محابس الرأسمالية في أصابع التنين الإشتراكي – طه جزاع

284

مَكتَب العالَم .. وكازينو قِماره

محابس الرأسمالية في أصابع التنين الإشتراكي – طه جزاع

الصين قادرة بسكانها ومواردها على أن تصبح القوة العظمى في العالم بعد الولايات المتحدة ، وإن كل العالم في الحقيقة سوف يؤثر فيه وبشكل حيوي تطور الأوضاع في الصين ، والذي قد يثبت انه عامل حاسم ، خيراً أو شراً ، خلال القرنين القادمين .

 الفيلسوف الانكليزي برتراند راسل في كتابه ” مشكلة الصين ”  1922 .

  خاصرة البّر الصيني

لو نظرتَ بإمعان إلى خريطة الصين الشعبية هائلة المساحة والسكان ، وتفحصتها عن كثب بحثاً عن جزيرة هونغ كونغ التي توصف – على مساحتها الصغيرة البالغة ألف كم أو أزيد بقليل – بأنها مَكتب العالم لازدحامها بمكاتب الشركات العملاقة والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة ، وعن جزيرة ماكاو التي لا تكاد أن تكون أكثر من مدينة قِمار ومراهنات وكازينوهات وملاهي تزدحم على مساحتها الصغيرة التي لا تتعدى الـ 116 كم ، فإنك لن تجدهما إلا في نقطتين صغيرتين في اقصى الجنوب الغربي ، حيث اطلالتهما على بحر الصين الجنوبي ، ولو تخيلتَ خريطة الصين ، تِنيناً عملاقاً ، فلن تكونا أكثر من اصبعين صغيرين في أحدى مخالبه السفلى ، أو سُّرَّة في بطن حوت عظيم ! . وربما بسبب موقهما هذا – ومعهما الأصبع المبتور الثالث تايوان – صارت هذه الجزر محطات وموانئ جاذبة للبَّحارة والتجارة والغزو الاستعماري المتعاقب ، مثلما صارت بسبب اداراتها وسياساتها وتبعياتها ومفاهيمها الاقتصادية الحرة ، أشبه بمحابس رأسمالية في أصابع التنين الاشتراكي الأحمر . وقد استطاعت الصين تحت المفهوم الذي ابتكرته ” دولة واحدة ونظامان مختلفان ” أن تعيد بطريقة سلمية ، كلاً من هونغ كونغ وماكاو من الإدارتين البريطانية والبرتغالية على التوالي قبيل الدخول في الألفية الثالثة ، بعد استعمار بريطاني دام مائة وخمسين عاماً ، واستعمار برتغالي دام 442 عاماً .

