ما كتبه الحطاب للأخضر بن يوسف – جواد الحطاب

نص ونقد: أولا النص: ما كتبه الحطاب للأخضر بن يوسف

 

 

جواد الحطاب

 

 

سين

1-
كلاكيت
(منظر خام)
خارجي/
لقطة (ماستر شوت)

2-
لقطة (زووم إن)
على التابوت
يحوم
طائر أبيض

3-
لقطة  حركة (D3 )
ثلاثية الأبعاد
زقّورات تهبط
وربابنة بصريون..
ربطوا التابوت بـ(حبل السرة) وارتفعوا

4-
الكاميرا (حركة بان)
لقطة (فيد آوت)
صرقاطة باب التابوت
تتراجف والريح زحام
….

5-
(أظلام)
رأوه..
في مقاهي الرصيف
يجالس الغمام

6-
(شاشة كروما) (1)
سبتايتل عام يحتل الكادر
لا نخاف عليه من النسيان
ما نخشاه غدا..
شكل تذكرنا له!!!

عين

الطفل اللابد في السيبة
وعوالمه: أسئلة.. وهواجس ريبة

من يدري..
اترافقه لتجاعيد رؤاه
أم يرسمها المجهول على مرآه
خيبات، وتراكم منفى، وحقيبه..؟


هذا الطفل..
من علمه، من دلاه
إن الشاعر: صوت الله
والكلمات..
كيمياء عجيبة


الطفل الجامح في السيبه
منقلبه في معناه: صليبه

دال
كطائر يطارد انقراضه
تنام مضرجا بقصائدك الأخيرة
فما كان (فائض قيمة) الإنسان (حجر الفلاسفة)
ولا زمن ينصف لامارتين المتنبي.. (2)
(كأن في عروقي يدور الديناميت) (3)
أكنت تخطط لتأسيس جمهوريات
وإقامة متاريس طرق…؟!!
شاخت النقاط في بيانك الشيوعي
وانكسرت رايات (علي بن محمد) (4) في (ربيع براغ) (5)
وبين نميمة الضوء
ووشايات الأغاني..
كنا اقتباسات حكائين يا سعدي
عدد قليل منا سيميزك
وأنت تتأرجح في قلقك الهزاز
تحاول تحوير الجسد الى قبو نبيذ
وتعلن نفسك كاهن أبرشية الأسئلة..
……
في الحديقة..
في ممرها الطوييييييييل
سنعيد رسمك بالأبيض والأسود
الأبيض والأسود، بلا ألوان ولا موسيقى
وفي المشهد:
طائر يطرق، يطرق صرقاطة التابوت
فثمة..
قصائد…
تتنفس….

—-

ياء
محنة غيابك: وطن واحتار حبوبي
من يوصل الرازقي لــ (Highgate) (6) حبوبي
الشارع اشتاقلك، وأدريك حبوبي
الصبح في لندن، والليل في البصرة
….
“ليت الغضا”.. والغضا: حمدان والبصرة
.
.
.

هوامش:

1. كروما: للتصوير التلفزيوني، تحذف فيما بعد وتوضع مكانها المنظر الذي يريجه المخرج.
2. لامارتين الشاعر الفرنسي الذي أسس جمهورية للعمال وأسقطتها البرجوازية الفرنسية بعد 3 أشهر.
3. من قصيدة سعدي يوسف: المقتلة.
4. علي بن محمد قائد ثورة الزنج.
5. ينظر الى (ربيع براغ) في غوغل.
6. هايجيت المقبرة التي دفن فيها سعدي يوسف

