متطوعون سنغاليون يؤمنون دفنا لائقا لمتوفين مجهولي الهوية

557

دكار‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬محمد‭ ‬ديوب‭ ‬يعرف‭ ‬أحدا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأموات‭ ‬الذين‭ ‬ووروا‭ ‬الثرى‭ ‬في‭ ‬جبّانة‭ ‬دكار،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يشارك‭ ‬مع‭ ‬آخرين‭ ‬في‭ ‬دفن‭ ‬متوفين‭… ‬فقد‭ ‬قاده‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬مع‭ ‬رفاقه‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬لدفن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المجهولين‭  ‬وفق‭ ‬الشعائر‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬مقابر‭ ‬العاصمة‭ ‬السنغالية‭.‬

فمنذ‭ ‬تسع‭ ‬سنوات،‭ ‬يتولى‭ ‬متطوعو‭ “‬جمعية‭ ‬الرحمة‭ ‬والإحسان‭” ‬إقامة‭ ‬جنازات‭ ‬لمتوفين‭ ‬مجهولي‭ ‬الهوية‭ ‬وفقا‭ ‬للشعائر‭ ‬الإسلامية‭.‬

وبدون‭ ‬ذلك،‭ ‬سينتهي‭ ‬الأمر‭ ‬برفات‭ ‬هؤلاء‭ ‬الموتى‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬جماعية،‭ ‬حسب‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬يتحفظون‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬أسمائهم‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يفرضه‭ ‬الواقع،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الامر‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬سكانه‭ ‬مسلمون‭ ‬ومحافظون‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬ربيعي،‭ ‬دفنت‭ ‬28‭ ‬جثة‭ ‬مجهولة‭ ‬الهوية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬23‭ ‬رجلا‭ ‬وامرأتين‭ ‬وثلاثة‭ ‬أطفال،‭ ‬في‭ ‬مراسم‭ ‬لائقة‭ ‬حضرها‭ ‬مئات‭ ‬الأشخاص‭.‬

حشدت‭ ‬الجمعية‭ ‬شبكتها،‭ ‬ولكن‭ ‬ليسوا‭ ‬جميعهم‭ ‬أعضاء‭ ‬فيها‭. ‬فبعضهم‭ ‬حضر‭ ‬بصفة‭ ‬إنسانية‭. ‬وقد‭ ‬جمعهم‭ ‬التفاني‭ ‬والشعور‭ ‬بالواجب‭ ‬حول‭ ‬أشخاص‭ ‬لا‭ ‬تربطهم‭ ‬بهم‭ ‬أي‭ ‬صلة‭.‬

وقال‭ ‬محمد‭ ‬ديوب،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬العشرينات‭ ‬من‭ ‬العمر‭ “‬جئت‭ ‬وأنا‭ ‬أفكر‭ ‬بمصيري‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬أقوم‭ ‬بذلك‭ ‬لأنال‭ ‬الثواب‭ ‬في‭ ‬الآخرة،‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭”.‬

يتذكر‭ ‬محمد‭ ‬غييه،‭ ‬وهو‭ ‬إمام‭ ‬حي‭ ‬شعبي‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬كيف‭ ‬ولدت‭ ‬المؤسسة‭ ‬الخيرية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسيها‭.‬

وقال‭ “‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام،‭ ‬رأيت‭ ‬سيارة‭ ‬تدخل‭ ‬الجبّانة‭ ‬وتخرج‭ ‬منها‭ ‬بسرعة‭. ‬وعندما‭ ‬استفسرت‭ ‬عن‭ ‬الموضوع،‭ ‬قيل‭ ‬لي‭ ‬إنها‭ ‬عملية‭ ‬دفن‭ ‬موتى‭ ‬مجهولي‭ ‬الهوية‭ ‬وإن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬جماعية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬احترام‭ ‬للشعائر‭ ‬الإسلامية‭”‬،‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬الغسل‭ ‬والتكفين‭ ‬والصلاة‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬المتوفى‭. ‬وأوضح‭ “‬نحن‭ ‬نتولى‭ ‬دفن‭ ‬الموتى‭ ‬بالطريقة‭ ‬الصحيحة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الله‭”.‬

عادة‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬المتطوعون‭ ‬الموتى‭ ‬من‭ ‬المستشفيات‭ ‬العامة‭ ‬كما‭ ‬فعلوا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬داكار‭ ‬من‭ ‬مستشفى‭ “‬لو‭ ‬دانتيك‭”. ‬وقالت‭ ‬الجمعية‭ ‬إنه‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالجثث‭ ‬45‭ ‬يوما‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تسليمها‭ ‬إليها‭.‬

