متطلّبات المواجهة وعناصر قوة داعش – عصام فاهم العامري
التطور المثير الذي شهده العالم هذا العام هو هذا التغيير الجيوستراتيجي الذي شهدته منطقة الشرق الاوسط ، عندما تحولت داعش من مجرد جماعة ارهابية غامضة ومريبة متعطشة للدماء وتمارس الوحشية بأقسى صورها الى ” دولة ” تحكم منطقة واسعة تقدر مساحتها بحوالي (35) الف ميل ( وفقا لمجلة نيويوركر ) من الاراضي السورية والعراقية .. ورغم ان أمريكا قادت حملة قصف جوي ضد مواقع ومقاتلي داعش منذ عدة أشهر ، ورغم النجاحات التي تحققت جزئيا من قبل البيشمركة الكردية والقوات العراقية وقوات الحشد الشعبي ، الا أن الايام القليلة الماضية أظهرت داعش وكأنها تسعيد المبادأة في بعض مدن ومناطق الانبار وفي بيجي واجزاء من محافظة صلاح الدين ، وفي هذا كله هي أثبتت قدرتها على تحمل القصف الامريكي وسواه والقدرة على المقارعة ، وهذا كله ينم ان داعش تملك استراتيجية وظفتها في سيطرتها على الاراضي التي استولت عليها ، ومن ثم فعاليتها في التمويل الذاتي وتطويره والعمل على زيادة التدفقات المالية وادارة المرافق ، فضلا عن ممارسة السلطة على الرعايا التي تحكمهم .. والسؤال المطروح هل الطرف المقابل اي التحالف الدولي يملك ستراتيجية ؟ حتى الان معظم الاطراف التي تواجه داعش لاتملك ستراتيجية مقننة وواضحة المعالم ، وربما هذا احد عناصر قوة داعش في المواجهة . فمن المعلوم ان ابسط مبادئ المواجهة التي تفرضها حالة الصراع الناجم عن أي تحد مهما كان شكله وطبيعته وحجمه هو تحديد الطرف الاخر في الصراع والذي شكل عنصر التحدي المفروض اذ ينبغي تحديده من حيث الخصائص التي يملكها وعناصر القوة التي يمتلكها وبالتالي معرفة مصادر القوة والمتغيرات الفاعلة فيها ، ومن ثم تحديد عناصر الضعف التي يمثلها، وحينذاك تتم المواجهة على اساس شل او تحجيم عناصر عناصر القوة التي يمتلكها العدو في ذات الوقت الذي يتم فيه ابراز عناصر الضعف التي يعاني منها العدو واستغلالها بحيث نطيح به وننهيه ، في ذات الوقت الذي يتطلب واجب الدفاع عدم السماح للعدو باستغلال عناصر الضعف التي نعاني منها والعمل على تدعيم عناصر القوة التي نملكها في عين الوقت الذي نهمش عناصر ضعفنا ، فهل حدث ذلك في مواجهة داعش ؟ والواضح انه حتى الان لم تجر عملية تحليل لبنية داعش وكيفية قدرتها في تحقيق نجاحات مستمرة ، وتمثل هذه المقالة محاولة اولية للفهم والتحليل .. ولو عدنا الى جذور تنظيم داعش الذي تعود نواته الاولى لعام 1999 عندما أُطلق سراح الأب الروحي للتنظيم سيء السمعة، أحمد فاضل نزال الخلايلة ( أبو مصعب الزرقاوي ) من سجن (سوقة) في الأردن وانتقاله الى أفغانستان وحصوله على إذن وقرض بقيمة 200 الف دولار من تنظيم القاعدة لإقامة معسكر تدريبي ، والتأسيس لمجموعته الخاصة التي أطلق عليها في البداية ( جند الشام ) ثم تطورت فيما بعد وفي غضون أشهر الى (جماعة التوحيد والجهاد) ، فإن الشعار الذي طرحه الزرقاوي في فترة التأسيس وظلت جماعته متمسكة به وتعمل على تحقيقه حتى بعد ان تحولت الى ( دولة الخلافة الاسلامية ) داعش هو (البقاء والتمدد ) وهاهي داعش تبقى وتتمدد ، ورغم ان حربا عالمية بقيادة الولايات المتحدة صارت تشن عليها الا ان داعش بقيت وتمددت .
