محاولة لمعرفة سبب فشل أن يكون القاص روائياً والروائي قاصاً

378

محاولة لمعرفة سبب فشل أن يكون القاص روائياً والروائي قاصاً
القصة القصيرة والرواية.. من يقود الطريق لمن؟

حيدر عبد الرضا
ليس لدينا الأن كلمة واحدة بشأن ممارسات القصاصين في كتابة الرواية، وليس لدينا أيضا من جهة ما، سوي رؤية ومشاهدة هذه التبعثرات والشتات في النظر الي ممارسة حقل كتابة النص الروائي في الوقت الراهن من الزمن الذي صار فيه هناك أكثر من أيعاز بأن مرحلة كتابة القصة القصيرة ما هي ألا تمرينا مباشرا لمرحلة صنع رواية ناجحة في الساحة الأدبية والثقافية : وعلي هذا كيف يمكننا اليوم نقديا من أن نفهم هؤلاء الأدباء من أن موضوعة وزمن ومكان وشخوص وحالات القصة القصيرة ما هي ألا بمعزل سحيق عن حدود وآفاق وأسلوب ونمط ونسق فن الرواية . أننا اليوم نقرأ ونشاهد ظاهرة تراجع مستوي الرواية العربية، دون معرفة أسباب وكيفيات ذلك التراجع الغريب، ولو حاولنا مراجعة مواطن هذا الخلل الكبير سرديا، لوجدنا بأن أغلب من يكتبون الرواية اليوم، هم من فئة كتاب القصة القصيرة، وليس فن أجناسية الرواية، وفي إطار فهم هذه الأشكالية الحاصلة في سبب تراجع الرواية دون بقية الفنون الأخري، نلاحظ بأن هناك ثمة سوء فهم لكلا الأسلوبين القصة القصيرة والرواية، فهناك لدينا ثمة دلائل وبراهين وأدلة قاطعة في نماذج أدبية كبيرة قد حدث من خلالها هذا النوع من الأختلاط والخلط وسوء الفهم، فمثلا نري بأن جبرا إبراهيم جبرا قام بأنجاز الكثير من القصص القصيرةو لكن ما هو باقي في الأثر البارز هو كونه روائي أولا وأخيرا وليس كقاص أبداعي كبير، كذلك نلاحظ بأن عبد الرحمن منيف قد قام بأنجاز روايات كبيرة وهامة بجانب كتابته لبعض القصص القصيرة، لكنه عول عليه علي أساس أنه روائي بارع وليس قاصا بارعا أطلاقا، أيضا نري بالمقابل من هذه الأمثلة عوالم نجيب محفوظ ويوسف أدريس وأحسان عبد القدوس، وعلي مستوي محلي تجدر الأشارة الي القاص المبدع محمد خضير وهو معروف كقاص كبير وخالق كبير للنصوص السردية في فن الحكاية والأقصوصة، علي حين غرة عندما قام بكتابة رواية «كراسة كانون» قد واجه نقدا لاذعا لسوء مستوي هذا النص الروائي التجريبي والذي لم يلاقي نقديا سوي الأضمحلال داخل قاع الذاكرة المنسية، ويشاركه بالمثال عبد الرحمن مجيد الربيعي الذي قد أظهر تفوقا كبيرا في روايته «الوشم» في حين أن هذا الكاتب قد مارس في كتابة القصة القصيرة وبشكل طويل دون أن تسلط الأضواء النقدية عليه بشكل جاد، وهناك نموذج آخر هو عبد الخالق الركابي ولطفية الدليمي وعبد الستار ناصر وجمعة اللامي وحنون مجيد وأيضا مهدي عيسي الصقر وفؤاد التكرلي وكاظم الأحمدي . وأتمني أن يلاحظ القاريء بأن جميع هذه الأسماء والتجارب حصرا وتحديدا قد مارس كل منها كفاءة محددة في فن سردي واحد، غير أنها قد أخفقت أو بالأحري فشلت في أشباع ما تقتضيه قواعد وأصول وفنية الأخري من الكتابة : فعلي هذا هل يمكن معرفة السبب في فشل أن يكون القاص روائيا والروائي قاصا؟ هل معني هذا أن الرواية ليس فن سرد والقصة متنا خالصا في السرد؟ أم أن القصة القصيرة فيها زمن والرواية ليس فيها؟ الجواب عن هذه الأسئلة تكمن علي أن هناك فوارق أصولية وفوارق أدواتية وفوارق زمنية ومكانية وشخوصية، وسوف أوضح هنا كيفية ما هو مختلف ما بين هذان الأجناسان ومدي الفارق والأختلاف بينهما .