ولم‭ ‬ترد‭ ‬المستشفيات‭ ‬على‭ ‬استفسارات‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭. ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬عدد‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هوية‭ ‬الذين‭ ‬يموتون‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬وماذا‭ ‬يحدث‭ ‬لرفاتهم‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتوكل‭ ‬الجمعية‭ ‬بمراسم‭ ‬الدفن‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المألوف‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬شخص‭ ‬متوفى‭ ‬مجهول‭ ‬الهوية‭ ‬أو‭ ‬ألا‭ ‬تطالب‭ ‬أسرة‭ ‬ما‭ ‬بجثة‭ ‬أحد‭ ‬أفرادها‭ ‬لأسباب‭ ‬مختلفة،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬فشل‭ ‬النظام‭ ‬الحكومي‭.‬

في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر،‭ ‬دفنت‭ ‬الجمعية‭ ‬13‭ ‬مهاجرا‭ ‬غير‭ ‬شرعي‭.‬

وتتزامن‭ ‬عملية‭ ‬الدفن‭ ‬هذه‭ ‬مع‭ ‬معاودة‭ ‬الجمعية‭ ‬نشاطاتها‭ ‬التي‭ ‬علّقت‭ ‬بسبب‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭. ‬وحرصت‭ ‬المستشفيات‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تسليم‭ ‬الجثث‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتعرض‭ ‬المتطوعون‭ ‬للعدوى‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التجمعات‭ ‬كانت‭ ‬محظورة‭.‬

‭- ‬حجر‭ ‬بسيط‭ -‬

قال‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للجمعية‭ ‬لامين‭ ‬مانديانغ‭ ‬وهو‭ ‬موظف‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬نفط‭ “‬على‭ ‬مدى‭ ‬تسع‭ ‬سنوات،‭ ‬قمنا‭ ‬بدفن‭ ‬1029‭ ‬شخصا‭ ‬في‭ ‬داكار‭ ‬وفي‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭”.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬كلفة‭ ‬الدفن‭ ‬الجماعي‭ ‬450‭ ‬ألف‭ ‬فرنك‭ ‬إفريقي‭ (‬حوالى‭ ‬700‭ ‬يورو‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬السنغال،‭ ‬وليس‭ ‬لدى‭ ‬الجمعية‭ ‬دائما‭ ‬الموارد،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أوضح‭ ‬الإمام‭ ‬غوييه‭.‬

فهي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬المساهمات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أعضائها‭ ‬والتبرعات‭ ‬من‭ ‬القطاعين‭ ‬الخاص‭ ‬والعام‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬مساهمة‭ ‬زوجة‭ ‬رئيس‭ ‬البلاد‭ ‬مارييه‭ ‬فايي‭ ‬سال‭ ‬التي‭ ‬تبرعت‭ “‬مؤسسة‭ ‬سيرفير‭ ‬لو‭ ‬سينيغال‭” (‬خدة‭ ‬السنغال‭) ‬التابعة‭ ‬لها‭ ‬بمركبات‭ ‬لنقل‭ ‬الموتى‭.‬

في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬انطلق‭ ‬طابور‭ ‬من‭ ‬سيارات‭ ‬دفن‭ ‬الموتى‭ ‬والإسعاف‭ ‬من‭ ‬مستشفى‭ “‬لو‭ ‬دانتيك‭” ‬متوجهة‭ ‬إلى‭ ‬مقبرة‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬داكار‭ ‬التي‭ ‬تبعد‭ ‬15‭ ‬كيلومترا‭. ‬

وقام‭ ‬أعضاء‭ ‬الجمعية‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬تحديدهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ستراتهم‭ ‬الخضراء‭ ‬والبرتقالية‭ ‬بإخراج‭ ‬الجثث‭ ‬ووضعوها‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬المجاور‭ ‬حيث‭ ‬تؤدى‭ ‬الصلاة،‭ ‬ثم‭ ‬نقلوها‭ ‬إلى‭ ‬القبور‭ ‬التي‭ ‬حفرت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭.‬

وقال‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬سامب‭ ‬إن‭ ‬المتوفين‭ ‬ال28‭ ‬سيرقدون‭ ‬تحت‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬التراب‭ ‬وفوقها‭ ‬حجر‭ ‬بسيط‭ ‬لا‭ ‬اسم‭ ‬عليه‭.‬

مشاركة