وشكلت كلاً من هذه الجزر الصغيرة الثلاث ، فرموزا ” تايوان ” وهونغ كونغ وماكاو ، خناجر في خاصرة البَّر الصيني الكبير ، وواحدة من القضايا التي عادة ما تواجه فيها الصين الشعبية اتهامات متعددة من قبل العالم الغربي ، والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا على وجه الخصوص ، تتعلق بطبيعة تعامل الصين مع هذه الجزر من ناحية الاستقلالية ، والاستفزاز العسكري ، وطبيعة الحكم والادارة ، وشكل الاقتصاد ، والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ولا سيما في هونغ كونغ حتى بعد عودتها للوطن الأم ، وآخر ما أثير حول ذلك تطبيق الصين لقانون الأمن الوطني في هونغ كونغ الذي اقرته اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب في جمهورية الصين الشعبية ووقعه الرئيس شي جين بينغ يوم الثلاثين من يوليو 2020 والذي يهدف لإعادة الاستقرار إلى هذه الجزيرة بعد تظاهرات ضد السلطة المركزية في بكين ، ومنع التدخلات الخارجية في شؤونها ، وقد لوحت بريطانيا في محاولة منها لمنع تطبيق القانون على مستعمرتها السابقة ، بأنها ستفتح الطريق أمام كل المقيمين فيها ، والذين ولدوا تحت الحكم البريطاني ، لكي يصبحوا مواطنين بريطانيين ، كما اعلن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب امام مجلس العموم البريطاني بأن القواعد الجديدة للإقامة سوف تسمح لما يزيد على ثلاثة ملايين من أبناء هونغ كونغ التي يبلغ عدد سكانها نحو ثمانية ملايين نسمة ، بالحياة والعمل في بريطانيا دون التقيد بمدة الستة اشهر المعمول بها ، وبعد خمس سنوات من الإقامة في المملكة المتحدة يمكن لحاملي جوازات سفر المواطنين البريطانيين في الخارج ، التقديم لتسوية أوضاعهم ثم التقدم لطلب بطاقة مواطنة بعد ذلك بعام واحد ، وقد وصفت لندن تطبيق القانون الصيني في هونغ كونغ بأنه مخالفة صريحة لالتزامات الصين الدولية ، وانتهاك واضح وخطير للإعلان الصيني البريطاني المشترك ، فيما ندد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بقيام السلطات المحلية بعد اقرار القانون بإزالة الكتب التي تنتقد الحزب الشيوعي الصيني من رفوف المكتبات العامة ، وبحظر الشعارات السياسية ، وفرض الرقابة على المدارس ، وتنقيح وازالة أي كتاب مدرسي يمكن أن ينتهك مضمونه القانون الذي فرضته الصين في هونغ كونغ ، وتصاعد غضب الولايات المتحدة تجاه هذه الخطوة الصينية  ، بإعلان الرئيس ترامب منتصف تموز/ يوليو 2020 أنه وقع أمراً تنفيذياً ينهي بموجبه المعاملة التجارية التفضيلية لهونغ كونغ التي ستعامل مثلما تعامل الصين القارية ، بلا امتيازات خاصة ، ولا معاملة اقتصادية خاصة ، ولا تصدير للتكنولوجيا الحساسة ، كما أعلن أنه وقع على قانون ” هونغ كونغ للحكم الذاتي ” الذي أقره الكونغرس بأغلبية ساحقة رداً على فرض بكين قانون الأمن القومي فيها ، ويجيز هذا القانون فرض عقوبات على المسؤولين الصينيين وعلى شرطة هونغ كونغ ، والأهم من ذلك كله أنه يجيز فرض عقوبات على البنوك التي تجري تعاملات كبيرة معهم ، وقد أدانت الصين هذا القانون بشدة واعتبرته تدخلاً سافراً في شؤون هونغ كونغ وفي الشؤون الداخلية للصين ، متوعدة الأميركيين بعقوبات مماثلة على الاشخاص والكيانات الأميركية المعنية . ويؤكد الصينيون – بحسب وكالة أنباء شينخوا – إن قرار المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني يتضمن انشاء وتحسين النظام القانوني وآليات التنفيذ في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة لحماية الأمن القومي ، وانه يتوجب على جميع مناحي الحياة في مجتمع هونغ كونغ فهم وتنفيذ مبدأ ” دولة واحدة ونظامان ” بشك ل كامل ودقيق ، وان تدعم بفعالية سلطة قرار المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني ، وأن تكرس المزيد من الطاقة الإيجابية لمحاربة الانفصال والعنف وحماية سيادة القانون والحفاظ على الاستقرار ، ويتوجب على مثيري الشغب الذين يحاولون تعطيل منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة واستعداء الصين ، أن يتوقفوا فوراً عن القيام بأعمالهم الإجرامية التي تقوض الأمن القومي ، كما يتوجب على مختلف القوى الخارجية أن توقف على الفور تدخلها في شؤون هونغ كونغ ، فضلاً عن التوقف عن القيام بنشاطات الانفصال والتخريب والتسلل ضد الصين . ويمضي قرار مجلس النواب الصيني بلهجته الحادة معلناً : ” لقد حان الوقت لهم لوقف سوء تقديرهم للوضع . لا تستهينوا بالإرادة القوية والتصميم الراسخ والقدرة الكافية للحكومة الصينية والشعب الصيني للدفاع عن السيادة الوطنية والأمن والوحدة ، إلى جانب حماية ازدهار واستقرار منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة ” . وقبل تمكنها من استعادة هذه المستعمرة من بريطانيا ، فإن الصين لم تغفل يوماً عن مراقبة ما يجري فيها من أحداث ، ومن ذلك ما يذكره هنري كيسنجر في مذكراته من أنه عندما أنهى زيارة للعاصمة الفيتنامية هانوي في العام 1973 في محاولة لإيقاف الحرب الفيتنامية ، رغب أن يعطي لنفسه فرصة استجمام في هونغ كونغ لمدة ثماني وأربعين ساعة ، وقد اغتنم الصينيون هذه الفرصة فأعلموه بإمكانية قبوله لديهم  : ” لدى الصينيين ، مصلحة استخبارات قوية ولائقة في آن واحد .. فإن رئيس مكتب الوكالة الصينية الجديدة ، الذي كان يعتبر الممثل الأعلى للصين في هونغ كونغ ، اغتنم المناسبة ليبّين لنا ، أن لا شيء يجري في مستعمرة التاج البريطاني هذه ، وتجهله الصين . واستعلم من قنصليتنا ساعة مغادرتنا ليتمكن من الذهاب إلى المطار ويكون في وداعنا ، وهــــــذا ما جرى فعلاً ” ! . ” هنري كيسنجر ، مذّكرات ، 2  ترجمة عاطف أحمد ، الأهلية للنشر والتوزيع ، عّمان ، 2005

