مجتمع المثليين في تركيا في مواجهة تسونامي كراهية

669

اسطنبول‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬كان‭ ‬مراد‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬تحوّل‭ ‬حيّه‭ ‬في‭ ‬اسطنبول‭ ‬إلى‭ ‬ملاذ‭ ‬لمثليي‭ ‬الجنس‭ ‬ومزدوجي‭ ‬التوجه‭ ‬الجنسي‭ ‬والمتحولين‭ ‬جنسيا‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يعرفون‭ ‬اختصارا‭ ‬بـ‭”‬مجتمع‭ ‬الميم‭” ‬المنبوذين‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬واليوم،‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬تزايد‭ ‬عداء‭ ‬حكومة‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬إردوغان‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬الشريحة،‭ ‬يقول‭ ‬الشاب‭ ‬المثلي‭ ‬إن‭ ‬لديه‭ ‬حلم‭ ‬واحد‭: ‬المغادرة‭.‬

وقال‭ ‬مهندس‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬البالغ‭ ‬30‭ ‬عاما‭ “‬في‭ ‬السابق،‭ ‬كنا‭ ‬نشهد‭ ‬موجة‭ ‬كراهية‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تهدأ‭ ‬لاحقا‭. ‬لكنها‭ ‬اليوم‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬تسونامي‭”.‬

ومن‭ ‬تغريدات‭ ‬تحريضية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وزير‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬وممارسة‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬شخصيات‭ ‬مثلية‭ ‬تلفزيونية‭ ‬ومقاطعة‭ ‬يقودها‭ ‬الإعلام‭ ‬لعلامات‭ ‬تجارية‭ ‬متعاطفة‭ ‬مع‭ ‬أفراد‭ “‬مجتمع‭ ‬الميم‭”‬،‭ ‬يخنق‭ ‬تزايد‭ ‬العداء‭ ‬المنتمين‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬في‭ ‬تركيا‭. ‬ولطّخت‭ ‬الهجمات‭ ‬صورة‭ ‬تركيا‭ ‬كملاذ‭ ‬للتسامح‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬المحافظ‭ ‬اجتماعيا‭. ‬ويعتقد‭ ‬المنتمون‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬أن‭ ‬إردوغان‭ ‬يهاجمهم‭ ‬لصرف‭ ‬أنظار‭ ‬أنصاره‭ ‬عن‭ ‬الصعوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬البلاد‭. ‬وهاجم‭ ‬إردوغان‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬من‭ ‬وصفهم‭ ‬بـ‭”‬الشباب‭ ‬مثليي‭ ‬الجنس‭ ‬ومزدوجي‭ ‬التوجه‭ ‬الجنسي‭ ‬والمتحولين‭ ‬جنسيا‭”‬،‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬جاءت‭ ‬بينما‭ ‬بدأت‭ ‬احتجاجات‭ ‬طلابية‭ ‬مفاجئة‭ ‬تهزّ‭ ‬حكمه‭ ‬المستمر‭ ‬منذ‭ ‬18‭ ‬عاما‭. ‬وكان‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬وراء‭ ‬غضب‭ ‬إردوغان‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬طلبة‭ ‬أظهر‭ ‬علم‭ ‬المثليين‭ ‬الملوّن‭ ‬في‭ ‬مكّة‭.‬

وأفاد‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬التركي‭ ‬سليمان‭ ‬صويلو‭ ‬عن‭ ‬توقيف‭ “‬أربعة‭ ‬من‭ ‬مثليي‭ ‬الجنس‭ ‬ومزدوجي‭ ‬التوجه‭ ‬الجنسي‭ ‬والمتحولين‭ ‬جنسيا‭ ‬غريبي‭ ‬الأطوار‭” ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬عرض‭ ‬العمل‭ ‬الفني،‭ ‬مدينا‭ ‬من‭ ‬وصفهم‭ ‬بـ‭”‬المنحطّين‭” ‬في‭ ‬منشورات‭ ‬على‭ ‬تويتر‭ ‬وضع‭ ‬الموقع‭ ‬إشارة‭ ‬عليها‭ ‬تحذّر‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ “‬كراهية‭”. ‬ودعا‭ ‬إردوغان‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬أنصاره‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ “‬هؤلاء‭ ‬المثليات‭”‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬أنه‭ “‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬شيء‭ ‬اسمه‭” ‬حركة‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬في‭ ‬تركيا‭.‬

‭”‬لعبة‭ ‬خطيرة‭”‬

وقال‭ ‬مخرج‭ ‬الأفلام‭ ‬الوثائقية‭ ‬والاستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بوغازيتشي‭ ‬جان‭ ‬جاندان‭ “‬إنها‭ ‬حملة‭ ‬كراهية‭” ‬تهدف‭ ‬لتشوية‭ ‬سمعة‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الطلابية‭. ‬وقادت‭ ‬هذه‭ ‬الجامعة‭ ‬التركية‭ ‬المرموقة‭ ‬الحركة‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬بعدما‭ ‬عيّن‭ ‬إردوغان‭ ‬أحد‭ ‬الموالين‭ ‬له‭ ‬عميدا‭ ‬لها‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭. ‬ودفع‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬المثير‭ ‬للجدل‭ ‬مسؤولين‭ ‬لإغلاق‭ ‬نادي‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬جاندان‭ ‬مستشار‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭. ‬وقال‭ ‬جاندان‭ “‬إنها‭ ‬لعبة‭ ‬خطيرة‭ ‬للغاية،‭ ‬لأن‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬جرائم‭ ‬كراهية‭”. ‬وبحسب‭ ‬ألاز‭ ‬أدا‭ ‬ينير،‭ ‬وهو‭ ‬شخص‭ ‬رفض‭ ‬تحديد‭ ‬هويته‭ ‬الجنسية‭ ‬وينشط‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ “‬لامبدا‭ ‬اسطنبول‭” ‬لحقوق‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم،‭ ‬فإن‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬آمنا‭. ‬ووفق‭ ‬ينير‭”‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الناس‭ ‬ينظرون‭ ‬إلينا‭ ‬كأشخاص‭ ‬مختلفين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬تقلديين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كخونة‭… ‬سيقول‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يرتكبون‭ ‬جريمة‭ ‬ضد‭ ‬أفراد‭ ‬مجمع‭ ‬الميم‭ ‬لأنفسهم‭ ‬بأن‭ ‬السلطات‭ ‬تقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبهم‭”.‬

