مثل هذه المدن لا تموت
الساردون يبتهجون بأجواء بغداد
علاء مشذوب
كنا أربعة ساردين .. حملنا حقائبنا من مدينة تسرد الدمع الى مدينة تسرد الحياة لنشارك في ملتقى للرواية.. أربعة يأخذنا هاجس المشاركة لنضع بصمة في ملتقى بدأت فعالياته على أنغام سامي نسيم المغترب وهو يعزف نشيد (موطني) نهض الجميع إجلالاً وإكباراً للوطن وللعلم الذي يرفرف في كل ساحات المدارس وأسطح البنايات الحكومية وقمم الجبال.. فيما كانت قاعة الفندق تمنح ألق الحروف ضوءاً آخر.أصطفت القامات الكبيرة وقوفاً عند الصفوف الأولى ، عبد الرحمن مجيد الربيعي، فاضل ثامر، ياسين النصير، علي الفواز، والكاتب المصري شوقي بدر، واللجنة التحضيرية المتمثلة بمحمد علوان جبر وحميد الربيعي وعبد الأمير المجر وآخرون، وتبعها الحضور بكل سردهم القصصي والروائي، بكل نقدهم وحضورهم . كان السرد يضوع في كل أرجاء فندق بغداد العريق في أصالته وقدمه، في معماره وطوابقه الستة، كانت شبابيكه مثل عيون ساهرة تطل على شارع السعدون من الأمام كما تطل على نهر دجلة الخالد من الخلف، كانت غرفتانا تقع عند الطابق الأول، بأضوائه الخافتة على طول الممر، كل غرفة تحتوي على خوان بمرآة مستطيلة، مصنوع من شجر اللوز، في بطنه ثلاجة، وتتوسطه (فاترينا) صغيرة, ومن الجهة الأخرى كانت مكانا لوضع الملابس، يعلوها مصباح ذو لون أصفر خافت يوحي بالشاعرية، وبسريرين من الأسفنج المضغوط تعلو كل منهما ملاءة بيضاء ووسادة من الديباج، وعلى جنب كل منهما توجد منضدة صغيرة يعلو أحداهما هاتف أرضي لتقديم الخدمات، الغرفة تحتوي على شرفة ببلاطات ملونة بالأحمر والأبيض، ودرابزين من الألمنيوم تطل على المسبح الصيفي بمائه الأزرق الشفاف.
بعد إستحمام دافئ، وسط حمام كل شيء فيه يوحي بالنقاء، من البانيو الى المقعد الغربي والمغسلة والجدران المحيطة بالمكان، الى المناشف البيض وأقراص الصابون وفرشة الأسنان ومعجونه والخُف, حتى ملمع الأحذية، خرجنا الى الصالة الكبيرة للاستراحة، كانت الأطقم بلونها الأخضر تفترش المساحات الكبيرة موضوعة بصورة دائرية وسط الصالة والشرفات المطلة على ضوء الشمس، كانت اللوحات الفنية تأخذ من الحيطان المطلية باللون الوردي الفاتح مكانا لها، بأهوارها ومشاحيفها وقصبها وسمكها وطيورها، ببيوتها وشناشيلها وأزقتها ونسائها وباعتها المتجولين، بنهر دجلة وجسوره و(الكفف) التي تتوسطه وطيور النوارس التي تحلق بفضائه، وفي ركن الصالة كان يسكن البيانو المصنوع من قشرة خشب ورد على قبقب، مغطى بطلاء أسود بوليستر مصقول وملمع بمستحضر تلميع المرايا, ليعكس صورة الشخص الذي يقف قربه، مفاتيحه البيضاء والسوداء التي لم أتبينها ان كانت مصنوعة من عاج الفيل، أم من البلاستيك الصلب، وخلفه مقعد مغلف بالجلد الأسود الاصطناعي .