 لاس فيغاس آسيا

شأنهما شأن فرموزا ، لم يكتب العرب الشيء الكثير من أدب الرِحلات عن الجزر الصينية ، باستثناء ما وجدناه عند الرحالة والداعية السعوي محمد بن ناصر العّبودي في كتابه الصغير ” رحلة هونغ كونغ وماكاو – طُبعت على الغلاف خطأً وماكو – ” وبعض الكتابات والانطباعات والفيديوهات المتفرقة لسواح من الشباب العرب . وتعني هونغ كونغ بالصينية ” الميناء العَطِر ” وهي جزيرة تتبعها شبه جزيرة كولون التي لا تزيد مساحتها عن ثمان كيلومترات ، ويفصل بينهما خليج بحري ، وتعني كولون بالصينية التِنانين التسعة ، لأن كول : 9 ولون : تِنين ، ويتحدث سكان هونغ كونغ في الأغلب اللغة الصينية ، بعدما كانت الانكليزية هي السائدة أبان الحكم البريطاني الذي بدأ بعد انتهاء حرب الأفيون ، إذ تنازل امبراطور الصين من سلالة تشينغ عن هذه المنطقة لبريطانيا كقاعدة بحرية وفق معاهدة نانجينغ العام 1842   ثم لحقتها شبه جزيرة كولون بموجب مؤتمر بكين في العام 1860  وفي العام 1898 استأجرت بريطانيا هونغ كونغ من الصين لمدة 99 عاماً ، وهذا ما حدث بالضبط ، إذ أعادتها بريطانيا إلى الصين ، ودخلها الجيش الصيني فجر يوم الثلاثاء الأول من تموز / يوليو 1997 بعد ساعات قليلة على رحيل آخر موظف بريطاني ” بعد مرور 99 عاماً على التأجير ” ، وقد بقيت بريطانيا تدير هذه الجزيرة طيلة تلك المدة باستثناء أربع سنوات خلال الحرب العالمية الثانية وقعت فيها تحت الاحتلال الياباني ، ولم يتسنَ للزعيم التاريخي دينغ شياو بينغ صاحب اعلان انفتاح الصين على العالم ، وصياغة أكبر قصص النجاح في تاريخ الشرية لأكبر اقتصاد في العالم ، أن يشهد يوم عودة هونغ كونغ إلى أحضان الوطن الأم ورفع العلم الصيني على هذه الجزيرة بعد انزال العلم البريطاني ، فقد غادر الحياة قبل هذا اليوم ببضعة أشهر عن عمر93  عاماً .

