متى يعتذرون ؟ وكيف سيكون الاعتذار؟

توقيع

فاتح عبد السلام

بعد‭ ‬ثمانين‭ ‬سنة‭ ‬وتبدل‭ ‬جيلين‭ ‬كاملين‭ ‬،‭ ‬طلب‭ ‬الرئيس‭ ‬الألماني‭ ‬فرانك‭ ‬فالتر‭ ‬شتاينماير‭ ‬الصفح‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬النازيين‭ ‬في‭ ‬بولندا‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬زيارة‭ ‬تاريخية‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬لوارشو‭ ‬،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انّ‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬وُلد‭ ‬ساعة‭ ‬وقوع‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أحرقت‭ ‬الملايين‭ . ‬الحروب‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬اسبابها‭ ‬عنوان‭ ‬كبير‭ ‬لجرائم‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬اغلبها‭ ‬جريمة‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬ضد‭ ‬البشرية‭ ‬والتاريخ‭ ‬والمستقبل‭.‬

في‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الاخيرة،‭ ‬ارتكبت‭ ‬حروب‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬العالمية‭ ‬برغم‭ ‬من‭ ‬إنّ‭ ‬أغلبية‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬اشتركت‭ ‬فيها،‭ ‬وذلك‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬توافقت‭ ‬ولم‭ ‬تختلف‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بشأن‭ ‬تلك‭ ‬الحروب‭ .‬

العراق‭ ‬كان‭ ‬محور‭ ‬حروب‭ ‬كثيرة‭ ‬خارجية‭ ‬وداخلية‭ ‬،‭ ‬علنية‭ ‬وسرية‭ ‬،‭ ‬متفق‭ ‬عليها‭ ‬ومختلف‭ ‬حولها‭ . ‬حروب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الانواع‭ ‬،‭ ‬بعضها‭ ‬استغرق‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬وأخرى‭ ‬خاطفة‭ ‬في‭ ‬اسابيع‭ ‬وايام‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬جميعاً‭ ‬طحنت‭ ‬شعب‭ ‬هذه‭ ‬الارض‭  ‬،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعان‭ ‬شعب‭ ‬في‭ ‬اية‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬ماعانه‭ ‬العراقيون‭ .‬

ياترى‭ ‬مَن‭ ‬سيعتذر‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬،‭ ‬ومتى؟‭  ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬اعترفوا‭ ‬انّ‭ ‬حرب‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬العام‭ ‬2003‭ ‬كانت‭ ‬استجابة‭ ‬لمجموعة‭ ‬أكاذيب‭ ‬ولم‭ ‬تؤيدها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬لم‭ ‬يفكر‭ ‬أحد‭ ‬بالاعتذار‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬،‭ ‬وانّما،‭ ‬فقط‭ ‬،‭ ‬قام‭ ‬زعماء‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬ودول‭ ‬اخرى‭ ‬بالتحدث‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬ولتبييض‭ ‬صفحات‭ ‬شخصية‭ ‬،‭ ‬عمّا‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬كأحداث‭ ‬تاريخية‭ ‬مرّت‭ ‬وانتهت‭ .‬

انّهم‭ ‬يتذكّرون‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬،‭ ‬لكنّهم‭ ‬يظلّون‭ ‬غاطسين‭ ‬في‭ ‬نسيانهم‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭. ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬داعش،‭ ‬احتفلت‭ ‬الرايات‭ ‬المختلفة‭ ‬الملونة‭ ‬بالنصر‭ ‬على‭ ‬التنظيم‭ ‬الارهابي،‭ ‬لكن‭ ‬الجميع‭ ‬نسوا‭ ‬جثث‭ ‬المدنيين‭ ‬تحت‭ ‬انقاض‭ ‬البيوت‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬القديمة‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬نسوا‭ ‬مصير‭ ‬النازحين‭ ‬والمهجرين‭ ‬والمختطفين‭ ‬والمغيبين‭ .‬

أرض‭ ‬العراق‭ ‬لاتملك‭ ‬ضمانات‭ ‬تجنبها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مسرحاً‭ ‬لحروب‭ ‬أخرى‭ ‬أبداً،‭ ‬وربّما‭ ‬هي‭ ‬حروب‭ ‬وشيكة‭.‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية