مجنون يتحدى القدر -استذكارات يوسف العاني

إستذكارات مسرحية   11

مجنون يتحدى القدر

يوسف العاني

ظل نشاط جبر الخواطر في كلية الحقوق وعلى صعيد الكليات الآخرى نشاطا بطرافته وصبغته النقدية سواء في التمثيليات الشعبية التي تقدم ام في فقرة كنت اقدمها هي (تقليد) الأساتذة لطريقة تدريسهم في الصف واللهجة يتمسك بها بعضهم.. او حركتهم التي ترافق المحاضرة.. او خارج المحاضرة بما تميزوا. حتى تبلورت عندي حالة بعض منهم لشكل او نمط لصيق بهم.. اضيف اليه في كل مرة حدثا او تصرفا قام به الاستاذ.. وكان الكثير منهم يترقب لما سأقدمه ويعاتبني ان لم اقدم شخصيته في حفلة من الحفلات ولاسيما اساتذتنا المصريين وفي مقدمتهم المرحوم الدكتور جابر جاد.

وفي حفل التخرج.. لم اكتف بتقديم بعضهم بل جمعت الاساتذة كلهم في قصيدة شعرية هي توديع للكلية.. وبالذات اساتذتي.. حتى تجاوزت القصيدة حوالي الخمسين بيت من الشعر.. قلت فيه..

قفا نبك من ذكرى حقوق وندوة

وبائعة حسناء (بطت) مرارتي

ونبك على درس يقضيه جابر

بشرح طويل فيه عشرون نكتة!

وأرجئ القصيدة لأعود الى ما قدمته للمسرح وهو كذلك بتشجيع مباشر وبرغبة مني في ان يكون درس علم النفس مصدراً من مصادر إقتباس الفكرة وعرض الشخصية الرئيسة والوحيدة في تلك المسرحية.

في علم النفس كان الاستاذ احمد خليفة وهو استاذ مصري يدرسنا هذا الدرس بصيغة جذابة.. جمعت بين الاسلوب والمضمون الجذاب والجرأة في الطرح.. مما جعل كثيرا من طالبات وطلاب بعض الكليات يحضرون محاضرات الاستاذ احمد خليفة وقد اضافت شخصية الاستاذ خليفة ووسامته وصوته ترغيبا في الانتباه اليه.. وإستيعاب ما يقدمه. تعلقت انا في الدرس.. ورحت ابحث عن كتب في علم النفس وقد اكتشفت من بين الشخصيات الغريبة التي درسناها ما تسمى (مانيك دبرسيف سايكونر) والشخصية تتخيل من يعذبها فتواجه مع تلك الشخصيات وهي غير موجودة بل متخيلة منه.. هذا بايجاز (حالة) هذا المصاب.. خطرت ببالي لو استطعت ان اكتب شخصية تظل وحدها على المسرح وتصاع شخصيات اخرى غير موجودة بل متصورة في ذهن هذا المريض النفسي.

ظلت ببالي هذه الشخصية المصابة نفسيا.. ولكنني بقيت اتخيلها ولكني لم اتوصل الى كيفية حضورها وهي غير موجودة..

الحقيقة ان الذي شدني اليها انني انا (وحدي) الموجود على المسرح.. اي انا الممثل الوحيد الذي يشاهدني الجمهور. في تلك المدة كنت اعشق المسرح والوقوف عليه بصيغة تقرب من (أنانية) اعتبرها مبررة..! ولكن وهنا في مثل تخيلي وتصوري لهذه الشخصية المسموح لها بالبقاء على المسرح من دون غيرها كيف يتم ذلك. التقيت بأستاذي احمد خليفة ورحت اروي له تصوري هذا فضحك فقال هناك مثل هذا النوع من المسرح قرأت عنه شيئا قليلا دعني ابحث لك عنه. اجبته بشيء من الاستعلاء (الشبابي) انني اريد ان اكون انا الوحيد على المسرح. ضحك الاستاذ خليفة وقال لي.. ستكون وحدك.. ولكن انت من؟ اجبته بحماس وبسرعة انا (مخبل) وذكرت له اسم المرض المصاب به.. (مانيك ديرسيف سايكونر) ضحك وقال شيء جميل ومن هم الذين تخاطبهم قلت له (عدوي!) ضحك اكثر.. ولماذا انت في المستشفى؟ قلت.. من الاضطهاد.. ابتسم الاستاذ خليفة.. ابتسم..! وقال لي: يوسف: انت موهوب.. فأكتب ما تريد وقدمه لي ثم نتحدث! غبت عنه اكثر من اسبوع.. ورحت مع نفسي اخاطب شيئا لا يرى  على المسرح المظلم: التعذيب، الجوع.. الـ .. وتراءى لي ما نسميه (القدر!) وجئت للاستاذ خليفة قائلا: استاذ.. المجنون.. عدوه القدر.. وهو على المسرح (يتحدى القدر!)