‭ ‬تراجع‭ 

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬التركي‭ ‬لا‭ ‬يجرّم‭ ‬المثلية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كراهية‭ ‬المثليين‭ ‬تنتشر‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.‬وبينما‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مرتبة‭ ‬تركيا‭ ‬تراجعت‭ ‬على‭ ‬مؤشر‭ ‬حقوق‭ ‬مثليي‭ ‬الجنس‭ ‬ومزدوجي‭ ‬التوجه‭ ‬الجنسي‭ ‬والمتحولين‭ ‬جنسيا‭ ‬الذي‭ ‬تنشره‭ “‬الرابطة‭ ‬الدولية‭ ‬للمثليات‭ ‬والمثليين‭ ‬ومزدوجي‭ ‬الميل‭ ‬الجنسي‭ ‬ومغايري‭ ‬الجنس‭ ‬وحاملي‭ ‬صفات‭ ‬الجنسين‭”.‬

وحلّت‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬48‭ ‬من‭ ‬49‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬الدول‭ ‬المدرجة‭ ‬على‭ ‬لائحة‭ ‬الرابطة‭ ‬لدول‭ ‬منطقة‭ ‬أوراسيا‭.‬

وأحصت‭ “‬كاوس‭ ‬غل‭”‬،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬بين‭ ‬أقدم‭ ‬المجموعات‭ ‬الحقوقية‭ ‬المعنية‭ ‬بمجتمع‭ ‬الميم‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألفي‭ ‬مقال‭ ‬صحافي‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬صنّفته‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تمييزي،‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬بنسبة‭ ‬40‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬عن‭ ‬العام‭ ‬2019‭.‬

وحتى‭ ‬قبل‭ ‬فضيحة‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬بوغازيتشي،‭ ‬شعر‭ ‬أفراد‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬بأنهم‭ ‬محاصرون‭.‬

والعام‭ ‬الماضي،‭ ‬ألغت‭ ‬منصة‭ “‬نتفليكس‭” ‬إنتاج‭ ‬مسلسل‭ ‬تركي‭ ‬يصوّر‭ ‬شخصية‭ ‬مثلية‭ ‬بعدما‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬إذن‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬للتصوير‭.‬

وفي‭ ‬حزيران‭/‬يونيو،‭ ‬استهدفت‭ ‬حملة‭ ‬مقاطعة‭ ‬لوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬التركية‭ ‬شركة‭ “‬ديكاثلون‭” ‬الفرنسية‭ ‬لبيع‭ ‬المنتجات‭ ‬الرياضية،‭ ‬بعدما‭ ‬أعربت‭ ‬عن‭ ‬تضامنها‭ ‬مع‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭.‬

وفي‭ ‬نيسان‭/‬أبريل،‭ ‬دافع‭ ‬إردوغان‭ ‬عن‭ ‬مسؤول‭ ‬ديني‭ ‬بارز‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬المثلية‭ ‬وانتشار‭ ‬الأمراض‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تفشي‭ ‬كوفيد‭.‬

وقال‭ ‬إردوغان‭ ‬آنذاك‭ ‬إن‭ “‬ما‭ ‬قاله‭ ‬كان‭ ‬صحيح‭ ‬تماما‭”.‬

‭- “‬دفعنا‭ ‬للاختفاء‭” -‬

ويعتقد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الهجمات‭ ‬تأتي‭ ‬نتيجة‭ ‬التقدّم‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬حركة‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الأعلام‭ ‬الملونة‭ ‬مشهدا‭ ‬مألوفا‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭.‬

وبالنسبة‭ ‬للباحثة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬إيلام‭ ‬جاغدا‭ ‬فإن‭ ‬الحكومة‭ “‬تحاول‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للتقبّل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المتزايد‭ ‬للمنتمين‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬الميم‭ ‬عبر‭ ‬تشويه‭ ‬سمعتهم‭”.‬

وبعدما‭ ‬شارك‭ ‬نحو‭ ‬مئة‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬للمثليين‭ ‬في‭ ‬اسطنبول‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬ردّت‭ ‬الحكومة‭ ‬بمنع‭ ‬تنظيم‭ ‬فعاليات‭ ‬مشابهة‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬مرجعة‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬دواع‭ ‬أمنية‭.‬

وبحسب‭ ‬ينير‭ ‬من‭ “‬لامبدا‭ ‬اسطنبول‭”‬،‭ ‬فإن‭ ‬الحكومة‭ ‬تحاول‭ ‬دفعنا‭ ‬للاختفاء‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬العام‭… ‬يحاولون‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬وجودنا‭ ‬الاجتماعي‭”.‬

وأعرب‭ ‬مراد‭ ‬بدوره‭ ‬عن‭ ‬قلقه‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬بدء‭ ‬الحكومة‭ ‬الآن‭ ‬إقرار‭ ‬تشريعات‭ ‬مناهضة‭ ‬لمجتمع‭ ‬الميم‭.‬

وقال‭ “‬حققنا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التقدم‭”‬،‭ ‬لكن‭ ‬الآن‭ “‬نعود‭ ‬عقودا‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭”.‬

مشاركة