متعاكسات سلوكية – بهاء زهير أحمد القيسي

بهاء زهير أحمد القيسي

لماذا تتحول الانحرافات السلوكية والنفسية والاجتماعية إلى مادة للسخرية والتنمر بدلًا من انتقادها ومعالجتها علميًا ومجتمعيًا؟

ولا يقتصر هذا الأمر على الواقع الشعبي فحسب، بل أصبح سبيلًا تتخذه بعض مصادر الإعلام، وتحليل الخبر، مادةً تحشو بها وقت البث.

هل يمكنك تخيّل أن يتحول الجحيم الذي يهدد مجتمعنا إلى نزهة لدى الآخرين؟

لم يشهد المجتمع العراقي يومًا هذا الكم من الانحرافات المتطرفة في السلوك، التي تفاقمت إلى مستويات متقدمة تستوجب تصدّيًا لا يقتصر على دور القانون وتنفيذه وحده، بل يدعونا إلى التلاحم والعمل من جميع صنوف وشرائح المجتمع، حتى ننقذ الجيل من التشتت والتشرذم، إذ سندفع فاتورة كبيرة إن سمحنا له بالمضي قدمًا في التغلغل داخل مفاهيمنا وحياتنا اليومية.

وهناك قول شائع يتردد على ألسنة الناس، كتميمة تُقال بلا وعي، وهنا تكمن الخطورة في الأحكام الجاهزة وقولبة الأفكار داخل الفهم الجمعي للمجتمع.

وهناك من يرى أن ما نشهده الآن كان موجودًا سابقًا، لكنه لم يكن ظاهرًا، وأقرب تشبيه له هو جبل الجليد الغاطس تحت المياه، الذي لا تظهر منه سوى قمته فوق السطح، إذ لم يكن يصل إلى الأحاديث العامة إلا النزر اليسير منه، وذلك بسبب سلطة النظام السابق التي كانت تمنع تداول الأحداث والتجمعات، وتعدّها ضمن الأفعال المعادية للنظام السياسي.

إن التجهيل المنظّم واستبدال منظومة الأعراف الأخلاقية بحفنة قشور مستوردة من مجتمعات بعيدة عنا فكرًا وسلوكًا، بل وحتى جغرافيًا، ومع تحوّل العالم إلى قرية صغيرة بفعل تطور وسائل الاتصال المختلفة، أصبح خبر احتراق شطيرة «تاكو» في أحد أكشاك بيع السندويش في المكسيك أسرع انتشارًا من خبر محلي.

وسواء كان الانحراف قديمًا أم حديثًا، فإن تراشق التهم أو البحث عن المسببات لا يشفي أحدًا ولا يصلح حالًا، بل يزيد من الطين بلّة.

ولا يمكن أبدًا أن نسخر، بكوميديا سوداء أو بيضاء أو حتى زرقاء، من انحراف سلوكي يزرع الرهبة في النفوس، بوصفه حدثًا شاذًا وغير ملائم بكل المقاييس في الطبيعة الإنسانية.