مبادرات لإقتناء المكتبات الشخصية

مبادرات لإقتناء المكتبات الشخصية

ان الذي يتواصل مع شارع المتنبي ويحرص على متابعة ما يطرح فيه من كتب قديمة وحديثة، يستنتج بان هذا الشارع والقسم المتصل به من شارع الرشيد يشهد وجود ظاهرة قد تكون سلبية في بعض جوانبها وإيجابية في جوانب أخرى، اذ يلاحظ ان هناك مكتبات تباع في هذا الشارع وان بعض هذه المكتبات تحتوي على كتب غاية في الأهمية، ولان هذه الظاهرة غير متوقفة او قابلة للتوقف القريب، ولان من الممكن اتخاذها وسيلة للتجارة واستثمار الأموال والحصول على لقمة الخبز فقد افتتحت في شارع الرشيد المتصل بشارع المتنبي الكثير من المحال التي تحولت من مطاعم ومحال تجارية الى مكتبات تستقبل ما يباع من مكتبات، وعرض عناوين محتوياتها وبيع ما يهم القراء من هذه العناوين. ان شارع الرشيد مثل أي شارع في العالم يغير اختصاصات محاله من سلعة الى أخرى حسب العرض والطلب ويبدو ان المتاجرة بالمكتبات وبيع محتوياتها قد أصبحت تغري بعض الأشخاص، وخاصة الذين يمتلكون تجارب مع الكتب، والقدرة على تحديد الأفضل والأكثر أهمية منها، لذلك عمد هؤلاء الى فتح محال شخصية في استقبال ما يباع من مكتبات وعرضها للبيع على الأشخاص الذين يبحثون عنها، للبحث والدراسة والقراءة، ويعزز من ذلك ان بعض هذه المكتبات يرجع الى عصور ومراحل سابقة وان محتوياتها من الكتب لم تعد متوفرة، وان هذه المحتويات ذات طبعات نافذة من السوق ونادرة تدفع للشراء والاقتناء لهذا السبب او لاسباب أخرى. وإذ نشير الى هذه الظاهرة فاننا لا نفترض وجودها وانما هي موجودة لاسباب عدة، فقد اصبح من المعروف ان الكثير من أبناء هذا الجيل لا يميل للقراءة ويجدون في المكتبات عالة على البيوت، ويتعزز ذلك بعد رحيل صاحب ومؤسس المكتبة وتقاسم ارثه، حيث يرفض كل واحد عن الإبناء ان تكون المكتبة من حصته وان تكون مساحتها ضمن مساحة القطعة الموروثة له من البيت، ويكون الخلاص من مشكلات الإرث بالخلاص من المكتبة. وقد ذكر احد الأصدقاء والذين ينتمون الى أصحاب المكتبات المختصة ببيع الكتب القديمة ان احد الأشخاص طلب منه بعد وفاة والده ان يتسلم مكتبة هذا الوالد التي تحتوي على عشرات الالاف من الكتب مجانا، وان يسرع في نقلها الى محله قبل ان يستعين بصاحب مكتبة أخرى. وذكر شخص اخر ان زوجة احد المثقفين استغاثت باصدقائه لشراء المكتبة فور رحيله، وعندما لم تجد من يقدم على الشراء أهدت المكتبة الى احدى المؤسسات مجانا، وكان زوجها من المؤلفين البارعين، ولعل مؤلفات وبحوث قد كتبها المرحوم، ولم يصدرها في كتب قد ذهبت مع المكتبة المجانية ولم تجد من يبادر الى جمعها واصدارها في كتبه. ومن الأسباب الأخرى ان تعقيدات الحياة واحتياجاتها تجعل من البيت قضية مصيرية بالنسبة للابناء والاباء، ولذلك يلجأون الى التضحية بالمكتبات لتلبية طلبات المتزوجين الجدد على غرف كافية، كما ان الكثير من الأبناء لا يلتقون مع الإباء في الاختصاص والاهتمام، الامر الذي يحيل المكتبة الى معيق للتفاهم والتواصل، ويدفع الى التضحية بها، وتتداول الاحاديث والكتابات اعتبار الاهتمام بالانترنت وشبكة التواصل الاجتماعي من ابرز الأسباب التي أدت الى الانصراف عن الكتب والقراءة وكل هذه الأسباب تدفع الى بيع المكتبات الشخصية، حيث تظهر مكتبات شارع الرشيد وشارع المتنبي وجود رصيد كبير وغني من الكتب في البيوت والمكاتب الشخصية، وان هذا الرصيد يشير الى جهود ومتاعب