متوسطة الحلة أجمل مدرسة درّست فيها وأحبها إلى نفسي

ذكرياتي 26

متوسطة الحلة أجمل مدرسة درّست فيها وأحبها إلى نفسي

عبدالرزاق عبد الواحد

 وانتقلنا إلى بيت متواضع في محلة الدوريين في الكرخ.

وكبرت مصاريفنا بما لاتستطيع خرجية أبي الضئيلة أن تغطيها،  فنصحك ياامي  أحد أقربائنا ـ وقد أصبحت أخته فيمابعد زوجتي أم خالد ـ

أن يقرضك ثمن بقرة تشترينها،  منها قوتٌ لأولادكِ ،  ومنها ماتبيعينه وتسدين به حاجة بيتك ـ وفعلت ياأم عبد الرزاق.

ولن أعيد الحديث الذي كتبته قبل صفحات ،  ولا القصيدة التي مازالت تذبحني كلمّا قرأتها !

 *    *    *

أنهيت دراستي الإعدادية ياأم عبد الرزاق ،  وكان يوم دخولي دار المعلمين العالية أكبر أعياد حياتك !.. وحين قُبلتٌ أستثناءً في القسم الداخلي ،  طرقتِ كلٌ الأبواب لتستديني لي خمسة دنانير لتشتريلي بها مستلزمات الدخول إلى القسم الداخلي .. واشتريتها ،  ووضعتيهِا في صرَّةٍ اجتهدتِ أن تليق بمقام (فتحة عينيك)طالب الكلية الجديد . ثم استيقظتِ في الصباح لتجدي الصرّة قد اختفت … سرقها قريبً لنا بات عندنا ليلةً وسافر إلى الجنوب وصرّة الملابس معه ! . وتحملتِ دين خمسة دنانير أخرى ياأم عبد الرزاق… وبقيتِ توفّرين لي من قناني الحليب التي تحملينها كل صباح مصروف طالب مترف في القسم الداخلي !.

ويوم فُصلتُ من الكلية ،  وأنا ماأزال طالباّ في الصف الأول ،  بسبب قصائدي التي كنت ألقيها في تظاهرات الوثبة عام 1947،  لم يكن يعادل حزنك  لفصلي سوى خوفكِ عليّ من الأعتقال ،  فدفعتيني دفعاً إلى السفر وراء أبي الذي كان يعمل في الكويت، وعدتُ إلى بغداد .. وأنهيتُ دراستي .. وعُينتُ بعد جهدٍ جهيد مدرساً في متوسطة مندلي للبنين .. وهنا لاح البشيرفي حياتك !.

وتبعتيني أنتِ وإخواتي إلى مندلي .. وبدأتِ تذوقين طعم الإستقرار،  وعرفت الطمأنينة طريقها إلى ملامح وجهك من جديد …

لن انس ماحييت دعابة مدير المدرسة،  وزملائي المدرسين ،  يوم معلمات المدرسة الإبتدائية زرنَكِ إلى البيت كما يقتضي العرف الأجتماعي ،  فأوصاكِ المدير أن لاتتحدّثي بلهجة الجنوب فيسخرن منكِ !.

قلتِ له : ( يمّه جاشكَول ؟؟) .. فقال لك : (تحدثّي مثلهنّ : نعم . بلي. لَعَد .. وهكذا  )

كنا أنا والمدير والمدرّسين نكاد ننفجر ضحكاً في الغرفة المجاورة ونحن نسمع حوارك معهن .

قالت لكِ المديرة : ( مبروك أم عبد الرزاق .. بيتكم جديد ماشاء الله !)

فقلت لها: نعم ! … قالت إحدى المعلمات ومساحته واسعه ونظيف فأجبتيها أنتِ : (بلي !).

قالت المديرة : ( وإيجاره مناسب أيضاً )  فقلتِ: (لَعَد؟! )

ووصل ضحكنا إلى مجلسكنّ فانفجرت جميع المعلمات بالضحك بينما كنتِ تقولين :(يمهّ خطيتي بركَبة عبد الرزاق والمدير ماله .. همهّ هيجي علمّوني!.)  عامان عشتهما معي ياأم ّ عبد الرزاق بشيءٍ من طمأنينة البال مادياً وبكثيرمن القلق حد َّ الفزع خوفاً عليّ من قصائدي التي كنت أكتبها . كنتِ ياأم عبد الرزاق تراقبينني منطوياً من الألم بعد أصابتي بقرحة الأثني عشري النازفة ،  وأنا منكبٌّ على أوراقي كلّ ليلةٍ حتى قريب الفجر في تلك البلدة النائية .. أكتب قصائد تتوسّلين إليّ أن أقرأها لكِ وأنا أعلم أنك لاتستوعبينها ،  لكنني أعلم أيضاً أن مجسّات خوفكِ كانت تستيقظ كلها على الخطر حين يكون كامناً فيها ! .

ما زلتُ حين أمسكُ القلم

أسمعُ أمّي وأخّياتي في قلَقْ

وربّما يقطع همسٌ أمّيَ الكئيبٌ

سكوتنا المريبْ

أسمعهُها تقولُ للصغار في حذَرْ

كأنها تخافُ أن أسمعَ ماتقولْ :

قال له الطبيب

مازلتَ في خطرْ

لابدَّ أن تهدأ أو يستّفحل المرضْ ..

وأذا تراني ساكتاً يعصرني الألمْ

وقبضتي تشدُّ في عنفٍ على القَلمْ

تخرجُ بانكسار ْ

وتُخرجُ الصغار ..

