
قصص جاسم محمد صالح للأطفال
متتاليات سردية ترسّخ القيم التربوية والوطنية – جميلة رحماني
يتميز أديب الأطفال الكبير جاسم محمد صالح بأنه علم متميز في ميدان الكتابة للأطفال من خلال نتاجاته الكثيرة والرائعة والتي قدمها للمكتبة العربية بجهده الخاص , فهو دؤوب ويعمل بصمت وبعيد كل البعد عن الاحتواء , فلقد كرس حياته لخدمة الطفل وترصين ثقافته بكل جد واصالة , فهو صاحب رسالة ومبدأ , حيث عمل على بناء الطفل وتحصينه وتعزيز انتمائه للوطن والتراث والحضارة مع زرع روح المحبة والوئام والسلام في نفسه وصولا إلى الاعتراف بالآخر ونشر ثقافة المحبة والتسامح فيه , فهذا الرجل من خلال مجاميعه القصصية والروائية ومنذ ثمانينيات القرن الماضي عمل على ترسيخ هذا المفهوم , لهذا فقد استحق ان يكون أديب الأطفال الاول ليس في العراق وانما في عموم الوطن العربي , حيث تُرجمت كتبه إلى تسع لغات عالمية لأصالتها وإنسانيتها وعلى هذا الأساس يعدُّ واحد من أدباء العالم في مجال أدب الأطفال , فقد سمعتُ عنه وقرأتُ له وتابعته في محاضراته وندواته ونشاطاته الثقافية المختلفة فكان شعلة متوقدة من النشاط , لا يكلّ ولا يملّ وإبداعاته لم تنقطع يوما ما وخصوصاً حينما القت عنه الأديبة اليابانية المعروفة محاضرة في مكتبة مجلس النواب الياباني بعنوان : (( أديب من العراق يضيف لليابان أسطورة )) وكانت تقصد روايته 🙁 ملكة الشمس) التي استلهمها الكاتب من الأساطير اليابانية القديمة , فشذبها ونقحها وأعاد تقديمها إلى الأطفال بشكل أبهى وأزهى وأروع مما كان … وكان آخرها هذه الدراسة الأكاديمية التي كُتبت عن قصصه للأطفال من قبل الدكتور (حجت رسولي) وطالب الدكتوراه (سيد علي مفتخر زاده ) والتي صدرت في بغداد في 303 صفحة من الحجم الكبير .
قليلة جداً هي الدراسات التي تناولت أديبنا ونتاجه القصصي وفق (النظرية السردية) التي طرحها (غريماس) , فكيف الحال إذا كانت في مجال قصص الأطفال ؟ , ولأهمية كاتبنا جاسم محمد صالح فقد تنبه الى ابداعه شخصان في ايران وتحديداً في جامعة بهشتي في طهران وهما الدكتور (حجت رسولي) وطالب الدكتوراه (سيد علي مفتخر زاده) حيث قاما بدراسة قصصه ورواياته وتحليلها تحليلاً سردياً وفق رؤيا وتوجه ونظرة (غريماس) إلى مفهوم القصة , وهذه الدراسة تشكل إضافة مهمة الى المكتبة العربية وهي ايضاً اول دراسة في مجال أدب الأطفال في إيران وعن أديب عراقي كبير كأديبنا جاسم محمد صالح , حيث بيَّنت الدراسة وسلطت الضوء على كل الجوانب الإبداعية والفنية التي بثها المؤلف في قصصه المختلفة حيث أكد الباحثان : (( أن نموذج غريماس الذي يتمتع بمرونة وطـــــاقات هائلة لتحليل القصة )) ( الكتاب – ص 5). لقد أكد الباحثان رغبتهما في اخضاع كتابات الكاتب العراقي جاسم محمد صالح لدراسة سردية حسب نظرية غريماس , وتمكنا من تحليلها على أساس (النموذج العاملي) وكشف اللثام عن بنيتها المتلاحمة والمحكمة وعن تنوع الفواعل وتكرار متتاليات سردية متشابهة في معظم قصصه , كما برهنت الدراسة أيضا على نجاح هذا النموذج في تحليل البنية القصصية في مجال أدب الأطفال (ينظر ملخص الدراسة – ص6).
