مجموعة ( مدينة الاثل ) للقاص عبد علي اليوسفي

 

 

 

مجموعة ( مدينة الاثل ) للقاص عبد علي اليوسفي

إنبثاق النص الإبداعي والسردي

محمود خيون

بعد أن أكملت قراءتي لمجموعة الروائي عبد علي اليوسفي القصصية( مدينة الاثل )..احسست بأن ما قرأته ليس هي بقصص قصيرة فقط، كونها تكللت بالبناء الفني الرصين كونها مجموعة حكايات كبيرة في معانيها ودلالاتها الرمزية والايحائية والغرائبية التي رافقت عملية السرد الواضح والسريع لأحداث مهمة ومثيرة مرت على البلاد بطولها وعرضها، أحداث رسمت معالم كابية لمصير الإنسان وقصة صراعه مع الواقع الدامي الذي عاشه في لحظات حاسمة مرت بكل فصولها المدماة وهو يعد بينه وبين نفسه اعداد النكبات التي مرت عليه الواحدة تلو الأخرى….

يذكرنا هذا الكاتب والقاص عبد علي اليوسفي بإحداث غريبة ومشوشة عاشتها بعض الدول خلال الحروب العالمية او ماتلاها من صراعات داخلية ومؤمرات وانقلابات وتغير في سياسات من يريد أن يكون هو صاحب القرار في رسم مصائر الناس…

فالكاتب عبد علي اليوسفي صور لنا الكثير من مشاعر الحزن والأسى وهي تجوس نفس الفرد الواحد من المجتمع وفي أي مجتمع وهو يبصر ما يجري لبلاده من ويلات وخراب وضحايا يتساقطون على السواتر الترابية البعيدة وأشلاء تنتشر على الأرصفة ووسط الساحات والشوارع العامة…فيحدثنا الكاتب في قصة( حارس المدينة الباسل ) التي أهداها إلى الكبير جواد سليم…( تستريح روحي في جو احتفالي وانا انظر إليه يبتسم وهو ينظر إلى المارة…في الفترة الأولى من تأريخ تعرفي عليه  حيث التقيه في تلك الساحة كان قد استقبلني بنفس تلك الإبتسامة المرتسمة على شفتيه إلى هذه اللحظة، برغم الهزائم و الانكسارات والخراب الذي حل بالمدينة، واصطبغ ماء نهرها بالدم، مثلما اصطبغ ذات يوم بالحبر ،وضحكته تتغير لم تتغير حتى وهو يرى المزمجرات أو المجندات الشقراوات وسيارات( الهمر) والدبابات..)..

مئات الحوادث

فهو أذن يتأمل تلك الصور في عقله وروحه ومخيلته التي ضجت بمئات الحوادث التي عاشها هو ما بين أزيز الرصاص وانفلاق القنابر واشتعال الحرائق في موقع صار فيما بعد كومة حطام وركام لا حياة فيه..لقد برع القاص عبد علي اليوسفي في رسم أكثر صورة من صور الحرب ومشاهدها المرعبة والمحزنة التي لا تخلو من نوبات البكاء والحزن على من رحل دون أن يكمل حلمه في حياة هانئة وسعيدة مع من يريد..وقد تجلى ذلك واضحا في مقطع آخر من قصة( الخوذة ) المهداة إلى(ام مؤنس )..( قالت، في ليلة شتائية باردة وممطرة ، ينزل البرق كالملاك وفي ظلام الليل الحالك، قلت(أنها ستصف خالي شهيدا )..هذه المرة وانا استرجع تلك الليلة حيث انهمرت الصواريخ والقنابل المحلزنة والمدورة والمخروطية والعنقودية والمنشطرة إلى موسى وابر ودبابيس ومسامير وحجر وحصى على المعسكرات..

ويكمل الحكاية بأسلوبه السردي الهادئ والبسيط والمشبع بالوصف الدقيق لما يدور من حوله من أحداث..( اتصلوا بها فهرعت إليه ورأت الدماء تغطي وجهه وتلطخ قميصه وسرواله، فكانت هي صاحبة السبق وكيف جلبت الخوذة، بعد أن تجادلت مع صاحب أمانات الجرحى والشهداء ( أعطني خوذة أخي ) وجاءت تحملها على صدرها  فمسحتها من غــــــــبار المعارك ثم علقتها، وهي ماتزال معلقة في المكان ذاته)..

