اعادة كتابة روائية وتأريخية على حد سواء. فلقد تمكن الحريزي في روايته (محطات) والتي جاءت في ثلاثة أجزاء ( تقع بحدود الستمائة صفحة) من اعادة تركيب بل وضخ الحياة الى فترة زمنية طويلة من تاريخ العراق، تمتد مساحتها الزمنية التاريخية من بداية الخمسينيات وحتى سقوط نظام البعث في العام 2003. تسترجع رواية الحريزي من خلال أسلوب الفلاش باك الأحداث التي مرت بالعراق خلال هذا المقطع التاريخي الطويل بما فيه من تبدلات سياسية وفكرية وإجتماعية. ويسترجع الحريزي بأسلوب جذاب يجمع بين التاريخ الحقيقي والسرد الشخصي مع العجائبي السحري والمخيلة قصص لنماذج عراقية متعددة بعضها حقيقي وبعضها خيالي بحيث يستعصي على التمييز لشدة تماسكه.  ينطلق الحريزي بذكرياته وهو في المدينة عن الريف. انها ذكريات عن ذلك “الزمن الجميل” (هذه الثيمة شائعة في كل الاداب العالمية، حتى ان الفرنسيين يطلقون على القرن التاسع عشر تسمية “الزمن الجميل” قبل ان تطيح به أهوال الحرب العالمية الاولى).  كما يرصد الناقد والكاتب الانكليزي المشهور رايموند وليامز في كتابه “الريف والمدينة”(The Country and the City) قصة التحول القيمي في المجتمع الانكليزي تحديدا في الفترة بين القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كما عبر عنها اساطين الرواية الانكليزية المشهورين أمثال تشارلز ديكنز وتوماس هاردي. ويشير وليامز الى هذا التحول في القيم من خلال التركيز على الانتقال من المجتمع الريفي بقيمه التقليدية والحميمة الى مجتمع المدينة المفتوح بقيمه المادية الجديدة. هذا الانتقال من (الريف) كعصر ذهبي مفقود ذهب الى غير رجعة الى عالم مديني متوحش، يعبر في جوهره عن هجوم عصر الحداثة بوسائل  تكنلوجيا حديثة يصاحبه تراجع حاد في القيم الانسانية. بالمثل، ينتقل الحريزي بنا من عالم الحاضر، المليء بقسوته وانحطاطه الى أجواء الريف حين كنا نعيش براءة الطفولة. في الجزء الأول من الرواية، والذي جاء تحت عنوان (العربانة )، يسترجع (كفاح ) وهو مناضل يساري وأستاذ جامعي وشاعر، صور الماضي المتلاحقة. (كفاح) الذي وجد نفسه بعد خروجه من السجن وهو شبه مجنون في العام 2003?  وسط الجثث الملقاة في الشوارع وبين الحرائق وأصوات الانفجارات، يبدأ بذكريات رحلة والده (مظلوم) الرجل البسيط القادم من قرية من قرى (المشخاب ) الواقعة في أطراف مدينة النجف الاشرف، وتحديدا على شط المجيهيلة على نهر الفرات. من هنا، تبدأ رحلة مظلوم وهو الفلاح صاحب الفطرة الصافية بعد نزوحه من قريته إلى مدينة النجف الاشرف وتعرفه إلى عالم المدينة الواسع بما فيه من طرق عيش مختلفة وأنماط تعامل جديدة كليا عليه. مظلوم الذي جاء الى المدينة هاربا من ظلم الاقطاع وتعسفه يبدو مندهشا امام حياة المدينة المليء بالتناقضات… طقوس دينية، ونقاشات سياسية ومعاملات تجارية لا يفقه منها شيئا. مظلوم يجد نفسه اول الامر غريبا عن المدينة لكنه يتعلم من خلال (العربانة) بعض أسرار الحياة والمدينة من خلال تعرفه الى ناس كثيرين بعضهم يقدم له المساعدة والعون وبعضهم الاخر يسبب له التعب والألم في رحلة الحياة. لكن الأهم هو تعرف مظلوم على الفكر السياسي الجديد ممثلا بالحركة اليسارية (الحزب الشيوعي العراقي ) من خلال شخصيات حسن عوينة ومحمد موسى التتنجي والشخصية الاهم (منير) (وهو سلام عادل واسمه الحقيقي حسين الرضي الذي سيصبح لاحقا قائد الحزب الشيوعي).  أما الجزء الثاني والذي جاء تحت عنوان (كفاح ) فهو يمثل تحول مظلوم إلى شخصية المناضل (الشيوعي ) تحت أسماء متعددة (غضبان ثم عاصف ثم شمران ) وانخراطه في النضال الوطني بعد انتقاله من النجف إلى بغداد في الفترة التي شهدت سقوط الحكم الملكي في العام 1958 على يد الزعيم عبد الكريم قاسم ومن ثم صعود شعبية الحزب الشيوعي وماتلاه من المواجهات الفكرية والسياسية مع القوى الأخرى (القوميين والتيارات الدينية) مرورا بسقوط حكم قاسم ومجيء عارف والحرس القومي. وتمر الرواية بحركة (حسن سريع ) واشتراك (مظلوم /عاصف /شمران) بها وفشل الحركة وتحول ، وبتعبير أكثر دقة، انكفاء مظلوم إلى التثقيف الذاتي وشبه اعتزاله للعمل الحزبي المنظم. يتابع الحريزي في الجزء الثالث وهو تحت عنوان (البياض الدامي) رحلة مظلوم ووفاته في العام 1973 ويستكملها بمتابعة رحلة ولده (كفاح) الذي عاد الى العراق على امل خدمة بلده استاذا وكاتبا. لكن كفاح (الاسم دلالة رمزية على مواصلة رحلة الاب) سيصبح هو وامثاله هدفا للنظام الذي سيبدأ بشن حملة منظمة لتتبع المعارضين والمخالفين لفكره ومضايقتهم من خلال سياسات الترغيب والترهيب. كفاح يرفض مغريات النظام بالانضمام الى البعث مما يعرضه للضغوط المتواصلة في عمله مما يحمله على اتخاذ قرار الهروب الى الاهوار لاعلان حركة النضال والمقاومة في اهوار جنوب العراق تواصلا مع انتفاضة الأهوارفي نهاية الستينيات من القرن العشرين (على يد جيفارا العراق خالد علي زكي). زوجة كفاح تتعرض للخطف في العام 1980على يد نظام صدام الذي جاء الى السلطة حديثا وكان مجيئه اعلانا لبدء مرحلة مظلمة جديدة، بدأها بإشعال الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم سنوات القحط والحصار وحتى سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 ومابعده من ظهور الواقع العراقي الجديد بعيد العام 2003 .