مسك بي من كتفي.. وقال: روح اكتب مسرحية بعنوان (الجنون يتحدى القدر) وعليك ان تقول في تحديك له انت وحدك. قلت له استاذ.. هو لا يظهر بل نسمع صوته بس!! نظر في وجهي وقال انتظرك لإقرأ النص المكتوب.. واجتمعنا مرات عدة جماعة جبر الخواطر ودارت شتى الآراء بين معجب وغير محبذ.. ثم سأل خليل شوقي من هو الصوت في المسرح.. يجب ان يتنقل من مكان لمكان وان يجسد الحالة و.. وقبل ان يكمل قلت له.. انت القدر.. وانت المخرج والمراقب لي في أداء ليس طبيعيا وحالات تواجه سطوة القدر الذي لا يسمع سوى صوته..

ورحنا في تدريبات صعبة فعلا.. وكان خليل يتحداني بصوته وهو لا يظهر طبعا وانا اتحداه واحيانا احاول ان امسكه صوتا بشيء غير منظور.. واستمر العمل.. وبين حين وبعد ان ينتهي الاستاذ احمد خليفة محاضرته يبحث عني ويسألني.. كيف المسرحية؟ ويؤكد لي ان مجنون يتحدى القدر مسرحية الممثل الواحد.. وتسمى الموندراما.. وسوف تكون انت اول من يقدم هذا النوع في المسرح العراقي.. كما يبدو لي.. لكن الأمر صعب وهو امتحان لك فيه مؤلفا وممثلا فر في طريقك..

معنا في العمل تنفيذا صديق يهوى الموسيقى بحماس كبير هو صالح البرزه لي كان يراقب التدريبات ويكتب اسم المقطوعة الموسيقية في هذا المشهد وذاك.. ويسجل التتابع على شريط كي يأتي كل مقطع في مكانة وكنت لا اتجه في سماع اية ملاحظة من المجموعة التي كان اكثرها وهم من جماعة (جبر الخواطر) يشكون في نجاح العرض.. او انني استطيع الإستمرار على قدرة من العطاء الجيد. اردت ان اطلب من الاستاذ احمد خليفة حضور واحدة من البروفات، لكنني ترددت اول الامر.. ثم وفجأة رأيته يناديني.. ويقول لي مباشرة هل استطيع حضور بروفة؟

صرخت معقولة استاذ.. نحن نتمرن بعد الدوام.. قاطعني وهذا هو وقتي لكم: وفي الموعد كان الاستاذ خليفة يجلس في قاعة المسرح بعيدا عنا بعض الشيء يستمع ويلاحظ كل حركة.. وانا كما يقولون (ايدي على كلبي) وفي بعض الاحيان يوقفني المخرج او انا اوقفه فهو ممثل دور القدر nصوتاnفقط حين يصلني الصوت بوضوع. وانتهت البروفة وعيوننا على الاستاذ احمد خليفة فأذا به يصفق ولكن بلا صوت.. ثم قال: انا متأكد أنني في يوم العرض سأبكي فرحا. ومرت ايام وعملنا مستمر وبعض اصدقاء لنا من خارج الكلية يأتون بطلب مني ليقدموا رأيهم فيما نقدم.. وكان موقفهم مترددا لكنه متحمس للعمل.. وجاء يوم تقديم المسرحية لتقدم على مسرح معهد الفنون.. حيث وافقت العمادة على ان تقدم هناك بأسم جماعة جبر الخواطر.. بكلية الحقوق! كان يوما مثيرا بالنسبة لي! مشوبا بالقلق لا ادري ماذا اسميه؟ يمتزج بفرح غامر.. انني امتلك المسرح وحدي ممثلا.. وانني صاحب اشياء كثيرة فيه ولاسيما من يمثل! حتى صاحب الصوت يختفي خلف صوته وكان بالنسبة لي كبيرا.. انا صاحبه لانه صادر من مخيلتي مؤلفا وممثلا.. بايجاز شديد لا ادري لماذا كان القلق مشجعا لي؟ لأن اسيطر على ادائي اداء كاملا فأردد الحوار بثقة واتحدى بجرأة غير فائقة.. كانت اكثر من كونها منسابة كما في كل دور اؤديه في مسرحيات اخرى.. واستمر فرحي وبكائي تارة وفرحي حين يضعف الصوت أمامي فأكون انا الفائز في الرأي وهكذا.. تعالى تصفيق وساد صمت في ..! إنصات لا حدود فيه.. القاعة تنصت وتتطلع واحس احيانا انني ارقص على المسرح.. وانتهت المسرحية.. وبعد تحية الجمهور الحار.. ودموعي الساخنة.. وتعبي اختفيت خلف كالوس متكئا على الحائط اشبه بالغائب.. اذا برجل فخم الجسم لم اتعرف اولا على ملامح وجهه يصرخ امامي (هاي انت وين) ويحتضنني ويقبلني ثم ينهض ويخلع سترته يلفني بها.. ويصرخ اخاف تتمرض.. العرق ينز من كل جسمك وظل يصرخnابو يعكوب! وهو يبكي.. تأملته.. انه الفنان المسرحي الكبير ابراهيم جلال! الذي قادتني اليه مســــــــــــرحية (مجنون يتحدى القدر.. لنظل اصدقاء عمر ورفاق درب المسرح الطويل..

مشاركة