جولة صباحية
عند انتهاء افتتاح الجلسة الأولى من يوم الخميس، كلفنا أحد أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر ان نصطحب المخرجة والناقدة السينمائية المصرية في جولة صباحية من يوم الجمعة، لتكتشف أحياء بغداد وبالخصوص شارع المتنبي، بعد ان عرّفنا عليها، وكانت أسماء إبراهيم، شجرة مصرية مورقة بالأمل والابتسامة والثقة بالنفس، تلبس الإيشارب الأحمر الذي يلف شعرها مثل ربة بيت، وتخرج منه بعض الخصل الشقراء، تلبس بلوزة سوداء تغطي رقبتها، تضع قرطا برونزيا في أذنيها، ويلف رقبتها قلادة برونزية بميدالية مستطيلة أيضا، وجهها الأبيض المدور المنتفخ كالحليب والمقرمش ببعض النمش عند وجنتيها وتحت عينيها، وترتدي ثوبا احمر تنبت فيه مكعبات بيضاء خفيفة، تلقي على كتفها حجابا وتشده عند صدرها، وتصحب حقيبة حمراء بلون الحناء معها، كانت بين الحين والآخر تنفرج أسارير وجهها مصحوبة بابتسامة، تكشف عن أسنانها البيض، وتمد يدها الى إيشاربها لتعدله، فتهدل منها سوار برونزي، من خلف كولونها الأسود ظهرت ربلتا ساقيها السمينتين.في صباح اليوم التالي، التقينا في صالة الإفطار، التي كان يتوسطها مائدة فخمة يتوزع عليها أنواع مختلفة من الطعام، من البيض الى القيمر والجبن الأبيض والمعلب على شكل مثلثات، والشوربة الخضراء والصفراء، والباقلاء والمعكرونة والبيض المقلي، والزيتون الأسود والأصفر، وصحون السلاطات الطويلة والمرتّبة بطريقة ممتعة، الى الفاكهة من الموز والتفاح الأحمر والأصفر والبرتقال والكيوي، وعصير البرتقال والرمان والفراولة، ورغيف الخبز الأسمر والأبيض، والصمون الطويل والدائري، وأباريق الماء الحار للشاي والقهوة والكاكاو.إجتمعنا لننطلق الى الباحة الخارجية للفندق، والتي تتوسطها نخلة باسقة ووحيدة، كانت كبيرة وواسعة بفضائها الآمن الى حيث تركن سيارتي، عندما خرجنا الى شارع السعدون وباتجاه ساحة التحرير، مررنا باتجاه تمثال عبد المحسن السعدون، أول رئيس وزراء للعراق، فتحت التسجيل وكانت فيروز عطر الصباح وهي تشدو بأغنيتها المميزة (بغداد والشعراء والصور… ذهب الزمان وضوعه العطر…الخ) فترنم الجميع معها، وكانت أسماء معنا تتمايل بضوئها، ثم قالت:
– الصورة الذهنية التي كنت أحملها عن بغداد وأهل العراق كانت مختلفة عما ألمسه وأراه الآن.
رد عليها أحد أصدقائنا :
– إنه الإعلام المغرض، الذي يرفض ان ترجع بغداد مهد العروبة الى حاضنتها القومية العربية.
عندما وصلنا الى ساحة التحرير قال صديقنا الآخر:
– هذه ساحة التحرير، مركز المظاهرات، حيث تقف عند جانبها الشرقي لافتة كبيرة تشهد على تاريخ العراق، وتعلن للغزاة أن بغداد باقية رغم أنفهم.