 وتقع كولون وهي قلب الجزيرة التجاري ، على مسافة نصف ساعة من مطار هونغ كونغ ويتم قطعها بالحافلات أو سيارات الأجرة ، ويلاحظ الرحالة العبّودي كثرة الأجانب الذين جاؤوا إلى هونغ كونغ للتجارة ، كما يلاحظ نشاط الشابة الصينية في الحصول على العمل والمال ، لأن ذلك يحسن من فرص زواجها بزوج ناجح مالياً ، والشيء الجيد في الشابات الصينيات تلك الرشاقة ، فلا تجد فيهن ثقيلة أو خشنة الجسم ، والجدية الظاهرة على تصرفاتهن : ” والشيء العجيب أنك ترى الواحدة منهن تسير أمامك فيعجبك مظهرها وحتى لونها ، حتى إذا استدارت إلى جهتك وألقيت نظرة على وجهها ذهب ذلك الإعجاب بها من قلبك ، وحلَّ محله صدود بنظرك عنها ” ! . ومن أبرز المعالم السياحية التي يقبل عليها زوار جزيرة أو أرخبيل هونغ كونغ الذي يضم عشرات الجزر الصغيرة والنتوءات الصخرية ، قمة جبل ظَهر التِنين ، وقد سميت بذلك لأن الطريق إلى قمة هذا الجبل يشبه تقوس العمود الفقري للتِنين ، وهناك أيضاً الأعمدة الصخرية السداسية على الساحل الجنوبي للجزيرة ، وحديقة كولون التي كانت في السابق ثكنة عسكرية انكليزية ، أما آخر الفنارات المتبقية فإنها تعود إلى حوالي المائة وخمسون سنة ، وكأي مدينة سياحية فإن في مرتفعات هونغ كونغ الجبلية منشآت سياحية مثل مدن الألعاب وحدائق الحيوانات ومعارض بحرية لأسماك القرش وأنواع كثيرة من الأسماك والكائنات البحرية وأحواض الدولفين ، والبطريق الذي تم تهيئة بيئة ثلجية تناسبه ، غير أن أكثر ما يبحث عنه السائح الراغب بالتسوق هو سوق الليل الذي يبدأ عمله من السادسة مساءً حتى منتصف الليل لأنه غير قانوني ويبيع في دكاكينه المؤقتة وبسطياته بضاعة متنوعة لماركات عالمية مُقلَدة بأسعار مناسبة .

 وعلى مسافة قريبة من هونغ كونغ يتم قطعها بالباخرة في أقل من ساعة تقع ماكاو ” لاس فيغاس آسيا ” ، وهي تمثل قطعة صغيرة من الأرض الصينية الكبيرة ، وليست جزيرة مثل هونغ كونغ ، وقد أعادتها البرتغال للصين في العشرين من كانون الأول / ديسمبر 1999 إذ دخلها الجيش الصيني ظهر ذلك اليوم الاثنين ، بعد 12 ساعة على رحيل آخر مسؤول برتغالي ، استجابة لرغبة البرتغال التي طلبت من الصين تأخير موعد وصول الجيش لمدة 12 ساعة مراعاة للمسؤولين البرتغاليين ، وقد قوبل الجيش الصيني باستقبال حافل وباقات الزهور والأعلام الصينية ، لاعتقادهم أن حضور الجيش الصيني سيطمئن سكان ماكاو : ” وحذرت الصين من أن الجنود المنتشرين في المكان والمقدر عددهم بنحو ألف جندي ، قد يضطرون للتدخل وفرض الأمن في هذه المنطقة التي شهدت في السنوات الأخيرة للحكم البرتغالي ، حرب عصابات مرتبطة بالسيطرة على نوادي القمار “.