إن النظرية السردية تبدأ من أقيسة لسانية تمهيدية تعتبر النحو (قواعد بنية الجملة ) إنموذجاً أساسيا لبناء النظرية السردية وفق المقياس الذي وضعه الكاتبان اساساً لدراسة مؤلفات كاتبنا مؤكدين على سؤال واحد هو : ((هل تتمتع قصص جاسم محمد صالح ببنية سردية متلاحمة ومحكمة حسب النموذج العاملي والنقد الأدبي الحديث ؟ )) (الدراسة – ص7 ). لقد توصل الباحثان إلى أن الدراسات التي تناولت اعمال الاديب جاسم محمد صالح قد نظرت اليها بأعين تربوية لا تمت لنظرية النقد الأدبي بصلة مباشرة , في حين ركزت دراستهما واعطيا اهتماماً كبيراً للقضايا الفنية والسردية في اعماله وتمكنت من كشف اللثام عن البنية السردية في قصصه حسب نظرية غريماس (الدراسة – ص 10).لقد تيقن الباحثان الى ان ((جاسم محمد صالح قد ساهم في إثراء ثقافة حب الوطن بمجموعاته القصصية ورواياته ومسرحياته الهادفة والمشوقة , حيث استطاع ان يرسخ القيم الوطنية والانسانية لبناء جيل يتقبل العيش مع الآخرين ومتمسك بتراثه وأصالته الوطنية دون أن يجرده الغزو الثقافي من هوية الام )) . (الدراسة – ص21 ) , ينظر أيضا كتاب : (المثقف في مدارات الحضور الإبداعي – قراءات في تجربة أديب الأطفال جاسم محمد صالح) – تأليف الدكتور سعد مطر عبود : بغداد 2010 – ص129).
لقد تعامل الكاتب جاسم محمد صالح مع شخصيات قصصه بذكاء وحكمة ورسم ملامحها وهندس حركاتها بشكل دقيق ومتقن:(( فالشخصية من العناصر الأساسية التي تدفع عجلة الاحداث الى الامام وتخاق الصراع , كما وانها تعتبر اساساً للدراسة السردية الحديثة )) . ( الدراسة – ص31) , إضافة الى ان (جاسم محمد صالح) كان بارعاً جداً في الوصول الى نفسية الاطفال والتعامل معها بكل حنان ورقة وأعتبر كتاباته عاملاً مساعداً لتحقيق ما يريد , فالكاتبان ومن خلال قراءتي المستفيضة للدراسة كانا موفقين جدا وبارعين في دراسة أعماله فهما يقولان عنه : ((لقد وظف جاسم محمد صالح مرسلاً خارجاً يتلاءم مع نفسية الطفل وما يرغب فيه أو يلامسها ويحسها وتقع عليه ناظره , وعامل المساعد يظهر على مسرح الاحداث ليبعد طريق سير الفاعل الى الهدف)) . (الدراسة – ص38).
والعاملان ( الذات الفاعلة – الموضوع ) يمثلان دوراً محورياً وأساسياً في السرد ويخلقان الصراع مما يؤدي حضورهما الى استمرارية السرد , فلهذا لا تخلو قصة من القصص المصنفة من هذين العاملين , اما العامل المرسل فقد كان له حضور في جميع القصص المختارة , ولم تنس الدراسة دور الكاتب في استعمال الرمزية كوسيلة لتقريب المفهوم الى الطفل وشده اليها , وقد ذكرت الدراسة بأنه: (( يستطيع الكاتب بمهارته الفنية وبغطاء من الرمزية ان يزود الطفل بمعان ومضامين ذات مغزى تربوي وانساني وحتى وان اخفق الطفل في ان يربط هذه المفاهيم الرمزية بواقعه الذي يعيشه)) . (الدراسة – ص 130).
لقد أكدت الدراسة بشكل لا يقبل الشك بأن الكاتب (جاسم محمد صالح) له باع كبير وطويل في مجال فن الكتابة للأطفال وانه تمكن من تحقيق ما يريده للأطفال بشكل جميل ومقبول وأخاذ , فالدراسة ذكرت : ((تكونت أعماله السردية على أسس فنية ليبث من خلالها (اي الكاتب ) مضامين سامية يغرسها في نفوس الأطفال , ولا نغالي إذا قلنا ان البعد التربوي يكون بارزاً في أعماله)) (الدراسة – ص49).
غاية تربوية
إن الغاية التي امتلكها كاتبنا في جميع قصصه للأطفال غاية تربوية وجمالية وقد توصلت الدراسة بشكل دقيق الى ان هذه القيم منبثة في كل قصص وروايات الكاتب والسبب في كل ذلك ان الكاتب يمتلك حساً وطنياً صادقاً , وإن الكتابة للأطفال عنده ليست متعة بحتة بل هي رسالة تربوية بناءة تهيئ أطفال اليوم ليكونوا رجال الغد … رجالاً مخلصين وواعين ومحصنين ضد كل ما يُحاك ضدهم وضد وطنهم من مؤامرات , وخلصت الدراسة الى ان قصصه : (( تغرس في كيانهم القيم والمبادئ الصحيحة في تعاملهم مع هذا الظواهر , ويكثر هذا النوع في منجز كاتبنا السردي)) . (الدراسة – ص 49).