عندها قالت أسماء:
– أنتم أيضا عندكم ساحة للتحرير؟
رد صديقنا الذي كان يحمل مسحة قومية بالقول:
– كل البلاد العربية فيها ساحات للتحرير، كما فيها صحف تحمل الأسماء نفسها مثل الصباح والدستور والجمهورية، ولكن للأسف لا دستور يحكم، ولا تداول للنظام الجمهوري فيها.ومن ثم بدأ يشرح لها، عن تاريخ كل معلّقة من معلقات النصب، بعد ان أوقفنا المرور ليفسح السير للجهة الدائرية الأخرى، كان الاثنان الباقيان يتسابقان ليكونا دليلا سياحيا ناجحا يستميلها نحوه، لتستمع إليه. ثم درنا الساحة وعبرنا جسر الجمهورية الى حيث الكرخ، لنخترق الصالحية بعد ان مررنا بتمثال الملك فيصل، ومن ثم شارع حيفا، وصولا الى ساحة عدنان خير الله الى حيث المرأب، وكانت حديقته التي تحمل اسمه يتوسطها قاعدة دون تمثاله، لنركن فيه سيارتنا على ضفة نهر دجلة المقابل للمتنبي .كانت أصوات موسيقى وأغاني العبّارة التي تقوم برحلات ترفيهية في نهر دجلة من جهة المتنبي تطرب موجات النهر، لتتراقص على أنغامه النوارس، طلب أحد أصدقائنا أن نعبر جسر الشهداء بعد ان نشتري الصمون لنطعم الطيور التي اعتادت فطورها من أيدي العابرين عليه، بينما فضل الآخرون ان نعبر نهر دجلة بالقارب.طلبنا من صاحب القارب ان يأخذنا برحلة وسط دجلة حتى جسر باب المعظم، حيث مقام الخضر، والأعلام الخضراء والحناء والقصب وعين الماء النقية التي تفجرت قربه، بينما القارب يمخر بنا وسط دجلة، مرت نبتة زهرة النيل، فقال صديقنا لأسماء:
– هذه زهرة النيل التي استوردتها الحكومة العراقية للقضاء على الحشرات وإذا بها تتحول الى وحش يسكن الماء بعد أن يقتل سمكه.
عندها قالت أسماء مبتسمة:
– وعندنا أيضا هي السبب في تبخر ماء النيل.
كان صديقنا الأول يشرح لها عن معالم بغداد القديمة، عندما وصلنا الى وزارة الدفاع، قرب الجسر، بين لها عبق هذا المكان الملطخ بالدم، دار صاحب القارب بنا عائدا الى مرسى القوارب عند ضفة الرصافة، عندما وصلنا الى مبنى القشلة، كانت المنارة القديمة بساعتها التي يقف ميلها عند الغروب تؤشر الى إيحاء غريب من ان بغداد لا زالت في عهودها المظلمة، بينما مرقت قربنا العبارة الكبيرة، وهي تحمل العوائل العراقية والشباب وهم يتراقصون، واكتفى الآخرون بالتصفيق على أغاني المونتربو، تقدمنا أحد الأصدقاء ليأخذ بيد أسماء من القارب الى حيث الضفة الأخرى، مشينا على الرصيف الحديدي وصولا الى الدرج العالي الذي يوحي بالعظمة والكبرياء حتى تمثال المتنبي الذي يقف شامخا وهو يؤشر بيده اليمنى مفتخرا ببغداد الكبيرة والأصيلة والعظيمة.
التقاط صور
تفاجأت أسماء بالناس المزدحمة في المكان، وكانت السمة الغالبة عليهم هم الشباب، طلبت منا أن نأخذ لها بعض الصور الأرشيفية قرب التمثال فرادى ومجتمعة، عندها أعطينا الموبايل لأحد الأشخاص الواقفين ان يأخذ لنا صورة جماعية، وعندما تعذر عليه ذلك، أخذته منه، وجلست على الأرض لأستطيع ان أدخل تمثال المتنبي ومن يقف تحته في كادر واحد. كانت الرؤوس بين حاسرة بالقبعات الروسية والأمريكية، ومن يميل الى زمن عبد الكريم قاسم بسدارته العسكرية، او يميل الى زمن الملوكية بفيصليته، بينما كان بعض الحاضرين من الأدباء يلبس القبعة الأوربية كرمز للأدب، وكانت رؤوس النساء تعتمر الإيشارب والحجاب وقبعات الصوف بقفازات ملونة وبعضها سافرات.