ويُنسب إلى الملياردير ستانلي هُو الذي يطلق عليه لقب ” عَّراب ” أو ملك الكازينوهات في ماكاو ، الفضل في تطوير هذه المستعمرة البرتغالية ، وتحويلها إلى عاصمة عالمية لألعاب المَيسر في غضون بضعة عقود ، مع إيرادات تفوقت فيها على لاس فيغاس مدينة الكازينوهات والقِمار والترفيه والحياة الليلية الأميركية الشهيرة ، وكان ستانلي هُو قد حصل على حق حصري بتشغيل الكازينوهات في ماكاو منذ العام 1962 وحتى تحرير السوق أمام المنافسة في 2002 وقد احتل المرتبة الثالثة عشرة على قائمة مجلة ” فوربس ” لأغنى أغنياء هونغ كونغ لدى تقاعده في 2018  وتوفي نهاية أيار / مايو 2020   عن عمر ناهز الثمانية والتسعين عاماً . وترتبط ماكاو بالصين براً ، كما ترتبط معها بلسان بحري من جهتها الشمالية ، ويستطيع السائح أن يذهب من ماكاو – التي تعد منطقة تجارية حرة – إلى الصين ويعود في غضون ساعتين ، بينما يفضل اغلب المواطنين السفر عبر هذه الحدود سيراً على الأقدام لقرب المسافة ، وسهولة الوصول إلى ” بوابة الصين ” التي تمثل رمزياً قوس الحدود بين ماكاو والصين  ، ولأن ماكاو ضيقة المساحة ، فإن شوارعها ضيقة أيضاً ، ومزدحمة بالسيارات ، ورغم الاستعمار البرتغالي الطويل ، فلا وجود ملحوظ للبرتغاليين فيها ، كما أن اللغة الصينية هي الغالبة على لافتات المحال والدكاكين والأسواق التجارية ، حتى صارت اللافتات المكتوبة بالبرتغالية قليلة جداً ، قلة البرتغاليين في ماكاو ، وتُعد اللغة الانكليزية ، وليس البرتغالية هي اللغة الثانية لمواطنيها ، مما يدل على عدم اهتمام البرتغاليين بتعليم لغتهم لسكان ماكاو طيلة وجودهم فيها . وتتصل ماكاو بجسر طويل يتجاوز طوله ثلاث كيلومترات ، مقام فوق خليج بحري ضحل المياه ، بجزيرة تايباه أو ” طيبة ” وهي جزيرة صغيرة ، لكنها مهمة بسبب ضيق اليابسة في ماكاو ، ويطلق الصينيون على هذه الجزيرة اسم ” تنغ جاي ” وهي بمثابة متنفس لماكاو الضيقة ، فهي أقل ازدحاماً بالسيارات ، وشوارعها منظمة أكثر ، وحدائقها أكثر وأنضر ، كما أنها تحتوي على أبنية متعددة الطبقات ، لكنها ليست متزاحمة ، كما هو حالها في ماكاو . ” رحلة هونغ كونغ وماكاو ، محمد بن ناصر العّبودي ، الرياض ، 2002 ” .

