محددات مفهوم الهوية العراقية

681

محددات مفهوم الهوية العراقية
وليد خالد أحمد
الهوية القومية لأي شعب من الشعوب تتشكل من تداخل مجموعة القسمات الثقافية والحضارية الغالبة على أفراده، والتي تميزه عن بقية شعوب العالم في الاطار الانساني الجامع.
وتتمخض الهوية أو الشخصية القومية عن عملية تاريخية طويلة ومعقدة نتيجة تفاعل مجموعة عوامل بعضها غير مادي مثل اللغة والثقافة والتجربة التاريخية المشتركة، وبعضها مادي مثل الجغرافية والاقتصاد، تؤدي الى صهر مجموعات بشرية معينة ضمن كيان قومي موحد. وثمة مؤشرات ينبغي الوقوف عندها قبل التطرق الى تفاصيل موضوعنا .. وهي
1ــ العنصر اللون والعرق والسلالة والدم والخصائص الوراثية ليس من ضمن العوامل التي تحدد الانتماء القومي، لأن النقاء العنصري لاوجود له في العصر الحديث، ولأن قيمة الفرد كأنسان أو هويته الجماعية لاتتأثران بأصله السلالي.
2ــ الدين لا يدخل في تكوين القومية، كونه علاقة روحيه بين الانسان وخالقه، غير أنه يدخل في جانب منها كونه ثقافة وقيماً ومُثلاً، لأن هذه النواحي لايمكن عزلها عن العصر أو المجتمع الذي نزلت عليه أو نشأت فيه الديانات، وبالتالي عن شخصية المجتمع، فمهما كان اختلاف الديانات بين المواطنين المنتمين لقومية معينة أو مدى التزامهم بتعاليمها الروحية، فإنهم يتأثرون بالعناصر الثقافية ذات المنشأ الديني التي يمثلها كيانهم القومي والتي قد يكون مصدرها أكثر من ديانة كماهو الحال في العراق، حيث تبقى بعض الآثار الثقافية المسيحية في ممارسات بعض المسلمين، كما دخلت بعض المؤثرات الاسلامية في عقيلة وسلوك غير المسلمين.
3 ــ عملية التكوين القومي في أية منطقة من مناطق العالم لاتنتهي بنهاية عصر أو حقبة زمنية معينة وانما تظل في حالة صيرورة دائمة، بحكم كونها ظاهرة بشرية مرتبطة بالانسان وتفاعلة اللاارادي مع البيئة المادية والمعنوية والمحيط الحضاري الذي يحتك به، وقد تتسبب عوامل ذاتية أو خارجية في ابطاء سير عملية التفاعل القومي في منطقة معينة أو في توقفها المؤقت، ولكنها لاتؤدي الى ايقافها نهائياً، حيث تستعيد معدل نشاطها الطبيعي بعد زوال تلك العوامل . وبنفس القدر فان نشوء كيانات قومية جديدة نتيجة للاندماج بين تشكيلات قبلية ثقافية متجاورة ومتلاصقة في المناطق التي لم تمكنها ظروفها التاريخية من ذلك، أمر وارد.
الملامح العراقية
للقومية العربية
أدت مسيرة التكوين القومي التاريخية في العراق الى دمج الموروثات الدينية والحضارية للأقوام العراقية القديمة التي سكنت ما اصطلح على تسميته ببلاد مابين النهرين، في الخصائص القومية التي تميز العرب كقومية بمفهومها الحضاري»الثقافي المعاصر . يعني ذلك بالتحديد أن تلك الموروثات تظل باقية كتراث تاريخي يعتز به جميع العراقيين حتى لو انقضى تأثيره بشكل كلي تقريباً في الحياة المعاصرة لمعظمهم، وبقيت بعض عناصره حية لدى البقية مختلفة في مداها كماً ونوعاً حسب ظروف وملابسات التشكل القومي في المناطق المختلفة . ويلاحظ أن هذا الوضع هو أحد عاملين أعطيا القومية العربية في العراق ملامح عراقية محلية . بمعنى، أنها ملامح مقصورة عليها فقط . أما العامل الآخر فهو بعض خصوصيات كيفية التأثير الاسلامي.
1 ــ لعب الاسلام دوراً محورياً في ولادة القومية العربية في مهدها الأول بالجزيرة العربية، لأنه أكمل تبلور لغة الحضارة العربية وآدابها، وفجر قدرة شعبها على صنع حضارة ساهمت مساهمة رئيسية في حضارة العالم الصناعي، حاملاً رسالة سماوية الى شعوب العالم أجمع.