كانت أسماء منبهرة بالحضور الكثيف من الناس في هذا المكان، وكاميراتها لم تتوقف عن التصوير، حتى دخلنا الملتقى الثقافي الذي كان يزدحم بالمعارض التشكيلية، ومعارض الكتب لدار المأمون للترجمة، والحكمة، والدار الكردية، ودار المدى ودور الأخرى، بينما تبنى بعض الشباب توزيع المنشورات الصغيرة مع وردة حمراء اصطناعية لبعض مؤسسات المجتمع المدني كان أحدها تحت عنوان (ابتسم من فضلك) و (كلنا العراق) وغيرها من المنشورات الورقية اللماعة.عندما خرجنا الى حيث شارع المتنبي، كان بعض الحاضرين يلتفون حول عائلة مهجرة من ديالى وهي تعزف وتغني الطرب العراقي القديم، الابن الأكبر يغني أغاني حسين نعمة، والأخ المتوسط يضرب على الطبل بينما كان أصغرهم يعزف العود بدندنات حزينة مثل قصب الهور وبرتقال بعقوبة، واكتفى الأب والأم بالوقوف قربهم، وهم ينظرون أبناءهم يزرعون البسمة في قلوب من يحيطهم، وقفت أسماء قربهم وأخذت بعض الصور لهم، ومن ثم أخذت صور (سلفي) مع عازف العود.عندما وصلنا الى حيث مقهى الشاهبندر، رأت أسماء الباعة المتجولين قرب بابها، بائع الباقلاء والحمص (اللبلبي) والشاورمة دجاج على الفحم، وبائع الفلافل والعصير، كانت توثق كل هذه التفاصيل التي ربما تبدو عادية عن البعض وقد غادرتهم الدهشة، لكن الوضع مختلف عندها، فهي تتعجب كل معلم يدل على الحياة في هذا البلد بعد ان شوهته الآلة الإعلامية ونشرت براثن البغضاء والطائفية بين أفراد مجتمع عريق في وجوده.فتحتُ باب المقهى الخشبية بزجاجه الشفاف الى الداخل، دخلت أسماء وتبعها باقي الأصدقاء، وقفت حائرة وهي تنظر تاريخ بغداد معلق على حائطها الذي يعلو كثيرا، كانت الصور الفوتوغرافية توثق تأسيس العراق الحديث، جلسنا جميعا على أريكة قد فارقها جلاّسها توا، وبقايا حرارة أجسادهم على مقعدها القطني، كان المكان يعج بالحاضرين من الأدباء والفنانين والإعلاميين ومتتبعي الثقافة.
كانت (أسماء) حافلة بالحياة والفرجة، لم يخلها ان بغداد بهذا الجمال، وان الحياة فيها بهذه الحيوية، طلبت منا الخروج، لتكون شاهدة على الثقافة العراقية، ففضل بعض أصدقائنا ترك استكانات الشاي عند منتصفها، لنخرج جميعا، عند الباب، أشار صديقنا الى سوق السراي، وهو يشرح لها عن أصالته، وبأن المكان الذي نحن فيه وما يحيطه، كان مركز الحكومة العثمانية، ومن بعده مركز الحكومة البريطانية، ليتحول بعدها الى مركز لنشر التعليم والثقافة وبيع مستلزماتهما من الكتب الثقافية والمنهجية والدفاتر والقرطاسية والحقائب.
مرقنا قرب مكتبة عدنان، ومقابلها مكتبة الروسم، وتقدمنا قليلا الى حيث بسطية سطور وصولا الى بسطية الميزوبوتوميا، والرواق، وكانت هذه العناوين قد أخذت على عاتقها طبع المنتجات الثقافية لجيل الرواد والشباب، بعد أن عجزت دار الشؤون الثقافية العراقية عن مواكبة التطور الحاصل في الذائقة العراقية المبدعة، عندما وصلنا الى منتصفه حيث بسطية دار الجمل، وأسماء تلوح بنظرها يمينا ويسارا، وتكاد لا تخلو أي بسطية من بسطيات الكتب من المتجمهرين من المثقفين والمتعلمين لشراء كتاب أو البحث عن عنوان، شاهدت بائعا متجولا بعربته التي يعلوها الرمان وتتوسطه آلة عاصرة له، طلبت ان تأخذ صورة عنده، لم يمانع بذلك بل كان مبتسما، وهو يسمع لهجتها المصرية التي اعتادها الشعب العراقي من خلال احتكاكه به أيام الحرب العراقية – الإيرانية، وما بعدها من الأغاني والأفلام المصرية.