وبقاء داعش وتمددها ليس فقط في الاراضي التي استولت عليها في العراق وسوريا على طول 400 ميل تقريبا ، ولكن ايضا في قدرتها على جذب الآلاف من المقاتلين الاجانب ووجودها القوي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن التطور الأكثر أهمية هو اتساع نفوذ داعش في جميع أنحاء العالم الإسلامي، يحركه العديد من المنظمات الجهادية التي أعلنت الولاء له مؤخرا. فقد نشرت قبل أسابيع شبكة سي أن أن عبر موقعها الإلكتروني تقريرا أشارت فيه ، أنه خلال الأشهر الستة الماضية، ضم التنظيم إلى صفوفه عشرات الجماعات من الجزائر إلى باكستان . وبالمقارنة، لم يتمكن تنظيم القاعدة الموجود منذ عقدين ونصف العقد من اجتذاب نصف عدد المقاتلين المنضمين لـداعش . وأشار التقرير إلى أن وفدا من داعش التقى مؤخرا قادة جماعة منشقة عن حركة طالبان الباكستانية لمناقشة كيفية توحيد متشددين باكستانيين، كما تعهدت جماعة (أنصار بيت المقدس) في مصر بالولاء للتنظيم . وواصل داعش توسيع نطاقه الجغرافي، وهناك 3 جماعات أخرى في ليبيا وجزيرة العرب واليمن أعلنت ولاءها، وفي الوقت نفسه يسيطر التنظيم الآن على مدينة درنة الليبية الشرقية القريبة من الحدود المصرية. ومعلوم انه قبل اسابيع أقسم 6 من زعماء طالبان الباكستانية بالولاء لـداعش في رسالة صوتية، ومن بين الجماعات الأخرى التي تعهدت بالولاء جماعة ” جند الخلافة ” في الجزائر، التي كانت جزءا من تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا وبلاد المغرب الإسلامي. كما اجتمع ممثلون من جبهة النصرة وداعش، وهما أكثر الجماعات السنية فاعلية في سوريا، للاتفاق على وقف القتال فيما بينهم والتركيز على قتال أعدائهم المشتركين . والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد لماذا تعهدت كل هذه الجماعات المسلحة فجأة بالولاء لـداعش أو مواءمة أنفسها مع هذا التنظيم، والتخلي في كثير من الحالات عن انتماءاتهم السابقة في تنظيم القاعدة؟
بالتأكيد ان الاجابة مرتبطة بالنجاح الذي حققته داعش في المناطق التي استولت عليها في العراق وسوريا . وبالتأكيد أن الجماعات المسلحة الأخرى في جميع أنحاء العالم الإسلامي، تتطلع ان تستفيد من هذا النجاح وتحققه لديها من خلال نقل الأفكار وطرق التدريب ونقل أعضاء لسوريا والعراق والتعلم من داعش . ولكن يبقى السؤال المهم هو كيف استطاعت داعش نفسها ان تحقق النجاح ؟
لقد حاولت الاجابة على هذا التساؤل دراسة غنية نشرت هذا الشهر عن مركز معهد بروكينغز في الدوحة للباحث تشارلز ليستر ، أشار فيها الى أن داعش عندما لبست عباءة الدولة، واعلنت نفسها ” الخلافة ” ، وغيرت اسمها الرسمي ببساطة إلى ” الدولة الإسلامية ” ، وهي فعلت ذلك من خلال الجمع بين الإفراط في القسوة، وبين وسائل أقل بشاعة في بناء القدرات المؤسسية ، واستطاعت المجموعة جزئياً جعل هذا الادعاء ان يعبر عن نفسه . وفي الواقع، أن واحدا من عناصر قوة داعش ونجاحها هو ارتباط ” شرعيتها الجهادية ” بقدرتها على الاستحواذ وعقد السيطرة على الأرض. واعتمدت داعش على بناء شبكتها على أساس التسلسل الهرمي الجامد والمرتبط بقطعة واحدة من الأرض، تدعي المجموعة أنها تحكمها وفقًا للمبادئ الإسلامية التقليدية. ومن هذا الملاذ الشاسع، جمعت داعش مئات الملايين من الدولارات، وبنت جيشًا من 31 ألف مقاتل .