بهذا المعنى يصبح لمصطلح الحضارة العربية الاسلامية أساس علمي وغير متناقض، في الوقت نفسه، مع عروبة المسيحيين والعرب من غير المسلمين عموماً، لأنه لايستتبع وحده أسلوب ومغزى عباده الاله ولايفرض تفرقة من أي نوع عليهم.
على أن هذا الارتباط بين القومية والدين اتخذ مدى أكثر قوة في العراق، لأن التلازم بينهما لم يكن محصوراً في مجال التكوين الأصلي للقومية العربية وانما تعدى ذلك الى ملابسات تحول العروبة الى قومية للتشكيلات البشرية الثقافية القديمة في وسط العراق وجنوبه على وجه الخصوص، ذلك لأن الفترة الحاسمة في التحول الاستعرابي تسبب فيها وصول الموجات البشرية العربية الرئيسية التي دخلت العراق بعد ظهور الاسلام، في عملية سلمية طويلة الأمد، وأعطت نتائجها كامتداد لتأثيرات سبقت نزول الاسلام بل والديانات السماوية نفسها.
2 ــ المصدر الثاني للملامح المحلية العراقية للقومية العربية، هو الطابع الخاص للارث الثقافي والحضاري السابق للاستعراب . فحضارات العراق القديمة كانت حلقة في سلسلة حضارات متعددة متزامنة ومتفاعلة شملت الجزيرة العربية ومنطقة الشام ووادي النيل، والحضارة المروية بالذات كانت امتداداً للحضارة الفرعونية، الاّ أنها في طورها الثاني كانت ذات خصائص محلية مميزة في جانبها المادي وغير المادي.
3 ــ الدور الأهم الذي لعبه التحول الديني الى الاسلام في انجاز التحول القومي الى العروبة، مع حيوية بعض مكونات حضارات ماقبل التعريب، أسبغ على البنية الثقافية لبعض المجموعات السكانية في العراق الجنوبي طابعاً اسلاميا أكثر بروزاً من طابعها العربي بالمقارنة لأغلبية سكان الوسط وبعض مناطق الشمال العراقي، فنجد في بعض الجهات مثل مناطق الشمال العراقي، أن التحول الاستعرابي ظل جزئياً أو سطحياً في نواحي معينة أهمها الجانب اللغوي، بمعنى أن اللهجة المحلية المستخدمة في الحياة وسعت ذخيرتها اللغوية والتعبيرية بالاستعارة من اللغة العربية، بينما أصبحت هذه اللغة أي العربية هي لغة الممارسة الدينية، ولغة العلوم والآداب والحياة العصرية . وهذا الوضع هو الذي يشدد على الدور الأهم للمكون الاسلامي الثقافي للحضارة العربية في التعريب المتفاوت لسكان هذه المناطق ماضياً وحاضراً وربما مستقبلاً . ومن ثم بروزه الأوضح في تكوينها القومي . كما أن التطلع للانتساب الى لغة القرآن وحضارته ورموزه العظيمة الذي يعبر عن نفسه في ايجاد نسب عربي، كما يظهر في التاريخ الشفاهي والفولكلوري يكتسب أهمية أكبر كمؤشر لعملية استعراب سكان هذه المناطق بالمقارنة لأغلبية سكان الوسط والجنوب ذوي الانتماء العربي الحضاري الأوضح في كافة الجوانب.
4 ــ يعني ذلك أن اللغة العربية والحضارة العربية الاسلامية نفسهما تغتنيان بالعناصر الحية التي تلبي احتياجات التطور في ثقافات وموروثات المناطق المذكورة . ويؤكد هذا بدوره، أن مايشير اليه الواقع المتحرك للتكون القومي في وسط وجنوب العراق من طابع عربي»اسلامي جامع له، لايتنافى مع البقاء الدائم أو المؤقت لعناصر ثقافية أخرى، كما يؤكد أن التمايزات الثقافية القائمة حالياً في شمال العراق تعكس تبايناً درجياً وليس نوعياً.
تطور الحالة القومية
في شمال العراق
لاينطبق هذا الاستنتاج عند المقارنة مع الوضع في شمال العراق، حيث يرقى عدم التجانس القومي مع وسط وجنوب العراق الى المستوى النوعي، بسبب عدم امكانية اطلاق الصفة القومية العربية الاسلامية أو غيرها عليه، نظراً لبقاء حالته القومية في طور التبلور حتى الآن، وذلك بالرغم من مظاهر التداخل مع الحالة القومية الأكثر تبلوراً في الوسط والجنوب.