لاجيال من المثقفين لا ينبغي الاستهانة بها، وتركها للعلاقات بين الباعة والمشترين، فمن المؤكد ان للقراء والباحثين حقهم في الحصول على ما يطلبون من مصادر ومراجع وكتب صالحة للقراءة والبحث، ولكن هذا الحق يمكن توفيره بإيجاد مؤسسات او مكتبات تقوم باستقبال المكتبات المعروضة للبيع وشرائها، ووضعها في أماكن تليق بها بعد إزالة ما لحق بها عن شوائب، ومن تمزق ومن نقص في الخط والتجليد والتصحيف والغلاف الجيد. وذلك ليس امرا عسيرا، فقد سبق لبعض المؤسسات الثقافية استقبال عدد من مكتبات علماء وادباء عراقيين بارزين، وجعلها متاحة للاطلاع والقراءة وانقاذها من الضياع والمتاجرة، ولكن هذه المبادرة لم تستمر طويلا، الامر الذي دفع بعض المؤسسات الثقافية الاهلية الى طرح مبادرات اكثر سعة واهتماما بالمكتبات المطروحة للبيع، ومن هذه المبادرات قيام احدى الدور الثقافية بشراء المكتبات القديمة بشكل يمكن فيه معالجة الشوائب والنواقص التي اصابت بعض محتوياتها، ويحفظ لاصحابها ذكرهم وجهودهم في جمعها وفهرستها، وتنظيمها والتأكيد على الدور الشخصي في ذلك، اذ اطلقت دار التراث في النجف الاشرف مشروع اقتناء اهم المكتبات التراثية الخاصة والعامة ضمن خطتها للمحافظة على ذخائر التراث الإسلامي ومميزاته ومن اجل تدعيم مكتبتها التراثية العامة، وجاء في حديث للمدير العام لمؤسسة دار التراث ان المؤسسة دأبت من خلال هويتها المتمثلة بحفظ التراث بشتى انواعه وتوثيقه ونشره على ان تكون جزءا لا يتجزأ من المنظومة الثقافية التي تتحمل اعباء المسؤولية لتحقيق تلك الهوية وتطبيقها على ارض الواقع من خلال اطلاق مختلف المشاريع ذات العلاقة)، مبيناً ان (من جملة الآليات المتبعة لتحقيق هذا المشروع هو اقتناء المكتبات الشخصية المهمة والمعروفة التي كان يؤمها العلماء والباحثون وأهل القلم من داخل العراق وخارجه والتي تملك السمعة والشهرة الواسعة على الخصوص).وعن الآليات المتبعة في مكتبة المؤسسة التراثية، قال مدير العلاقات العامة والاعلام في المؤسسة حسن الاعسم ان (ادارة المؤسسة وضعت خطة عمل واضحة للحفاظ على المكتبات داخل المؤسسة التي تم تملكها عن طريق وقفها أو اهدائها أو شرائها، وتتضمن الخطة صيانة تلك الكتب وحفظها والقيام بفهرستها وتصنيفها وفق أشهر وأدق نظم التصنيف العالمية، وكذلك تكليف قسم دار الخط العربي في المؤسسة بخط اسم أصحابها وعمل ختم مناسب لها يختم به الأوعية المعرفية كافة التي تم تسلمها لتحتفظ باسمه، فضلاً عن تخصيص حقل خاص من ضمن حقول سجلات الملكية للمكتبة العامة التابعة للمؤسسة يذكر فيه اسم الواقف أو المهدي أو اسم صاحبها القديم التي كانت تلك مكتبته الشخصية وتم شراؤها منه)، وأضاف (لم نكتفِ عند هذا الحد بل وضعنا خطة ستراتيجية لإدخال هذه المعلومات ضمن بطاقات التصنيف الببليوغرافية الإلكترونية ليتسنى لرواد العلم والمعرفة وكل من يتاح له الاطلاع على موقع المؤسسة على الانترنت التعرّف على كل ما تملكه المؤسسة من مقتنيات اي مكتبة خاصة تم ضمها للمؤسسة، بل من الممكن التعرف حتى على مستوى الأوعية المعرفية كافة الخاصة بتلك المكتبات والمختصة بموضوع واحد، وهكذا). وسبق للمؤسسة ان اقتنت مكتبات مهمة ونادرة من أهمها شراء مكتبة المؤرخ الشهير كوركيس عواد الخاصة وإنقاذ ما تبقى منها التي تضم عشرات الآلاف من الأوعية المعرفية المهمة ما بين وثائق ومطبـــوعات حجرية وأخرى مهمة ونادرة.

رزاق ابراهيم حسن