وتعمل داعش وفق تنظيم هرمي عالي الكفاءة، يبدأ في قمته مع أبي بكر البغدادي، وفريق صغير على المستوى التنفيذي يتألف من مستشار ونائب واحد في كل من العراق وسوريا، وتحتهم هناك ” مجلس استشاري من ثمانية رجال، ومجلس عسكري من 13 رجلا على الأكثر ” . وإلى الأسفل من هذا التسلسل الهرمي للمجموعة: هناك أيضاً القادة العسكريون المحليون، والشرطة الدينية من الذكور والإناث، وجامعو الضرائب والزكاة، والمكاتب غير العسكرية التي تشمل حتى مكتب حماية المستهلك في الرقة. وكما يشرح ليستر، فإن داعش هي مترامية الأطراف بالفعل، إلا أنها منظمة تعمل بكفاءة ولديها سلسلة مستقرة إلى حد ما من المسؤولين. ومن بين هؤلاء، هناك ضابطان من أصحاب الخبرة الرفيعة المستوى عسكريًا، وهما: ” أبو علي الأنباري، رئيس العمليات في سوريا، وكان لواء في الجيش العراقي، وفضل أحمد عبد الله الحيالي (أبو مسلم التركماني)، رئيس العمليات في العراق، وكان مقدما في الاستخبارات العسكرية العراقية وضابطا سابقًا في القوات الخاصة العراقية ” . وهذان الضابطان من أصل أكثر من ألف من ” القادة الميدانيين على المستوى العالي والمتوسط في التنظيم، والذين لديهم جميعاً الخبرة الفنية والعسكرية والأمنية ” . ويوضح ليستر أن مقاتلي داعش ” يبدون أقرب إداريا إلى الجيش النظامي لدولة، مع نشر الوحدات بين أداء الواجب على الخطوط الأمامية النشطة، وبين قضاء أيام العطلة في المناطق المستقرة ، وبين إبقاء الوحدات الأخرى في قواعدها.
ويقتبس ليستر عن أحد مجندي داعش البريطانيين وصفه للحياة مع الجماعة بأنها ” مثل الحياة التي تعيشها في الغرب، باستثناء أن لديك بندقية “. وعلى الأقل في بعض أجزاء ” الدولة الإسلامية ” ، الحياة مستقرة حتى بالنسبة للمقاتلين. وتعمل داعش على تقديم اجندة اجتماعية واقتصادية عبر حماية المستهلك ومراقبة اسعار الايجارات وتقديم الخدمات العامة . ودخل داعش الذي يتراوح وفقًا للتقارير ما بين 1 و3 ملايين دولار يوميا من النفط، والتهريب، ومال الحماية، سمح للتنظيم أن يكون قادرا على تنفيذ السياسات الاجتماعية، وهو ما أدى بدوره إلى فوز المجموعة بدرجة من التسامح الشعبي تجاه التجاوزات العنيفة التي ترتكبها. وسيكون من التبسيط الضار وصف مثل هذه المجموعة الوحشية والبغيضة على أنها مجموعة تحمل فكرا مدنيا. ولكن مع ذلك، تقدم داعش مجموعة من الخدمات العامة في أجزاء من أراضيها. وفي الموصل، فتحت داعش مستشفى، وسيطرت على أسعار الإيجار في المدينة، بحيث لا يتجاوز الإيجار الشهري مبلغ 85 دولارًا.
وكما يقول ليستر: ” تقوم المجموعة بتوفير خدمات الحافلات المدنية، وتقدمها مجانًا، وتقوم كذلك بإصلاح خطوط الكهرباء والطرق والأرصفة، ومرافق البنية التحتية الحيوية الأخرى. كما يتم إنشاء الخدمات البريدية، وتقديم خدمات الرعاية الصحية والتطعيم المجاني للأطفال، ويتم إنشاء مطابخ الحساء للفقراء، وتقديم القروض لمشاريع البناء، وفتح المدارس الإسلامية الموجهة للفتيان والفتيات ” .