قصة تحول

لم يختر الكاتب حميد الحريزي شخصيته الرئيسية (مظلوم) كمحور مركزي لروايته اعتباطا. ذلك ان (مظلوم) لا يمثل قصة تحول فرد عراقي واحد بل قصة تحول المجتمع العراقي برمته. فبدءا من تسميته ومرورا بمهنه وتحولاته الشخصية والاجتماعية والفكرية السياسية والدينية، يبرز (مظلوم) بطلا واقعيا بامتياز، يجسد المراحل التأريخية والتقلبات السياسية العاصفة التي شهدها العراق على مدى أكثر من نصف قرن. ذلك ان (مظلوم) لم يكن مثقفا ولا طالبا ولاموظفا خرج غاضبا على تقاليد الريف ليهاجر الى المدينة. لقد خرج (مظلوم) الفلاح البسيط مهاجرا من قريته الصغيرة على أمل العثور على حياة أفضل له في المدينة القريبة اليه. لكن (مظلوم) ابن الريف لم يعد فلاحا بسيطا، بل صار ابن مدينة وان بقي ابن الريف في داخله. فهو ابن مدينة بقلب أهل الريف بكل مايعنيه هذا الوصف من سمات شخصية تحمل معاني الصدق والثبات على الموقف والولاء الحزبي الصارم، في عالم مديني مليء بالامراض والفساد والجريمة والعهر. لقد صاحب هذا التحول في واقع (مظلوم) الاجتماعي تغير في سلوكه الديني. ذلك ان (مظلوم) المتدين البسيط النافر من فساد أهل المدينة وعاداتهم، وقع في الفساد مرة رغما عنه (ممارسة الزنا) ومن ثم أصبح يمارس باختياره بعض العادات الجديدة (معاقرة السكر) (ج1? ص 141? ص 164). كما انه ماعاد يكترث كثيرا لتأخير صلاته ومن ثم لجأ الى ترك الصلاة. لكن (مظلوم) بقي حتى أواخر ايامه محافظا على ممارسة بعض التزاماته الدينية (الزيارة مثلا). هذا التحول من التدين الشخصي الى الولاء العقيدي الحزبي هو تحول قيمي مرتبط بالنموذج الفكري الذي انتقل اليه (مظلوم). فمظلوم انتقل من الايمان الديني بطقوسه الى الايمان الايديولوجي (الحزبي) التي وقفت الى جانبه وهو يعاني شظف العيش والمعاناة في المدينة. هكذا يتحول (الحزب- الحزب الشيوعي) الى “علوية” تقف الى جانبه في الصعاب، خصوصا وان (مظلوم) لم يكن يلتقط كلمة الشيوعية بشكل صحيح لتصبح الشيوعية علوية. وهكذا تحول مظلوم الى متدين علماني، ان صح الوصف، يدافع عن قيم عقيدته الحزبية أولا. ان ظهور أي تغيير اجتماعي وديني، انما يعكس في واقع الامر، تغييرات مادية وفكرية عميقة يمر بها الانسان والمجتمع عموما.

يتبع