محتجّون ينسجمون بإيقاع مثير وثلاث نساء في عمل تشريني

إني أتنفسُ مسرحاً وأمامي عرضان مهمان

محتجّون ينسجمون بإيقاع مثير وثلاث نساء في عمل تشريني

بغداد – كافي لازم

نحن أمام عرضين مهمين عرضا في أوقات متقاربة الاول مسرحية (بلاك بوكس) اخراج ماجد درندش ،دارماتوج سعد عزيز عبد الصاحب.والثاني مسرحية (أنا وجهي) تأليف وإخراج عواطف نعيم والذي افتتح فيه مسرح آشور الجميل (100 كرسي) الذي يعد إضافة نوعية متكاملة بملحقات العرض المسرحي من تقنيات فنية وأمور أخرى وهذا يأتي ضمن سلسلة اعمال عظيمة بقيادة مدير عام دائرة السينما والمسرح احمد حسن موسى ورفاقه المخلصين الذي توج بتعمير وإصلاح اهم مسرح بالشرق الأوسط الا وهو مسرح الرشيد الذي طاله القصف الأمريكي المشؤوم  وعليهم الاعتذار لما سببوه من أذى انساني كذلك ان يتحملوا كلفة اعماره ضمن قوانين الأمم المتحدة.على اي حال قلت قبلا أنني سأتنفس مسرحا قادم الأيام وهاهي نبوءتي قد تحققت.

العرض الاول – بلاك بوكس

هذا العرض من تمثيل (الذين أسماهم المؤلف بالمحتجين) خضير ابو العباس؛ طه المشهداني ؛حيدر عبد ثامر ؛بسمة ياسين؛ حسين مدوحي؛ علي عادل.هذا الفريق من المحتجين انسجموا في إيقاع مثير.. اجد هنا أنهم قد ساهموا أيضا في جمل وحورات ضمن النص مع إدخال بعض الجمل الشعبية لأغناء زخم العمل حيث ان هؤلاء الأشخاص كانوا قد دفنوا في مقبرة جماعية وقد كبروا فيها وكبر تاريخهم أيضا كذلك قيمهم مع حالة اليأس السائدة عند البعضأن شكل العمل والدخول في هكذا محتوى يؤشر للمخرج المبتكر ماجد درندش . لقد سار على خطى الاحتجاج في أعماله المسرحية مستنبطا حكايا وقصصا كبيرة المعاني حدثت لهذا الشعب العظيم باحثا عما يثير ويحفز المتلقي على أن الذي حدث في الماضي  القريب هو جزء من حياتنا لابد أن نعيشه يوميا . أن النفوس التي هدرت بالأمس ليست بعيدة عنا اليوم كذلك هي ليست بعيدة عن ماضي الأجداد الذين بنوا حضارة وادي الرافدين وهذا ما أكده القائد السومري الذي أبدع فيه الفنان خضير ابو العباس وأعطاه الجانب الشعبي وكأن حياته ليست بعيدة عنه بل هي وليدة اليوم المُعاش حينما سألوه عن عنوانه قال إن موطني هو آشور وبابل وسومر وأكد وبغداد الحبيبة ومحلاتها المعروفة وقطاعاتها الشعبية .

هي فكرة رائدة تسجل لهذا العمل بأن البطل الشعبي ليس أسطورة بل يعيش بيننا ضمن حياتنا اليومية وهو أيضا ضمن خط الاحتجاج.أما المحتجون (الممثلون) قد أدوا أدوارهم بكل حرفية وابداع خصوصا في تنوع الشخوص والأفكار وهم بالتأكيد كعراقيين ضمنا هم محتجون .الا اني ارى هناك بعض الهبوط في إيقاع العمل لاسيما في الجزء الثاني منه .كنت اتمنى رؤية بعض الأطفال مع ألعابهم الذين دفنوا احياءا في هذه المقبرة الجماعية.