أفهمُ مايجولْ

في قلب أمّي عندما يخيم ّ الذبّول

في وجهها وهي تراني يأكل المرض

جسمي ولاتقوى على شيءٍ سوى الدموع

أفهمُ مايردع

صغارها ،  ثم يخطُ الحبرُ في ثباتْ

من استكانَ مات

ومن أراد أن يعيش أعجَز الجحيم

عن سَلبِهِ الحياة !.

*     *     *     *

وقررت طبابة المعارف نقلي إلى بغداد خوفاً من حدوث نزيف في القرحة ولاسبيل لتداركه في مندلي ،  ولكن مديرية التعليم الثانوي رفضت مجيئي إلى بغداد . حين زرت مدير التعليم الثانوي ومعي تقرير طبابة المعارف قال :أطلب أي مكان غير بغداد . قلت : الحلة قريبة . قال :أوافق على تعيينك في الحلة ،  وصدر الأمر بنقلي إلى متوسطة الحلة للبنين .

/ فـــي الحـلـة لـلمـرّة الأولـى/

أجمل مدرسة درّست فيها في حياتي كلّها ،  وأحب مدرسة إلى نفسي هي متوسطة الحلة للبنين  ،  وهي المدرسة الوحيدة التي بقي الكثير من طلابها عالقين في روحي وعقلي ،  وظلت ذكرياتهم لاتنسى !

كان مديرها الأستاذ مكي عزيز يساريّ الفكر ،  ذا شخصية بالغة الرصانة .. وكان فيها مدرسون متميزون .. إثنان منهم مصريان : سعد درويش وعلي الصياد ،  والثاني صاحب نشيد

عبد الكريم ……. كل الكَلوب تهواك

عبد الكريم …… ربّ العباد يرعاك

وكان سعد درويش وعلي الصياد من ألذع الشعراء في الهجاء أذكر أنني عندما فصلت من وظيفتي عام 1952كتب لسعد قصيدة أقول فيها :

والله ِ ياسعد مامرَّت بي َ الكُرَبُ

كما تمرُّ بغَمْر ملؤه نَصَبٌ

ولاتجرأ يأسُّ ،  أو مساومةٌ

يوماً عليّ . ولاذلُّ ،  ولارهَبُ

لقد وقفتُ بوجه الحادثاتِ ولم

أنظرإلى منَ حبالي وهي تقتربُ !

لئن يكن في بقائي ممسكاً قلمي

هذا العذاب ،  فإن الميتةُ الهربُ !

واللهِ ياسعد .. لم أسف لذاهبةٍ

إلا على أن لي صحباً وقد ذهبوا

لي كلَّ يوم هنا قومُ أخالطُهم

لكننّي بينهم ياسعد مغتربُ

قد يضحكون فأُصغي ،  أّوأشايُعهُم

فأنتهي وكأننّي كنتُ أنتحبُ

قد ننتهي من صداقاتٍ فنذكرها

وننتهي من صداقاتٍ فنضطربُ !

*    *    *

أول صفًّ دخلت فيه كان الصف الأول (أ)  . وكان فيه أذكى طلاب المدرسة وأكثرهم شقاوةً !.كان من جملة طلاب الصف محمد سعيد الصحاف الذي أصبح فيما بعد وزيراً للثقافة والأعلام . ثم وزيرً لخارجية العراق.

هنا أريد أن أقفز على الأحداث أكثر من ثلاثين عاماً يوم جاءنا محمد سعيد الصحاف وزيراً للثقافة والأعلام ! كنت جالساً معه في مكتبه ذات يوم ،  وكنت في وقتها مستشاراً ثقافياً بدرجه خاصة . قال: استاذ عبد الرزاق تتذكر قصة الحيّة ؟؟ .. قلت وكيف أنساها ؟ .. قال 🙁 المسكين الذي أشبعته ضرباً لم يكن هو الذي قال : حيّة. أنا قلتها !). قل دفع الله العاقبة عنا . (شجان سويت بيّه هسة وإنته وزير ).. قال :(أستاذي إنته ربّيتنه . آنه عيوني ماأكَدر أشيلهن بوجهك ،  أحتراما ً وحياءً منك) .

وأشهد أن الصحاف كان كذلك !.كان يخابرني :(أستاذي . عندي شغل يّمك أجيِك لو تتفضل إنت تجيني) . اقول لَّه( آنه جايّك ). وأذهب فأجده ينتظرني هو في باب مكتبه ،  بل عند باب مكتب السكرتير !

أما حين أصبح وزيراً للخارجية ،  فكان يدعوني في المناسبات الخاصة لإلقاء قصيدة في وزارته ،  وأذهب فأجده ينتظرني في باب الوزارة . وعندما ندخل كان يمشي خلفي. اقول لّه (أبو زياد إنته وزير .. مايصير تمشي وراي ). يقول لي 🙁 أستاذي … شيكَولون عَلّي ؟ أي أخلاق عنده هذا اللي يمشي كَدام أستاذة اللي ربّاه ؟!).

خلال الجلسه قلت له محمد .. فهبّ واقفاً وهو يقول : نعم أستاذ .. ثم ضحك قائلا (والله تصورّت نفسي تلميذ بصف أول متوسط \ أ \)

كان أذكى طلاب المدرسة ،  وأكثرهم شقاوةً !!

في مجيئي إلى الحلة بعد أن تزوجت دعاني أحد طلابي وكان قد أصبح مدرساً في الثانوية . قال (أستاذ تمشي وياي نزور رئيس البلدية)

؟ قلت له 🙁 وآنه شعندي وياه ؟ )قَال (هوَّ كلّش عاجبه يشوفك ). ودخلنا عليه وإذا به عبد الحسين الشلاه !. وقف واستقبلني بشكل عجيب . كان يقبّلني وهو يقول : (لوما ربيتنه إنته ماجان وصلنه لهل مكان )!

مشاركة