متى نحاسب السرّاق؟ – علي حسين عبيد

متى نحاسب السرّاق؟ –  علي حسين عبيد

هناك معادلة متَّفق عليها تقول، عندما يصبح القانون ضعيفا وهشّا، تتضاعف أعداد السرّاق، ومن هذه المعادلة ينبثق سؤال يتعلق بواقع العراقيين، هل هناك سرقة منظمة لأموالهم وثرواتهم؟ وهل هناك طرق لا مشروعة يلجأ إليها حيتان السرقة، وأذنابهم من الصغار؟؟ الجواب نحصل عليه مما يحدث أمام العين، ويكفي مثالا على ذلك موظف صغير في مقتبل العمر، يبني بيتا تساوي قيمته رواتب الموظف لخمسين سنة قادمة، بينما هذا الموظف لم تمر خمس سنوات على خدمته في وظيفته، الامر يعود لاسباب عديدة، ليس ضعف القانون وحده المسؤول، فعندما تضعف سيطرة الانسان على أهوائه ونفسه ورغباته، عند ذاك تبدأ التجاوزات الكثيرة، ومنها سرقة الآخرين تكديسا للمال في الجيب والبنوك ومضاعفة الثروة بطرق غير مشروعة، وعندما يرافق ضعف السيطرة على النفس خلل آخر يتمثل بعدم قدرة القانون على ضبط الامور، ومحاسبة السرّاق، فإن الوضع سوف يزداد خطورة، لأن الضابط الذاتي غائب (الضمير)، والضبط الخارجي ضعيف، عندها يكون الانسان بلا ضوابط ومحددات تحكم سلوكه ونزواته واهوائه، فيبدأ بسرقة الآخر بشتى السبل والاساليب، ولكن الدول المتقدمة وجدت حلولا لهذه الظاهرة، ليس بطرح الاخلاقيات والمثالية في السلوك ورفض السرقة بدواعي الاعراف والدين وما شابه، بل وجدت تلك المجتمعات أن عدم سرقة الآخر تؤدي بالنتيجة الى ربح الجميع، بمعنى اوضح عندما أتيح لك أن تربح فإن المجال سيصبح واسعا بل أكيدا لكي اربح أنا، وهكذا وفقا لهذا التصور والرؤية والسلوك سيربح الجميع، لذلك عمل الاغنياء والمتطورون والمخططون في المجتمعات الناجحة على اتاحة الفرصة للجميع كي يربحوا، وأغلقوا الطرق أمام السرقات، بمعنى أن الاغنياء والاثرياء واصحاب القرار ومن يمسك بزمام الامور في المجتمعات المتقدمة، يمكنهم سرقة الاخر الأضعف او الأفقر منهم، ولكنهم أغلقوا هذا الحيّز الخاطئ، وفتحوا المجال للجميع كي يربحوا، وبهذه الطريقة ضمن الجميع الربح بديلا لظاهرة السرقة التي كانت تطيح بالجميع في وحل الخسارة والفقر، من هنا ينبغي أن نتعلم الربح في مجتمعاتنا الثرية الفقيرة، كما هو الحال مع العراق، حيث تبلغ ثرواته مئات بل ملايين ومليارات الدولارات، ولا يزال شعبه فقيرا وخدماته تصل درجة الصفر، والترفيه غائب كليا او بنسبة عالية، والبطالة تطيح بالشباب والخريجين، وثمة الكثير من المؤشرات التي تدل على فقر الشعب او نسبة كبيرة منه، بسبب وجود ظاهرة سرقة الآخر بشتى السبل والتحايل والمخادعة وتحويل الطرق اللامشروعة الى مشروعة، وتبريرها وفقا لقيم جديدة دخيلة على المجتمع العراقي، مثل -الشطارة- الرشوة- تكوين النفس وما شابه من مصطلحات وقيم خطيرة، أشاعها الفاسدون والمفسدون، بين العراقيين في المرحلة الراهنة، لذلك على من يهمه الامر أن يتنبّه لخطورة سرقة الآخرين، لأن من يسرق الآخر سوف يتعرض هو نفسه للسرقة في نهاية المطاف، وحينذاك سوف يتعرض الجميع للسرقة بدلا من الربح للجميع، ولابد أن يتقدم الجهد الرسمي جميع الجهود في هذا الصدد، على أن تقوم المنظمات والمؤسسات المدنية المعنية، بدورها في مجال توضيح مخاطر منهج السرقة المبرَّر، حيث يظن كثيرون أن اللهاث وراء جمع المال والثروة بشتى الطرق أمرا صحيحا، وبعضهم يعتقد أنه لا يرتكب إثما عندما يستخدم المخادعة والتبرير والتحايل، من اجل كسب المال، خاصة عندما يعود المال للشعب، أو ما يُطلَق عليه بالمال العام، حيث يتسابق المفسدون الى ايجاد شتى الحجج، لشرعنة التجاوز على المال العام، والاثراء على حساب الفقراء، ولكن بالنتيجة ستكون كل هذه السرقات، عاملا مساعدا لافقار الدولة والمجتمع برمته، بمن في ذلك الذين يسرقون ويظنون أنهم لا يُسرَقون.

مشاركة