يعتبر الشمال العراقي هذا شبيه بمناطق العالم القطبية والاستوائية ذات الثقافات الدينية والاجتماعية المتكاملة ضمن وحداتها القبلية، وفوق القبلية، والتي ساهمت عوامل ذاتية وموضوعية متعددة، من بينها المناخ في اضعاف حلقة التفاعل الحضاري والثقافي بينها وبين المجتمعات الأخرى من حولها، ومكنتها بالتالي من الاحتفاظ بمكوناتها الثقافية المحلية دون تحوير كبير.
وأضيفت لذلك في العصور الحديثة الظاهرة الاستعمارية التي عمقت حالة التخلف المادي وأيقظت التعقيدات والحساسيات الموروثة من عصور الاقطاع وما سبقها بشكل سمّم مناخ التفاعل الصحي بينها وبين بقية شعوب العالم.
تفاعل هذين العاملين المرتبطين بالظاهرة الاستعمارية مع العزلة المفروضة جغرافياً، خفض من معدل الانتقال الى مرحلة التبلور القومي في مناطق العراق الشمالية مثلما هو الحال في مناطق العالم ذات الوضع المشابه، لذلك فان حركة التفاعل بين التكوينات الثقافية واللغوية شمال العراق التي يجمع بينها، مع وجود أقليات مسيحية واسلامية، المعتقد الديني القائم هو نفسه على أساس قومي»قبلي، لم تستقر حتى الآن على أرضية ثقافية»حضارية مشتركة وواضحة المعالم ذات لغة مشتركة، بحيث يمكن قياس مدى تماثلها أو اختلافها مع الشخصية العربية الاسلامية في بقية أنحاء العراق.
نفس العوامل التي أثرت سلباً على مسيرة التبلور القومي في شمال العراق مضافاً اليها العلاقة الوثيقة بين حدود انتشار التأثير العربي الاسلامي والبيئة الجبلية وشبه السهلية، أبقت علاقة التفاعل الحضاري والثقافي بين التكوينات الثقافية واللغوية الشمالية، وذلك التأثير في حدها الأدنى، بالرغم من أشكال التبادل الثقافي التي أدت لولادة أداة تواصل لغوي شعبي في الشمال مثل عرب الموصل ومنطقة الجزيرة وغيرها من المظاهر الثقافية والسلوكية المشتركة مع وسط وجنوب العراق.
هذا النوع من الرصيد الايجابي في علاقة التلاقح بين شمال ووسط وجنوب العراق الذي يتخطى سلبيات علاقات الماضي، هو الذي سيرفع معدل التفاعل الى حده الأقصى مستقبلاً مدعوماً بعوامل أخرى … أهم هذه العوامل علاقات التعايش والجوار القديمة، ووحدة التجربة التاريخية المشتركة ضد الطبيعة والغزو الأجنبي في العصر الحديث، ووحدة مصلحة الجماهير الشعبية في تحرير ارادتها من التخلف بالتنمية الجذرية المتوازية والمستقلة عن الضغوط الامبريالية والاستغلال الداخلي.
الوحدة الوطنية العراقية
الشروط المطلوبة لسير هذه العملية هي نفسها الشروط المطلوبة لتمازج الثقافات الشمالية نفسها وتبلور اتجاهات ودرجة تمازجها مع الوجود العربي»الاسلامي في الوسط والجنوب، وهو توفر مناخ صحي للتفاعل بين كافة الاطراف يقوم على احترام الثقافات، مهما كان وزنها العددي والسياسي، ورعايتها، كما يقتضي ذلك ديمقراطية سياسية تعددية مرتبطة بتطور محسوس نحو ديمقراطية اقتصادية اجتماعية تزيل التخلف في اشكاله المادية والمفاهيمية والنفسية والتي تقف وراء ظواهر الاستعلاء والدونية القومية.
كذلك، فان توفر مقومات جو التفاعل الخصب ضروري لتعميق وتوسيع أرضية الوحدة الوطنية بأسرع مما ظل يحدث حتى الآن . لقد تحقق القدر الحالي من التشكيل الحضاري العربي»الاسلامي في الوسط العراقي وجنوبه مهما كان الرأي حول مدى شموله وتواصله مع حالة التطور القومي في الشمال، مهما كان الرأي حول درجتها الحالية واتجاهاتها المستقبلية بصورة لاتخلو من عناصر الصراع والتنافس بين الأقوام المختلفة وفي اتجاه معاكس لمرامي التخطيط الخارجي التفتيتي»الطائفي الذي تعمد عرقلة تلك التطورات الطبيعية . غير أن محركات التوحيد الوطني التي أرساها انتشار الثقافة العربية»الاسلامية في الوسط والجنوب وتعايشها مع الثقافات الشمالية في اطار الأخوة الدينية والعلاقات المصيرية التاريخية بين مختلف فئات الشعب، تظل قادرة على الفعل في اتجاه تمتين الوحدة الوطنية خاصة في ظل الوعي المتنامي والظروف السياسية والاقتصادية المواتية.
