متحف غريب وسط عمان أسمه (القارمات)

 

 

متحف غريب وسط عمان أسمه (القارمات)

الحفاظ على ذاكرة شوارع مدينة من خلال

لوحات الدلالة

سلام الشماع

{ الدخول مجاني إلى المتحف رغم أن زواره يتزايدون يوماً بعد يوم

{ ما قصة المحل الذي سمي بإرادة ملكية من مؤسس الأردن؟

الموقع الذي اختاره الخطاط غازي خطاب لمتحفه الفريد والغريب بفكرته في قلب العاصمة الأردنية عمان (وسط البلد) جعلت زوار المتحف يتزايدون يوماً بعد يوم، والدخول إليه مجاني.

الفرادة والغرابة في موضوع المتحف الذي أطلق عليه اسم (متحف قارمات عمان) تكمنان في أنه جمع يافطات عمان ولوحاتها الدلالية، منذ سبعين عاماً وعرضها في هذا المتحف.

وفي بلاد الشام يسمون اللوحة أو اليافطة قارمة (آرمة)، وقد اختلف في أصل الاسم فمنهم من أرجعه إلى العربية ومنهم من أرجعه إلى التركية.

أنشطة تجارية

لعل الولع الشديد للسيد خطاب بالخط هو كونه خطاطاً مما دفعه إلى إقامة هذا المتحف، لكنه، في الواقع، وثق بعمله هذا ذاكرة شوارع عمان الحافلة باليافطات للأنشطة التجارية والثقافية والاقتصادية التي ازدهرت في عمّان منذ أربعينيات القرن الماضي التجارية كيافطات مكاتب المحامين والمهندسين والأطباء والصيدليات والمستشفيات والمدارس والمحال التجارية المختلفة، لذلك تجد في المتحف يافطات بأسماء قدامى الأطباء ومحال النوفوتيه والفنادق والمكتبات والمقاهي، وشركات الاستيراد والتصدير ومحال الألبسة والمعالم الرئيسية للمدينة.

خطاب أخبر (الزمان) أن هدفه من جمع هذه الآرمات، كان لإعادة إحياء هذا الإرث والحفاظ عليه وعلى أسماء الخطاطين بدلاً من أن تتحول إلى سكراب (قطع خردة) وكلها لوحات أصيلة عرضت حتى بالأتربة التي تعلوها.

مواصلاً أنه يحصل على هذه اللوحات عن طريق شرائها من أصحابها أو ورثتهم أو يهديها أصحابها أو ورثتهم إلى المتحف أو عن طريق عمل لوحات جديدة للمحال مقابل حصوله على اللوحات القديمة، كونه وأخوته يمتلكون شركة للإعلان.

يقول خطّاب الشريك والمؤسس في الشركة الهندسية لصناعة الإعلان إن الشغف بعمّان المدينة وخطاطيها ولوحاتها وواجهاتها ومحالها التجارية وأطبائها، هو ما دفعه إلى الاهتداء لهذه الفكرة وتنفيذها، في محاولة للحفاظ على جزء من ذاكرة عمان من الاندثار بسبب القوانين الجديدة، وتغيير بعض الناس لمهنهم وتوسيع محالهم، فكان الرأي أنه لابدّ من تخصيص مكان آمن لهذه اللوحات، وعرضها بصفة جميلة احتراماً للخط العربي وشغف الناس به.

يحفل المتحف بلوحات محال “عاشوري” و”فاخوري إخوان” و”زنانيري” و”بيجو ورينو” ومخيطة “الامبسادور” وفندق القاهرة ومقهى الأردن، ووكالة “اسطفان التجارية” والفندق الأموي ومكتبة الاقصى، وصالون كليوبترا وستوديو كولومبيا، ولوحات أوائل الأطباء مثل جورج لطفي الصائغ ولوحات محامين ومصرف الرافدين العراقي، فرع عمان.