تمثال الرصافي
أنتهينا الى شارع الحيدر خانة، وفضل بعضنا أن نتجه نحو تمثال الرصافي، كانت الجموع تتجه نحو شارع المتنبي، بينما كنا نسير عكس اتجاههم، وقفنا جميعا قرب تمثال الرصافي وسألتني:
– بغداد تزدهر بالتماثيل ؟
– هذا التمثال من عمل النحات إسماعيل فتاح الترك.
– هل هو عراقي؟
– نعم…عندنا نحاتون عالميون، ومنهم محمد غني حكمت الذي قال: والله لو أتيحت لي الفرصة لجعلت من بغداد غابة من التماثيل.
عندما وصلنا الى المتحف البغدادي، وقد أخبرها بذلك أحد أصدقائنا، طلبت أن نأخذ صورة أمام بابه، فتبرع احدنا بذلك، وكان يتأنى فيها، وفي هذه الأثناء مر من خلفنا مجموعة ضباط برتب عسكرية كبيرة، كما مر من خلف المصور الذي جلس على الأرض بعض سيارات الحمايات للضباط، ودون أن يضرب اي منهم بوق سياراته، وكان موقفا مدنيا متحضرا، أشادت به أسماء، فامتدت رقابنا الى عنان السماء، ان يحترم العسكر بهذه الرتب العسكرية الكبيرة، وحذا حذوهم حماياتهم, مجموعة من المثقفين تتوسطهم فتاة زاهية بثوبها الأحمر كأنها فراشة، لهو موقف رائع.تقدمنا قليلا عند مرقد الكليني، بعبق قببه الصفراء، وجدرانه الشاهقة، وبابه العالية المصنوعة من الحديد وهي تحمل لافتة تعريفية بولادته ووفاته، كان المكان من الجانبين عريقا في قدمه، وقببه وطابوقه، كان كل ما في المكان يوحي بالقدم والتراث البغدادي العريق، بدأنا نتسلق ظهر جسر الشهداء، وكان الناس بين رواح وغدو، والبعض يقف على محجره من الجانبين، كانت طيور النوارس تملأ الفضاء، بينما كان بعض الشباب يرمي بفتات الخبز الى الأعلى، فينطلق أحد طيور النورس خلفها، وقبل ان تلامس وجه الماء، كان يلتقطها بمنقاره الأصفر.وقفنا جميعا على المحجر الحديدي الأخضر العريض والمطرز بوشائج تفضي الى مربعات غير منتهية، بينما تلعب الطيور في الهواء الطلق، صمتت أسماء، بينما كان صديقنا الذي أخذ على عاتقه الشرح لها عن تفاصيل المكان، وان هذا الجسر يربط الرصافة بشارع حيفا ومنطقة الشواكة العريقة، كانت أسماء سارحة في ملكوت دجلة، وروحها تطير مع طيور النورس، وهو تغني وتلعب في الفضاء بأصواتها الجميلة والقوية كأنها أجراس كنيسة، التفت الى صديقنا وقالت:
– مثل هذا البلد لا يموت أبدا ؟
وأشاحت بوجهها وانزلقت من بين الجميع لتتقدمنا، بعد ان رفعت حجابها الذي يطوق كتفها لتمنع دموعها من التساقط، لم يتحرك أي منا، وكأننا نعطيها فرصة، لكي تستعيد أنفاسها وثقتها بنفسها، بعد ان هزتها طيور النورس وتدفق ماء دجلة وكثرة الناس وهي تقبل على الحياة حالمة بغدٍ أفضل، ربما كانت معبأة بالكثير من الأشياء غير الصحيحة عن هذا البلد، ثم تباطأت بالمشي حتى نلحق بها صعودا، وبعدها انتابها شعور بالفرح عندما جاءت عدة فتيات في سن العشرين والهواء يلعب بشعورهن السرح ويتطاير كأنه يرسل رسائل سلام وحب لكل العالم.