ومع الحرص الفائق على تهيئة كافة الشروط الضرورية لتقوية فعل عوامل ترسيخ الوحدة الوطنية وتنقيتها من سلبيات عهود التخلف والسيطرة الاستعمارية وسياسات الأنظمة الدكتاتورية، ينبغي الحرص على عدم الخلط بين حقائق وضع التكوين القومي في العراق وآفاقه المستقبلية، وبين الخلافات السياسية والفكرية، فاذا كانت بعض الأحزاب والتيارات الفكرية الموجودة الآن في الساحة العراقية تعتبر نفسها أفضل تجسيد ممكن للتلاحم المصيري بين العرب وغير العرب وبالتالي أفضل ضمان ممكن للثورة الاجتماعية والاقتصادية والوحدة الوطنية، الاّ أنه يجب وضع خط واضح بين حق الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى في الاختلاف الديمقراطي، مع تلك الأحزاب والتيارات وادعاءاتها حول هذه المسألة وغيرها، وبين أوضاع التكوين القومي في العراق التي تسعى لتجسيدها في فكرها وعملها، ودور هذه الأوضاع في ترسيخ الوحدة الوطنية وتمتينها.
الانتماء العربي » الاسلامي
الاسلام كمعتقد روحي عباداتي وتكوين ثقافي وتراث تاريخي يشمل بطريقة أو بأخرى كافة جوانب الحياة الانسانية، هو دين الأغلبية العظمى من العراقيين، وهو يدخل كمكون للشخصية العربية داخل العراق وخارجه في جوانبه الثقافية والتراثية بصرف النظر عن المعتقد الديني للعربي، كما أنه يشكل بتلك الصفة صلة شبه قومية متنامية تختلف في قوتها من بلد لآخر ومن مجموعة سكانية لأخرى في نفس البلد بين العرب والمسلمين من غير العرب.
وقد طرحت تصورات معينة لامجال لذكرها هنا وتقييم مدى دوافعها، كقضية اقامة دولة دينية على أساس تفسير معين لنصوص الاسلام بقوة على المسرح السياسي العراقي بعد 9»نيسان، غير أن هذه القضية لاتزال محل خلاف حتى بين المسلمين أنفسهم، مما يدل على أن الجوانب الاقتصادية والسياسية والقانونية وغيرها من الجوانب التي يقوم عليها نظام الدولة الدينية، هي اجتهاد نظري سياسي وليست جزءاً أصيلاً وطبيعياً من الانتماء للعقيدة الاسلامية . على هذا الأساس لايمكن اعتبار تصورات بعض القوى السياسية لماهو تنظيم اقتصادي وسياسي وقانوني اسلامي للمجتمع كجزء من العقيدة الاسلامية مما يجعلها غير صالحة لاتفاق دستوري حتى بين المسلمين أنفسهم.
ويعتبر الاصرار على تلك التصورات تجاه غير المسلمين مدعاة لتعطيل الاتفاق الوطني الدستوري لانطوائه على تهديدات خطيرة على الديمقراطية والوحدة الوطنية، لاترتبط بأية دعوة سياسية أخرى مهما كان نوع ادعاءاتها، وذلك لأن هذه الدعوات الأخرى لاتخلع على ممارساتها ونظرياتها قداسة من أي نوع، مما يجعلها قادرة على الأخذ والعطاء الديمقراطي الى آخر المدى، كما أنها لاتقوم على تصور لحكومة دينية.
وهذا لاينطبق على الدعوة السياسية الفكرية ذات الطابع الديني التي لاتستطيع تجاوز حدوداً معينة في تفاعلها مع الأطراف السياسية الأخرى، الاّ بخرق هذا الادعاء الديني الذي تعتبره مقدساً وغير قابل للمس به.
ومن جهة أخرى، فان رسوخ العقيدة الدينية النابع من قداستها، اسلامية كانت أو غير اسلامية، يحرك ردود فعل متساوية في قوتها لدى كافة أصحاب الديانات الأخرى بصرف النظر عما اذا كان الادعاء بعدم شمولية تعاليمها صحيحاً أم لا، مشكلاً خطراً ماثلاً ومدمراً على الوحدة الوطنية، علماً بأن هذا النوع من ردود الأفعال لاعلاقة له بتوفير أو عدم توفير مناخ خال من الاحساس بالاضطهاد الديني أو القومي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فهي تظل قائمة حتى اذا توفر هذا المناخ، لأن التفرقة السياسية والانسانية التي تترتب على التفسير الحرفي للاسلام وأركان الدولة الدينية التي تنتج عنه، معروفة لدى الجميع ومتوقعة من قبلهم مهما كانت قناعة البعض بعكس ذلك.