الخطاب والشخوص في الرواية
في هذه النقطة من التقديم سنتحدث عن الخطاب والشخوص في الرواية، حيث سوف يتضح مدي الأختلاف عن مكونات الخطاب في القصة القصيرة، وتبعا لهذا نري أن من الضروري قبل تحديد خطاب الرواية القول علي أن تعريفات مكونات الراوية، تستمد طابعها الكتابي من حكاية القصة القصيرة، ولكن هذه الحكاية التي تنشأ في ظل الرواية، قد جاءت علي أساس تمايزات تنظيرية مختلفة من أطلاقية مجالات ومحددات إجرائية النص الروائي وليس القصصي، علي أية حال، أن كل الذين أشتغلوا علي الحكي في منطقة الرواية والروي، لجأوا الي أجراء تميزات داخل كل عمل حكائي روائي، والحكاية في النص الروائي، ليس هي ذاتها الحكاية في القصة القصيرة، لأن زمن الحكاية الروائية يكون عادة ناتج عن أستجابات أولية في مؤشرات الفعل المحكي، في حين الحكاية في القصة القصيرة تكون قادمة من مؤثرات شخوصية في المكان أو في حبكة الشكل المروي في شكل التنصيص البؤروي . وداخل معاينات العلامة النصية الروائية تكون هناك ثمة أختلافية عن زمن وخطاب القصة القصيرة، وهذا يتضح بدوره عندما حدده الشكلانيون الروس حول مكونات النص الروائي، حيث أنطلقوا من مجموعة من الأجراءات الشكلية التي تغاير النظرة التقليدية المنصبة علي مجال كتابة القصة القصيرة وأدواتها، لذلك وضعوا خصائص نوعية متميزة للخطاب الروائي من حيث الأمتداد والأنفتاح السردي في الشكل والبنية، ومن خلال جملة خلاصات هذه الأنواع والتصانيف، نري بان المادة الحكائية الروائية والزمكانية، عادة ما تبقي شكلا من أشكال تجسيد أنساق تركيبية متغيرة من قيمة أنواع سردية تواصلية خاصة، تكمن ما بين مبني المحكي ومحتوي النص الشكلي، لهذا تبقي الرواية دوما عبارة عن خصائص شمولية في المكان والزمان وحركية الشخوص التمثيلية، حيث نستنتج من كل هذا بأن مساحة السرد داخل الرواية يمتد داخل ملفوظات المظهر الفعلي واللفظي وفي كافة أبعاد النص الوظائفية والدلالية . ولمعرفة وتمييز زمن الخطاب الروائي عن زمن خطاب القصة القصيرة، نعاين كشوفات مواقف الصورة السردية ونمو عضوية الشكل النصي في المحتوي الخاص والعام وفي تعددية الشخوص وتصاعدها وفق لسانية زمنية ومروية محددة ضمن خصائص علاقات تقديم وتأخير تكون ناظمة عادة لعلاقة الراوي بالمروي .

الزمن الروائي والزمن القصصي
الزمن الشكلي في القصة القصيرة هو ما يكون أقتراحا سياقيا في أطروحة متصورات المحكي الملفوظي ومن خلال هذا الزمن القصير نري بأن ضمير المتكلم أو الغائب يشكل أنتاج سياقية أقوال الشخصيات لتقديم الحدث المحكي، كما يمكن أن يتداخل الحكي والخطاب في نمط تلفظي من قيمة الخطاب الغير المباشر أو الخطاب المباشر من قيمة المروي العام . وبأختيار أزمنة الفعل القصصي يختلف موقع الراوي أحيانا لوجود أفعال الماضي والحاضر والمستقبل والمجهول . أما الزمن الروائي الشكلي فعادة ما يكون مظهرا موصوفا بقصد مماثلة العالم المادي بحيثيات زمن المتخيل اللامرئي، كما أن الوصف في النص الروائي الزمني، يختلف جذريا عن وصوف القصة القصيرة في الزمن، وذلك لأن زمن قياس الأحتمالات في الرواية أكثر أتساعا وحدود أحتمالية الموجود الموصوفي في القصة القصيرة.

الرواية والقصة ومدار أفعال النص
تذهب نظرية «فعل النص» علي أن هناك في عالم القصة القصيرة ثمة أنظمة دلالية ومرجعية تطال تحولات فواعل التواصل في بنية الرواية، ولكن هذه الفواعل من جهة ما هي ألا توجهات قيمية في تحيين سيرورة النموذج الحاصل في شفرة كتابية جديدة ومغايرة، أي علي هذا نفهم، بأن عملية التماثل ما بين القصة والرواية قد صار من الصعب ضمها أو أشراكها الي ميدان واحد، لأن عمل المشفرات الوظائفية في كلا الجنسين قد باتت أستنطاقا نحو معطيات أنتاج دلالات مغايرة وحدود المناطقة العضوية في كلا الجنسيين . وفي الختام أقول لهؤلاء القصاصين والروائيين بأن الأختلاف والخلاف بينكم كبير والفجوة أكبر أتساعا وعمقا وهاوية، فلهذا من غير الممكن أن تكون كتابة القصة القصيرة بابا أو تمرينا أو طريقا لكتابة رواية ناجحة في يوم ما، كما ليس بالضرورة أيضا أن يكون هذا الروائي المبدع كاتبا قصصيا ناجحا وبعيدا عن سياقية ضرورات الكاتب في أحكام التفاعل التوليفي في أنتاج فهم البني المرجعية ونسق العلاقات السردية المشتركة بين القصة القصيرة والرواية .

/2/2012 Issue 4119 – Date 11- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4119 – التاريخ 11/2/2012

AZP09
















مشاركة