أن المخرج المتمكن ماجد درندش في مسيرته الاحتجاجية لن يرفع شعارا (اني خلقت لكي احتج) بل إن احتجاجه مبني على أساس موضوعي ومعاش بشكل يومي. كذلك نحن المتلقون في حالة دهشة وتوهج وتحفز للانطلاق نحو شارع السعدون تحت يافطة (نريد وطن)

 العرض الثاني – انا وجهي

مسرحية تشرينية اخرى وفي رسالة واضحة من الفنانة القديرة المخرجة والمؤلفة المتمكنة عواطف نعيم والتي جندت فكرها وكل ما تمتلك من قوة وارادة لخدمة ثورة تشرين العظيمة انها مسرحية انا وجهي .. ثلاث شخصيات نسائية يتناغمن مع فلسفة ما طُرِح من فكر مضيء ومؤثر في العمل الفني وهن : شذى سالم،سمر محمد،شيماء جعفر وهذه اول مسرحية تُعرض في هذا الصرح الجميل الجديد (مسرح اشور) وسيسجل التاريخ ان هذا العرض قد احتضن اول عروضه عمل متكون جميعه من النساء وهذا فخر لهن ولدائرة السينما والمسرح ولنا نحن المتلقين.

حقيقة عمل يستحق اكثر من مشاهدة واحدة فأن ما طرح من افكار متدفقة تحتاج الى وقفة وتأمل . قالت المؤلفة كل ما تريد ان تدلو به في اطار فني وبطريقة تعليمية وقد تناغمت الفنانة القديرة شذى سالم واعطت المتلقي درسا من ذهب (وهي الاستاذة في كلية الفنون) في الاصغاء والشد والانتباه مستغلة مساحة العرض بأحترافية عالية كما ان صمتها كان لغة ناطقة وفعلا هائل التأثير في استخدام شاشة العرض في لقطات (كولز اب) لـ(انا وجهي) لأغناء الدرس لنا نحن التلاميذ بفعل لن يسرق الاداء الاساسي للفنانة المعلمة شذى سالم بل اضافت لنا عنصري الدهشة والتحفز وهذه تركيبة نادرة في المسرح العراقي وكأننا في قاعة درس تحتوي على مختبر ووسائل ايضاح اُستخدمت كأدوات شغل مسرحي بشكل متفاعل.

ان حالة الصمت والانتباه الذي احدثها العرض يذكرني في كلمات قيلت بحق فرقة المسرح الفني الحديث من قبل قامتين عربيتين وهما المخرج يوسف شاهين والكاتب الفريد فرج واللذان اجمعا على ان الجمهور العراقي افضل جمهور منصت وهادئ في المسرح العربي.

لم تترك المؤلفة شاردة وواردة الا وذكرتها في انفاس امرأة حملت جميع وجوه العراقيات فهي ام وزوجة واخت وابنة الشهيد تودعهم واحد تلو الاخر بنزيف لا ينضب منذ التأسيس فركاب الشهداء في رحلة لا حدود لها وهي تبحث عن سبل العيش والصراع مع الوجود بحركات ايمائية اغنت عن الكثير من الحوار مع اني كنت اتوق ان ارى وجه امرأة الريف وهي ترى الرجال يُسحقون في آتون الحروب. شكرا لهذه الابهة والجمال ولهذه السمفونية التي عزفتها اربعة نساء رقيقات من بلادي عواطف نعيم اخراجا شذى سالم وسمر محمد كذلك شيماء جعفر والتي اجادت في دورها ولا ننسى الكادر الفني انهم هذه المرة ليسوا خلف الكواليس بل واضحة بصماتهم وانفاسهم..

في السينوغرافيا دكتور علي السوداني/عباس قاسم في الانارة/ ضياء عايد في تصميم الموسيقى/ساهرة عويد في تصميم الازياء واخرون… والى مهرجان بغداد الدولي للمسرح

مشاركة