في هذا المقطع ذكرني القاص عبد علي اليوسفي بقول للروائي والباحث التونسي المتميز(جميل فتحي الهمامي ) عن جمالية الحرب في القصة القصيرة بالقول ( أن جمالة اقصوصة الحرب تكمن في تميزها عن بقية أنماط القصة القصيرة بما بات يعرف داخل المنظومة النقدية بالتنازع الثنائي بين الدافع التعبوي للكاتب من جهة والدافع الجمالي الملتصق بالفن من جهة.. وهو صراع خفي يعكس صورة غير نمطية تجمع بين قبح الحرب والقتال بأعتبار أنها ضرب من ضروب الدمار والخراب والقطع مع الطبقة الإنسانية وبين جمالية التجربة السردية الأدبية للحرب بأعتبارها مساحة ورقية تحمل القاريء على الولوج إلى هذا العالم المفترس من خلال باب السرد الفني والسحر اللغوي والصنعة الادبية.  ويضيف الباحث الهمامي بأن المادة التعبيرية داخل اقصوصة الحرب تؤثر في المتلقي حسب مستويين إثنين، مستوى أول يستمد شرعيته من الفضاء الواقعي أي من الحروب التي عرفها الإنسان وجرب ويلاتها ومستوى ثان يجنح نحو الفضاء السردي الداخلي بخلق عالم فني يشرع فيه في مهمة رسم الجمال نحو القول الشهير..خلق الجمال ليس المهمة الأولى للفنان دائما..،)..

تحليل قصة

وهذا التحليل والوصف لقصة الحرب يمكن للقاريء والدارس أن يلمسه في محتوى ومضامين قصص الكاتب عبد علي اليوسفي من حيث السردية المفعمة بالحدث والوصف والتكنيك والسناريت والمحاورة الذاتية لابطال قصصه فهو يمعن في خلق أجواء مشحونة بالقلق والترقب لدى المتابع لتلك المشاهد المثيرة وهو يتنقل بها من قصة لأخرى مثلما تفاجئنا بقصة( مدينة الاثل ) التي تحمل عنوان المجموعة بكامل قصصها، فهو يتحدث بلغة دلالية مشحونة بدقة الوصف وبسردية كلاسيكية عرفها المختصون بفن القصة القصيرة في بداية الستينيات والسبعينيات ( بعد النزول من الشاحنات وهي ماتزال تزأر، الدخان يملأ الأفق، وجدت الساحة تحيطها الأنقاض..بنايات مهدمة وعجلات ممزقة وهياكل الات حرب قديمة، كانت مفروشة بالرمل الاحمر الناعم، رجال طوال القامة يتحركون بشكل غير طبيعي…اتى كبيرهم رجل أثلي متعصب لاثليته صعد على الة حربية محطمة، نظر يمينا وشمالا وعيناه تقدح نارا ونباهة وخوفا، واشار إلى شخص يتبول على حطام آلة أن ينضم إلى المجموعة..) نقول أن من السهل على الإنسان أن يحدد موقفه من الأشياء التي تحيط به خاصة وهو يتحدث بلغة أبطاله لغة الحاضر والغائب وربما يستطيع توقع مايحدث في الغد..ولكن ليس من السهل على الكاتب والروائي أن يحدد مصير أبطاله وشخوصه مثلما حددها ورسم معالمها وهوياتها بدقة متناهية القاص المتمكن عبد علي اليوسفي في مجموعته الرائعة( مدينة الاثل ).

لم نتذوق القراءة منذ غادرتنا كتابات يانعة ومشرقة وسلسة في المضمون والصياغة لعبد الرحمن مجيد الربيعي في الوشم والوكر والأنهار ولفاضل العزاوي في القلعة الخامسة وكوميديا الاشباح وعشرات القصص لفؤاد واحمد خلف في خريف البلدة و عبد الستار ناصر في تلك الشمس أحبها وحسب الله يحيى في اصابع الأوجاع العراقية وامجد توفيق في الخطأ الذهبي وشوقي كريم في لبابة السر  وغيرها من الروائع التي مازالت راسخة في ذاكرة المتخصصين بالادب وبفن القصة القصيرة التي رسمت أبعادا حقيقية لهويتها الوطنية في القدرة على توثيق ما مر من أحداث وتقلبات كثيرة عاشتها البلاد ووجب الوقوف عندها.

مشاركة