بريجنسكي: لاشيء يدوم الى الابد

ترى الصين الشعبية أن مصير هونغ كونغ وماكاو مرتبط ارتباطاً وثيقاً ومتكاملاً مع برّ الصين الرئيسي ، وفي الذكرى السنوية الثالثة عشرة لعودة ماكاو إلى الوطن الأم العام 2012 تحدث الرئيس الصيني شي بين تونغ إلى الرئيس التنفيذي لمنطقة ماكاو ، وأكد له أن الحكومة المركزية ستواصل ، مثلما كانت ، تطبيق وتنفيذ ” دولة واحدة ونظامان ” معرباً عن ثقته التامة بمستقبل الدولة والأمة ، وثقته الحازمة بأن مختلف الأعمال في ماكاو ستتطور بصورة أفضل بالتأكيد . كما تحدث الرئيس بينغ في اذار/ مارس 2013  إلى الرئيس التنفيذي لمنطقة هونغ كونغ مؤكداً بأن : ” مصير هونغ كونغ وماكاو وبّر الصين ، مرتبط بشكل وثيق ودائم . وان تحقيق حلم الصين في النهضة العظيمة للأمة الصينية يحتاج إلى أن تتمسك هونغ كونغ وماكاو وبّر الصين الرئيسي ، بتكامل التفوق والتنمية المشتركة ، ويحتاج إلى أن يثابر المواطنون في هونغ كونغ وماكاو وأبناء الشعب في البّر الرئيسي الداخلي ، على الاهتمام بعضهم بالبعض ، ومساعدة بعضهم بعضاً ، والتقدم يداً بيدٍ إلى الأمام ” . ” شي جين بينغ ، حول الادارة والحكم ” . ولاشك في أن القيادة الصينية تدرك أهمية وحدة الأمة الصينية في مختلف اجزاءها في البر والبحر ، ومنها هونغ كونغ وماكاو ، كما أنها تسعى بصبر صيني لا يعرف اليأس ولا الملل إلى اليوم الذي تعود فيه تايوان ، وربما مناطق أخرى مثل التبت إلى حضن الوطن الأم ، مثلما عادت تلك المنطقتين وفق فكرة ” دولة واحدة ونظامان ” وبطريقة سلمية تنضوي فيها تلك المناطق ذات الاقتصاد الرأسمالي ، إلى الصين الشعبية الاشتراكية ، وبذلك تضمن لها دوراً أساسياً في النظام العالمي الجديد ، بعد عصر الهيمنة الأميركية ، ولكونها من ” الدول ذات الشكل القاري ” بحسب وصف هنري كيسنجر في كتابه ” الدبلوماسية .. من الحرب الباردة حتى يومنا هذا ” وهي الدول التي تستوعب شتيتاً من اللغات التي توحدها الكتابة والثقافة المشتركتين وكذلك التاريخ المشترك ، والتي يُحتمل أن تشكل اللبنات الأساسية للنظام العالمي الجديد ، وهذا الاحتمال الكيسنجري ليس ببعيد عن الواقع وحركة التاريخ ، فالتاريخ كما يصفه زبيغنيو بريجنسكي : ” سجلٌ للتغيير ، وتذكِرة بأن لا شيء يدوم إلى الأبد .

لكنه يذكّرنا أيضاً بأن بعض الأشياء يدوم لمدة طويلة ، وأنه عندما يزول ، لا يعاود الوضع السابق الظهور ثانية . وهذا ما سيكون عليه أمر التفّوق العالمي الأميركي الحالي .

