
متلازمة ستوكهولم.. شرنقة المقدس وسقوط العدالة – حسين باجي الغزي
أتعرفون اسم هذا المرض، أو لنقل هذه الإعاقة الأخلاقية؟
إنه حبّ الجلاد، أو التلذذ بعذاب القتلة، وسمي (بمتلازمة ستوكهولم)، نسبةً إلى حادثة وقعت في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1973، عندما سطا عدد من اللصوص على بنك كريديتبانكين (Kreditbanken)، واحتجزوا بعض الموظفين رهائن لمدة ستة أيام. وخلال تلك الفترة، بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيًا بالجناة، بل ودافعوا عنهم بعد إطلاق سراحهم.
ان التعاطف مع القتلة والجناة واللصوص… عاهة تفشّت بشكلٍ غريب في أوساط مجتمعنا العراقي المثقل بالعلل، حتى طغت ظاهرة لوم الضحية وتحميلها مسؤولية ما يجري.
إنها ثقافة سوداء، وكساح فكري ابتُليت به بعض مجتمعاتنا الشرقية؛ حيث أُحيطت السلطة، ورجل السلطة، وبعض رجال الدين وشيوخ المنابر، بشرنقة من (المقدس)، وأُحيطوا بهالة من الخطوط الحمراء، وأُلبسوا ثوب العصمة، رغم أن العصمة لا تكون إلا لنبي.
في المقابل، يتجرّع المخلصون لهذا البلد مرارة اللوم والتعنيف والملاحقة والقتل والتضييق، ويتحمّلون أقذع النعوت وأبشع الأوصاف، لأنهم يحلمون بوطنٍ حر وغدٍ أفضل.
بينما ينعم الجلاد بالامتيازات والمناصب، وتحيط به جلاوزة القدسية، وتُخلع عليه ألقاب الجلالة والفخامة، وتُلصق به أنساب قحطانية وعدنانية وقرشية، وكأنها صكوك طهرٍ أبدي.
وما يزيد المشهد تعقيدًا، أن بعض التدخلات العشائرية– التي يُفترض أن تكون حصنًا لحماية المجتمع وأبنائه– تحوّلت في أحيانٍ إلى مظلةٍ تُستغل لحماية الفاسدين ممن أساؤوا إلى الوطن والناس، عبر الضغوط أو التسويات التي تُعطّل مسار العدالة.
إن العشيرة، بتاريخها وقيمها الأصيلة، قامت على نصرة المظلوم وردع الظالم، لا على توفير الغطاء لمن خان الأمانة أو عبث بمقدرات البلاد. ومن الواجب أن تبقى القيم العشائرية سندًا للقانون والحق، لا بديلًا عنهما ولا معوّقًا لهما.
إنها دعوة للتشافي من هذه الأسقام، ولعدم النظر بعينٍ حولاء إلى المشهد الدامي في عراقنا الحبيب، وتغليب لغة العدل والحق والإنصاف، وتوصيف شخوص المسرح كما هم، وكشف أدوارهم، بدلًا من ملاحقة وتهديد من ينتقدهم، ويشير بأصبع الاتهام إلى الفاسدين والخونة والتابعين.
انها شرنقه المقدس وسقوط العدالة، فلا يمكن لهذا الوطن أن يعبر إلى برّ الأمان ما دمنا لا نصدح بقول الحق، ونجامل ونحابي، ولا نشخّص من هو الخائن والختّال والمتلاعب بمصير الناس.
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
والله من وراء القصد.


