ثانيا النقد:
ما كتبه الحطاب للأخضر بن يوسف

صباح الأنباري

بعد أن تناولت هذه القصيدة ضمن ما كتبته عن شعر الحطاب لا ازعم إنني اكتب الآن تحليلاً لها، أو قراءة عنها، أو مراجعة لما كتبته سابقاً، ولكنني سأعرضها على شاشة الشعر الحطابية بالحجم الطبيعي لنرى ما قدمه الحطاب سينمائياً من صور للشاعر الغائب ببدنه والحاضر بأفكاره، ورؤاه، وروحه وطراوته، وخضرته الدائمة. الحطاب وهو يقدم لنا هذا المنظور السينمائي لم يبخل باطلاعنا على سيناريو فيلمه الجميل كجزء من خطته الإخراجية المباشرة. وكما السينمائيين بدأ من الخطوات العملية التطبيقية الأولى (الكلاكيت) ونوع اللقطات وفلسفتها ويبدأ بلقطة (ماستر شوت master shot)
تتضمن مشهداً درامياً كاملاً يظهر فيه ممر طويل فتتقدم بنا الكاميرة عبر الشاشة الى الأمام بطريقة تجعلنا نشعر بحركتها الانسيابية وكأننا نطير معها عبر ذلك الممر متقدمين الى ذلك الشيء الذي يشبه في شكله النهائي تابوت الموتى. هي رحلة مع الكاميرة الى زمن ليس بالبعيد عن زماننا وان أصبح ضمن ماض سالف محتفظ برونقه في عناد الموت. عند هذه اللقطة يتفتق الوعي عن صورة ليست واضحة تماماً لوجود شخصية مهمة غادرت الحياة الى حياة أخرى فيحملنا الفضول الى معرفة، أو توقع فحواها ويشد انتباهنا الى دلالتها ورمزيتها ومحمولها من المعاني المسكوت عنها بغرض زيادة التوتر الذي يديم المراقبة المستمرة للوقائع غير المتوقعة. وإثارة سؤال إستراتيجي عميق عن محتوى ذلك التابوت الساكن من خارجه والمتفاعل من داخله مع رغبة البقاء، وعن سر وجوده وسط أرض خضراء واسعة ليبدأ الحطاب اقترابه من التابوت بلقطة (زوم إن Zoom in) تزيد من تركيزنا عليه وكأنه المادة المركزية في هذا المشهد الفريد هذه اللقطة تعكس ما يمور داخل نفوسنا (كمشاهدين) من فضول يثير فينا دهشة الاكتشاف، ورغبة المعرفة، ونحن نرى الى طائر أبيض يحوم ضمن دائرة مغلقة حول محيط التابوت. هي صورة أو لقطة شعرية كبيرة في معناها، وحجمها الذي كان أوسع من حدود اللقطة المقرّبة (كلوز إن) لأنه يفتح أمام أذهاننا فاعلية التصور، والرؤية الجامحة.

تنتقل بنا الكاميرا الى (لقطة ثلاثية الأبعاد (3D فنرى زقورات تهبط من السماء فنجترح هوية التابوت، وخفاياه الغريبة والمريبة، ثم نرى ربابنة بصريين يمنحون المشهد -تحديدا من داخله- ارتباطاً واضحاً بينهم وبين التابوت أو بين التابوت وبين المشيمة المشدودة إليه بحبل سري يجعل الانتماء واضحاً بينه وبين الأرض (البصرة) فنطير معهم محلقين الى سماوات شاسعة.
بواسطة كاميرا البان وبلقطة (فيد أوت Fade out) يتدرج الضوء بالاختفاء نحو الظلمة، ومع ذلك نبصر من خلال انحسار الضوء (صرقاطة) باب التابوت تترجف وتهتز خاشعة، وخائفة مما يدخر التابوت من الغامض المجهول وهو بلا شك روح مضطربة لا تعرف الاستقرار ولا التوطن، ولا تستلم لحالة الانضغاط في مساحة خانقة لا تكفي حركتها الدائبة ولا روحها الخافقة الجناحين في سماوات بعيدة قد لا تكفي انطلاقاتها الهائلة.

تدريجيا يحل الظلام، وثمة من يرى روحه جالسة في مقاهي الرصيف، ومجالسة الغمام الأبيض وكأنها تهيم في ملكوت لا حدود لحركته التي لم تتوقف على الرغم من الموت، ومن خلال الظلام نرى الكاميرة وهي تشق الطريق الى ما لا نهاية فنرى تحت الرخام الصلد القصائد تتنفس أو تستعيد أنفاس شاعرها المسجى داخل خشبة الموت. تنتهي هذه اللقطات بعنوان مكتوب بخط جريح ومحتل مساحة

الكادر كلها:
لا نخاف عليه من النسيان
ما نخشاه غدا
شكل تذكرنا له!!!

لقد حمله البصريون بعيدا عن عالمه الذي أسس لروحه موقعا تفرد فيه فردوس يوسفي أخضر يمتد الى آخر الزمان وأول الأمكنة.
الشاشة قدمت لنا كل هذه اللقطات تحت (سبتايتلٍSubtitle ) توهج فيه الحرف (س) وهو الحرف والمبتدأ الأول لقامة الأخضر بن يوسف.