فهو أيضاً سيتلاشى في وقت من الأوقات ، ربما يكون متأخراً عما يتمناه البعض ، ومبكراً عما يسلّم به الكثير من الأميركيين . والسؤال الأساسي هو : ما هو البديل الذي سيحلّ محلّه ؟ ” الاختيار .. السيطرة على العالم أم قيادة العالم ، زبيغنيو بريجنسكي ، ترجمة عمر الأيوبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 2004 بالطبع فإن بريجنسكي يرجح حدوث فوضى عالمية شاملة يعجل فيها الزوال المفاجئ للهيمنة الأميركية ، تتخللها ثورات تتسم بالدمار الشامل ، لكنه يعود للتأكيد بأن زوال الهيمنة الأميركية ، لن ينطوي في نهاية الأمر على إعادة تعددية الأقطاب إلى القوة الرئيسية المعروفة – ويقصد بها أميركا – التي سيطرت على شؤون العالم في القرنين الاخيرين ، وبالتالي فإنه لا يرجح قيام  ” سلطة جديدة مهيمنة تحل محل الولايات المتحدة بحيازتها تفوقاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً وثقافياً واجتماعياً مشابهاً على الصعيد العالمي ” . ولا يخفى على لبيب التناقض الذي انتهى اليه بريجنسكي بخصوص اطروحته حول  ” التاريخ سجّل للتغيير ” حينما وصل الأمر إلى الولايات المتحدة التي ستبقى – بحسب وجهة نظره – محافظة على هيمنتها ازاء أية قوة عالمية تبرز على مسرح النظام الدولي الجديد ، ويمكنها أن تقلب موازين القوى ، وتتفوق على الولايات المتحدة في مختلف النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والاجتماعية ، كما أنه يستبعد قيام تحالف يجمع القوى الرئيسية السابقة ، ويقصد بها بريطانيا وألمانيا وفرنسا ، مشيراً إلى ” أن المراكز الخمسة الأولى في التصنيف المقارن للقوى العالمية ، تقاسمتها سبع دول على فترات متتالية من عشرين سنة ، وهذه الدول هي : الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا ، وفرنسا وروسيا واليابان والصين . وحدها الولايات المتحدة حافظت بشكل لا لبس فيه على مركزها بين الخمسة الأوائل في كل فترات العشرين سنة ، واتسعت الفجوة في سنة 2000 بين الولايات المتحدة التي تبوأت مراكز الصدارة والدول الأخرى أكثر من أي وقت مضى ” ، لكن بالنسبة لهنري كيسنجر فإن : ” كلاً من الولايات المتحدة والصين ركيزة لا يمكن الاستغناء عنها لأي نظام عالمي . ومن اللافت أنهما ، كلتيهما ، اتخذتا تاريخياً موقفاً ملتبساً إزاء النظام العالمي الذي تلوذان به الآن ، مؤكدتين التزامهما إياه حتى وهما تتحفظان حول جوانب من تصميمه . لا تتمتع الصين بأي سوابق بشأن الدور الذي يطلب منها أن تضطلع به في نظام القرن الواحد والعشرين ، بوصفها دولة رئيسية بين أخرى . كذلك لم يسبق للولايات المتحدة أن خاضت تجربة التفاعل على قاعدة مستدامة مع بلد متوفر على قدر مشابه من الحجم ، النفوذ ، والأداء الاقتصادي ، يتبنى أنموذج نظام داخلي ، نظام حكم محلي ، مختلفاً اختلافاً صارخاً ” . ” هنري كيسنجر ، النظــام العالميّ ” 98   عاماً ، مرت على مقولة برتراند راسل بخصوص مستقبل الصين ، في كتابه مشكلة الصين ”  ” The Problem Of Chinaوكان ذلك قبل انتصار الشيوعيين الماركسيين الماويين ، وتأسيسهم جمهورية الصين الشعبية بأكثر من ربع قرن ، حيث عاش سنة من حياته هناك ، يوم كانت الصين فلاحية اقطاعية متناحرة متخلفة ، ولم تكن قد مضت على ثورة أبو الصين سِن يات سَن أكثر من سبع سنوات .

ويبدو للناظر إلى مقولة راسل أنها بدأت في التحقق خلال العقود الثلاثة الاخيرة من نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين على وجه الخصوص ، حيث انفلتت الصين من الجموع العقائدي ، وبدأت تتجه إلى اقتصاد السوق والانفتاح على العالم برؤية رأسمالية تستوعب المتغيرات العالمية ، وبخصوصية اشتراكية ربما تعتمدها إلى حد ما ، للبّر الصيني فحسب ، مع تعامل مختلف للمناطق الادارية الخاصة مثل هونك كونغ وماكاو ، غير أن العين الأميركية المراقبة بحذر وتوجس لنهوض الصين ونموها الاقتصادي واتساع نفوذها ، لا ترغب ولا هي على استعداد لخسارة هيمنتها التاريخية على مقدرات العالم أمام التنين الأحمر الناهض بقوة وعزيمة واصرار، على أن يكون القوة العظمى بعد الولايات المتحدة ، بحسب نبوءة راسل ، إن لم يكن القوة الأولى في محيطه الاقليمي على أقل تقدير ….. خيراً كان ذلك أو شراً!! .

{ برفيسور فلسفة

مشاركة