إن قصص الأطفال التي تركز على الاشخاص كفاعلين في العملية السردية لأنها تؤثر اكثر من غيرها على عقلية الطفل وتسيطر على ذهنيته ومساحة تقبله لاسيما اذا راعى الكاتب الجوانب النفسية في كتاباته , وقد توصلت الدراسة إلى ذلك بقولها : (( يراعي جاسم محمد صالح في قصصه الجوانب النفسية لمخاطبيه , ويقدم لهم ثمار روحه المرفرفة في سماء الطفولة ناثراً كلماته على ارض الطفولة الطرية الخصبة فتنمو حباً وفرحاً وسنابل دروس وعلوم سيحصدها الطفل بأنامل خياله الواسع)). (الدراسة ص, (38 وفي مكان آخر من الدراسة التي تنبهت الى أهمية الشخوص التي خلقها الكاتب جاسم محمد صالح وأستلهمها من خياله الأخاذ وأن هذه الشخوص الخيالية تلعب دوراً مهماً في بناء وتطوير عقلية الطفل ومخيلته فذكرت ان : ((الشخصيات هي من صنع الخيال وأنها تعيش في عالم المتخيل ولكنها تجرب شؤوننا المختلفة وترتبط بالعالم الإنساني وتثير في الكبار والصغار ردة فعل تعبر عن تفاعلهم مع تلك الامور)) . ( الدراسة – نقلاً عن اسابرغر – ص .(102 وشخصيات قصص جاسم محمد صالح تتجاذب وتتفاعل فيما بينها من خلال تلك العلاقة السردية والتي كانت اساساً قامت عليه الدراسة , فهناك ((علاقات ديناميكية بين الشخصيات على أساس ثلاثية ( الرغبة – التواصل – الصراع ) وان منطقاً حسياً ونظاماً متلاحماً يحكمان قصصه للأطفال )) .(الدراسة – ص34). وأن الصورة التي تظهر من خلال حركة الشخصيات وملامحها هي الصورة التي يحلم كل طفل بأن يكون عليها , وعلى هذا الاساس نجح الكاتب جاسم محمد صالح ايما نجاح في كل أعماله الأدبية في خلق صوره الفنية ببهاء وجمال ورونق معبرة عن هدفه وطموحه التربوي فهو : ((يصوغها من خلال خياله المبدع في صورة تعيد تشكيل الواقع في صورة جديدة تعبر عن وجهة نظر الكاتب تجاه الخبرة الحياتية التي يريد نقلها الى القارئ من اجل تحقيق هدف وجداني وثقافي ومعرفي وتربوي ووسيلته في ذلك الكلمة المكتوبة)) . (الدراسة – ص.(45
دراسة سردية
ان الدراسة السردية التي تناولت قصص جاسم محمد صالح وفق رؤيا غريماس كانت ناجحة جداً وموفقة الى حد كبير, من حيث أنها أكدت على أن : (( العاملان (الذات الفاعلة – الموضوع) يمثلان دوراً محورياً وأساسياً في السرد ويخلقان الصراع , مما يؤدي حضورهما الى استمرارية السرد , فلهذا لا تخلو قصة واحدة من القصص المصنفة من هذين العاملين , اما العامل المرسل فقد كان له حضور في جميع القصص المختارة , وبما أن الطفل يحب الاطلاع ويبحث عما يجهله نجد ان العامل المرسل ينبعث من ذات فاعلة , أي أن هناك رغبة نفسية تحفز عامل الفاعل للقيام بفعل ما )) .(الدراسة – ص(29.ختاماً لا بد لي أن أقول وبعد اطلاعي الدقيق على كتاب ( قصص جاسم محمد صالح للأطفال – دراسة سردية ) من تأليف الدكتور القدير (حجت رسولي) و الأستاذ في قسم اللغة العربية في جامعة بهشتي بطهران والسيد (علي مفتخر زاده) طالب الدكتوراه في فرع اللغة العربية وآدابها في جامعة بهشتي , إنها دراسة نفسية ناجحة وانها تناولت وبكل صدق اعمال الكاتب العراقي جاسم محمد صالح وفق نظرية غريماس السردية ’ فالدارسان مثقفان وواعيان ومطلعان بشكل كبير على الثقافتين العربية والفارسية , وإنهما أحسنا صنعاً في تقديم كاتب عراقي كبير الى الشعب الايراني مؤكدين من خلال ذلك تطور ونمو ثقافة الأطفال في العراق وتقدمها على يدّ كاتب يُعد من ابرز كتاب الطفل في العراق والوطن العربي , ومنًّي للدارسًين كل التوفيق والاحترام وأتمنى ان يقوما بترجمة كل أعمال الكاتب الموجهة للاطفال إلى لغتهم لتعم الفائدة المرجوة من الدراسة والله ولي التوفيق .
{ تأليف حجت رسولي & سيد على مفتخر زادة
جامعة بهشتي / قسم اللغة العربية – طهران.


