وصلنا إلى مرآب السيارات، وقطفنا راجعين الى الفندق، آثرت أن أغير هذا الجو المشحون بالفرح والحزن، لتناقضات ربما غير منتهية، لهذه الفتاة المصرية، التي كانت كل الأشياء تمثل لها صدمة، فقد كان يستوقفها حتى الطفل وهو يركض حافيا في زقاقه، أو بعض الشناشيل وهي تطل برقبتها من الطابق الثاني الى الشارع، قررت ان أستبيح سكون السيارة بصوت المسجل، وصادف الحظ ان تكون أغنية فضل شاكر ضمن كوكتيل الأغاني هي الأولى بعد شوط من الأغاني العراقية والخليجية : (يا غايب ليه ما تسأل أحبابك اللي يحبونك ، ما يناموا الليل لعيونك أنا بفكر بيك، تبعد عني وتنساني محتاجك جنبي ترعاني، وبتزيل جروحي وأحزاني أنا مشتاق لعينيك، يا حبيبي لا تروح بعيد أنت نصيبي وبقلبي الوحيد، انت اللي بقلبي والله ردتك الدنيا كلها…الخ) .خرجت أسماء من شعورها المختلط وطقسها المحزن المفرح، بعد أن رأت الجميع ينساب مع فضل شاكر وهو يصرخ (يا حبيبي) مع الكردوس وهو يترنم بها، بينما كان لحن الأغنية مثل ماء دافق يتهادى في مجراه، أو نسر محلق في فضاء الأحلام لا يرمي الى شيء، فطفقت تغني وتصفق معنا، ونحن نخترق عمارات شارع حيفا بلونها الصحراوي، وعند ساحة ملك فيصل الأول، صعدنا إلى جسر الأحرار الذي يؤدي الى ساحة حافظ القاضي، وأنعطفنا الى شارع الرشيد بكل تراثه وأعمدته الدائرية التي تحمل كل تاريخ وتراث بغداد، وقبل ان نصل شارع الخيام ركنا على جنب، لنقف عند منطقة المربعة، لتأخذ أسماء صورة لبناية سينما الزوراء بطرازها المعماري العتيق، وبعض التماثيل تتكئ عارية عند قمتها، ومن ثم تقدمت عدت بنايات لتصور شرفات بناية من الجهة المقابلة، كانت حافلة بالنقوش والطراز الأوربي القديم، حتى الأعمدة التي تحمل تلك الشرفات بسياجها الحديدي الدائري، كانت مثار فتنة وجمال أخاذ.
بعدها طفقنا بسيارتنا إلى حيث شارع أبي نؤاس حيث شهرزاد من وقوف تحكي لشهريار من جلوس، وصدق حدس محمد غني حكمت عندما صورهما كل وحسب وضعه النفسي، ركنا على الجنب، لتنزل أسماء الى هذا النصب الســـحري، وقفت ذاهلة، وهي تترنم بضخامتهما، وطلاء شكلهما، تعجبت من طريقة تصميمهما، سألتني عن النحات الذي أبدعهما، فأخبرتها به، وبعدها قالت :
– الآن تأكدت أن ألف ليلة وليلة عراقية بغدادية بامتياز.
أخذت لها عدة صور منفردة وجماعية مع أصدقائنا، وبعدها طفقنا راجعين الى الفندق، كانت أسماء مسحورة ببغداد، بتماثيلها ودجلتها وجسورها وطيورها، بأهلها وشوارعها، بأشجارها ونخيلها، ببيوتها وفنادقها، برقتها ونقائها وسحرها، بقوة جذبها السحرية التي لا تعرف من أين تأتيها وقد صرحت بذلك أمامنا من أنها تشعر بجمال روحي لهذه المدينة الضاربة بالتاريخ، وأعادت عبارتها الأثيرة : من أن مثل هذه المدن لا تموت أبداً..!!


















