ما زلتُ طفلا

392

ما زلتُ طفلا

كثيرا ما كانتْ تنتظرنُي بقلقٍ عندما كنتُ أتأخرُ ليلا، أو ترعاني كأنّي ما زلتُ طفلا.

قلتُ لها يا أمّي: ما عدتُ صغيرا، فما بالك قلقة دائما بشأني!؟

فردَّتْ: ستبقى بالنسبةِ لي طفلا، دائما وأبدا.

فقلتُ: حتما إنَّكِ تبالغين في الأمور، يا أمي!

قالت: الآباءُ والأمهات يشعرون بأشياءٍ يصعُبُ أنْ يشعرَ بها أبناءُهم.

وذات مرَّةٍ في إحدى نهارات تموز الحارقة، كنتُ انجزُ عملا ما تحت اشعةِ الشمس.

فوجِئتُ بأمّي واقفة خلفي تصنع لي ظلا بعباءَتِها.

وقبل أنْ أقولَ شيئا، نظرتُ من حولي فوجدتُ أبني جالسا في الشمس.

وبحركةٍ لا إراديةٍ، أخذتُ العباءَةَ من يدِها؛ كيْ أحميه من أشعتها.

بعد سنوات، نالَ العجزُ والمرضُ من أمّي.

لم تعدْ قادرةً على الحركةِ أو الكلام في لحظاتِها الأخيرة.

وفي تلك اللحظةِ، تعمَّدتُ أنْ أضعَ إصبعي تحت أسنانِها.

سألتُها: أمي… إنْ كنتِ تشعرين بوجودي، رجاءً عضّي على اصبعي.

دفعتهُ بلسانِها، وقبّلتهُ بشفتيها الناحلتين.

حتى وهي في لحظات الموت، فكَّرتْ لو انّها عضَّتْ على إصبعي، سوف تُؤلمني!

مازالتْ تراني طفلا.

وما زلتُ أشعرُ هكذا، كلما افتقدتها.

ياس الشمخاوي – بغداد

مشاركة