ماهية العراقية
ان أهم الجوانب التي يمكن استنتاجها من التعريف والشرح الواردين أعلاه لمعاني الانتماء العربي والاسلامي، هو انعدام التناقض بينها سواء كمواقع أو كامكانية . وأكثر من ذلك فان التقدم على الطريق الصحيح للوفاء بالتزامات احدى تلك الدوائر يقوي بقية الدوائر، فحركة الوحدة العربية ذات المحتوى الاجتماعي بمختلف أشكالها القائمة على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة القومية بين العرب وغير العرب بنفس الأسلوب والمحتوى اللذان تتطلع لتجسيدهما التجربة العراقية الآن في بعض تياراتها على الأقل ولاسيما تلك الرافضة للاحتلال الأمريكي. امكانية لاحدود لها لتحقيق تنمية جذرية وشعبية بحكم كونها تحمل من حيث الاتجاه والثروة المادية والبشرية، الشرط اللازم للقدرة على مواجهة كافة الضغوط الخارجية وامتداداتها الطبقية الفئوية السياسية الاستغلالية في الداخل ذات النزعة التفتيتية للعراق. لذلك، فانه مهما كانت الصيغة الدستورية التي سيحددها الاقناع الطوعي لكل فئات الشعب العراقي لتفاعل العراق مع هذه الحركة، فانها ستكون انعاكساً للتوافق الطبيعي بين الميل المشروع للعرب في العراق في الافصاح عن مستلزمات انتمائهم القومي دون الاستناد على مفهوم الأغلبية، والمصلحة المشتركة لكافة فئات الشعب عرب وغير عرب في التصفية النهائية للتخلف والتي تعتبر في الوقت نفسه ضرورة لاغنى عنها لازدهار كل الكيانات الثقافية الأقوامية مهما كان وزنها العددي ومن ثم اكتساب للخصائص القومية بتداخلها مع غيرها أو بمفردها.
بناء على تلك المحددات علمياً لمعاني الانتماء العربي والاسلامي وعدم تناقضها ثم حقائق التداخل والتساند المتبادل بين هذه الدوائر التي تجعل لكل دائرة نصيباً في الأخرى، يعتبر العراق قطراً وشعباً منتمياً لها جميعاً . فهو عربي اسلامي. ولذلك، فان مصطلح عراقي يعني الانتماء الى جنسية قانونية لكيان سياسي موحد يتساوى فيه المواطنون مساواة مطلقة وتتفاعل فيه نحو صياغة أكثر تبلوراً للعلاقة القومية الجامعة، حضارة عربية»اسلامية وثقافات كردية وكلدوآشورية ضمن انتماء عراقي عربي سياسي يجمع العرب وغير العرب.
على هذا النحو تصبح ماهية العراقية و الشخصية العراقية بعيدة عن المفهوم الشكلي الرائج الذي يراها كمجرد تجميع لثقافات متعددة في حالة جمود، أو يقدم صيغة توفيقية وسطية تحت ذلك المصطلح كحل سياسي مؤقت لمشكلة غير سياسية في المقام الأول، وكلاهما يتجنبان المواجهة المباشرة للقضية المطروحة التي يثور حولها جدل شديد يوحي بأنها غير قابلة للحل العلمي القائم على التعريف الموضوعي لعناصرها، ثم اشتقاق المصطلح المطلوب من هذا التعريف . والوقع هو أن قدراً كبيراً من هذا الخلاف والجدل يدور خارج الموضوع، وهو ما يتضح اذا وضعت المشكلة على وجهها الصحيح باعتبارها مشكلة تحديد محتوى المصطلحات أولاً، فمصطلحات اسلامي و عربي لاخلاف عليها كصفات للعراق وشعبه، ولكن القدر الموجود من الخلاف هو في مغزى هذه المصطلحات وعلاقتها ببعضها البعض التي تجعل منها مصطلحاً واحداً عربي»اسلامي وهو خلاف في تقديرنا محدود المدى ويمكن ازالته اذا تجرد الجميع من المفاهيم المسبقة والشكوك، وأدركوا انه ليس على صلة بالصفات التي تستخدم لتحديد هوية العراق.
AZP07