ومن السين وتجلياته السينمائية الى العين وبراءته غير المعلّمة بحدود شعرية، براءة لا يحدها حد ولا ينغلق عليها مرمى. في هذا (العين) لم يعد الشاعر مهتما بتحديد اللقطات فقد ترك الكادر ممتلئا بالكلمات كحل ظريف غرضة الموازنة ما بين الشعر ولغته، والسينما ولغتها. وصار لزاما علينا البدء مع بعض الكلمات على شاشة النقد حسب. وهنا تحديداً يوفر لنا الحطاب قدرات الكلمة على بيان الشخصية إذ يقول:
الطفل اللابد في السيبة
وعوالمه: أسئلة.. وهواجس ريبة
والسيبة قريبة جدا من أبي الخصيب (محل الولادة) ربما أراد الحطاب إبقاء روح الأخضر معلقة خارج محل ولادته ليستمر في حومه حولها مثيراً لغطاً من الأسئلة والارتياب. في هذا المقطع يباشر الحطاب رؤيته المضطربة بصور تشي بمدى خيبات الأخضر، وكثرة منافيه، وهو الطفل الذي لا يعرف أحد من أرشده ودلاه:

أن الشاعر صوت الله
والكلمات كيمياء عجيبة

في المقطع اللاحق (دال) يوجه الحطاب سؤالاً عن كنية الأخضر بعد أن خاض بحار المنافي، ومحيطات الهجرة والتهجير، وبعد أن مزّق هويته ليمنح نصفها لحبيبته ونصفها الآخر للشرطي، وما اذا كان ذلك كله من اجل تشييد جمهوريات يوسفية أو متاريس طرق وعرة سار عليها ذات زمن مريب. لقد كتب الأخضر أيام كان شيوعيا بياناً زاعماً انه الشيوعي الأخير، وزعم الحطاب أن بيان الأخضر هذا قد شاخت نقاطه وانكسرت راياته مثلما انكسرت رايات علي بن محمد وهو يقود فقراء البصرة الى هدفه النبيل. وعلي بن محمد كناية عن الأخضر ومشاغله التي ذهبت أدراج الرياح كما ذهب ربيع براغ وانتفاضته التصحيحية، مع أنها بقيت تمارس حضورها الجميل. يستمر الحطاب في استرجاعه صور الأخضر ومباهجها وأسئلته التي تميز بها مثل كاهن في ابرشيه. ولا ينسى الحطاب نفسه كشاعر قريب من هذا الأخضر الزاهي بخضرته والمتألق بجمال مساحتها وهو يقول:

كنا اقتباسات حكائين يا سعدي
عدد قليل منا سيميزك
وأنت تتأرجح في قلقك الهزاز

ثم يستدرك الحطاب عودته الى البداية الى السينما بلقطتها المميزة (Traveling shot ) وهذه المرة يصورها لنا بالحروف الممدودة على طول الممر (الطوييييييل) أو هكذا يتصرف الحرف عند الاستغناء عن العدسة، ويسترجع أيضا شكل الطائر الذي كان يحوم حول التابوت و(سرقاطته) مؤكداً مرة أخرى أن داخل التابوت قصائد تتنفس فما الأخضر فيها إلا شعراً يخفق بنبض الحياة.
في المقطع الأخير (ياء) يتناول الشاعر محنة غياب الأخضر مشتغلاً على الشعر الشعبي أملاً منح الأخضر أجواء بصرية شعبية خالصة تعبر عن اشتياق الجميع له ولتنقلاته من لندن الى البصرة ويربط بفنية عالية هذا المقطع الشعبي بما يذكرنا بمرثية مشهورة لمالك بن الريب:(*)
“ليت الغضا”.. والغضا: حمدان والبصرة
وينهيها بعدد من النقاط العمودية الهابطة الى الأسفل في دلالة الى هبوط الأخضر بن يوسف الى الأرض بعد أن حلّق كثيرا في سماوات الغربة والاغتراب.

………………………………………
(*) قصيدة مالك بن الريب ومطلعها:
ألا ليت شِعري هل أبيتنَّ ليلةً بوادي الغضَى أزجي الِقلاصَ النواجيا

*