لوحة “المخزن الملكي الهاشمي” لصاحبها الأردني الأرمني “روبين كتشجيان”، التي كانت واجهة لمحل معدات التصوير الخاص به، كما يضيف خطاب، هي جدّة اللوحات وأقدمها إذ تعود إلى العام 1949  فهي من أعرق اللوحات وأجملها وفيها قلب ينبض برغم قدمها، وقد تمّ الحصول عليها من صديق أحفاد مالكها كشجيان الذي كان وكيلا لشركة كوداك العالمية ووكيلاً لإحدى شركات الساعات السويسرية الشهيرة، وكان يورّد للقصور الملكية أيام الملك المؤسس عبدالله الأول، لذلك حملت اللوحة عبارة (المخزن الملكي الهاشمي افتتح بإرادة الملك جلالة الملك المعظم)، وتحمل هذه اللوحة اسم خطاط أرمني عراقي اسمه ألبرت.

شهادة كتابة

وكان الملك المؤسس قد منح شهادة بكتابة هذه اللوحة لكتشجيان، وحفظت في مخزن صديق العائلة ممدوح بشارات صاحب ديوان “الدوق” الذي يقع على مبعدة خطوات من متحف القارمات.

وهناك لوحة مسجد “قارة” التاريخي ويعود عمرها إلى نحو 50 عاماً مضت.

اللوحات المعروضة موقعة بأسماء أشهر خطّاطي المدينة، من أمثال سبانخ وفضل وهارون وانطون وسلامة وحمدي وياسين وتركي وآخرين، الذين كان تستغرق لوحاتهم وقتاً وجهداً ومزجاً للألوان والخشبيات والحديد والخطوط لتخرج قطعاً فنية يدوية، وقبل أن تغزو التكنولوجيا هذه الصناعة، وهناك لوحة تحمل اسم الخطاط نسيب مكارم الذي كان الخطاط الخاص للملك فيصل الثاني في العراق، ثمّ أصبح خطاط الجمهورية اللبنانية، ولم يبق من هؤلاء الخطاطين الذين يمارسون هذه المهمة التقليدية، مطلع العام 1980 غير 3 أو 4 خطاطين.في المتحف ركن أطلق عليه اسم (ركن الضّاد)، وهو يمزج بين عرض هذا الإرث، وبين تعليم الخط العربي بمختلف أنواعه، في مساحة موازية داخل المتحف للراغبين. وهناك ركن آخر عرضت فيه العدد التي يستعملها الخطاطون في عملهم ومقتنياتهم من نظارات وفرش وأدوات هندسية وأجهزة تكبير وسواها، وركن آخر فيه سيارة أجرة من سبعينيات القرن الماضي يستطيع من يرغب بالتقاط صورة أن يجلس داخلها لهذا الغرض.ولخطاب قصة مع كل لوحة معروضة في المتحف لو كتبها لألفت كتاباً ممتعاً طريفاً وأجملها قصة لوحة (محلات أهرام) التي اشترك في خطها ثلاثة خطاطين هم فضل وكرد علي واردكاني، ولوحة (وكالة اسطفان التجارية) في شارع السلط بعمان، ثم لوحة محل (صرصور)، وهي لوحة خطها الخطاط تيسير السادات بكلمة واحدة وطريقة مختلفة وضعت فيها احرف عائلة بائع الملابس الجاهزة واسمه محمد “صرصور” بطريقة لم يعهدها أهل عمان الذين كانوا يتناقلون أخبار ما ينجزه الخطاطون من نثر الحروف على اللوحات بريشتهم وأقلامهم وفراشيهم، تماما كما كان يتناقل أهل الجاهلية وصدر الإسلام قصائد الشعراء أو حتى اهل أوروبا من حديث الإعجاب برسومات مايكل انجلو وزملائه الرسامين الانطباعيين أو كلمات شكسبير وغيره من الروائيين، فبات السادات شهيراً في عمان شهرة انور السادات في مصر وما حولها.

مشاركة