ما بين الرواية والتاريخ وتوظيف السرد

فصول محذوفة من رواية بتول

ما بين الرواية والتاريخ وتوظيف السرد

ليث الصندوق

بصدور رواية (فصول محذوفة من رواية بتول) كان الراحل الكبير محمد سعيد الصكّار قد أضاف الرواية نوعاً جديداً إلى سلسلة اهتماماته الإبداعية . ومع هذه الإضافة أضيفت  صفة الروائي إلى سلسلة صفاته (الشاعر والكاتب والقاص والإعلامي والمصمم والرسام والخطاط) ولكل واحد من تلك الاهتمامات صدى وأثر موزع على الأبطال في رواية (فصول محذوفة من رواية بتول) فكأنّ الكاتب يوزع نفسه على أبطاله ، ويُنطقها بما سكتت عنه طيلة نصف قرن من تاريخ العراق المحتدم بالخسائر و بالنكسات ، فالرواية تتحدث عن فترة من تاريخ الصراع ما بين القوى السياسية في العراق ، لكنها مع ذلك لا تتعكز على التاريخ ، ولا تستمد مادتها من أحداثه إلا بالقدر الذي يتماسّ فيه مجرى حياة الابطال معها ، ولا عجب بعد ذلك انها لم تثبت تاريخاً دقيقاً لأي حدث باستثناء تاريخ ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ، بيد أن هذا التعالي على التاريخ أدى إلى تداخل مربك أحياناً للأحداث العامة ، خصوصاً عندما لا تكون هناك محطات فارقة لأحداث تكررت مثيلاتها على مدى نصف القرن المنصرم ، كما أدى ذلك إلى السقوط في أخطاء تاريخية إنعكست على السرد ، أو سردية إنعكست على التاريخ ، فعلى سبيل المثال ، إن بتول التي تبدأ الرواية بقصتها هي مهندسة معمارية في القصور الرئاسية . وحين اندلعت ثورة الرابع عشر من تموز 1958 كانت لم تزل في باريس (ص / 71) ، فعن أي رئيس جمهورية كانت تتحدث الرواية قبل ثورة 1958 ؟ وفي أية قصور رئاسية كانت تعمل بتول ؟ ولا سيما أن عبارة (قامت قيامة العراق يوم 14 تموز من عام 1958  بتول ما زالت في باريس . ص / 71) أوحت بأن كل ما ورد في السرد قبل تلك العبارة – ومن ضمنه عمل بتول في القصور الرئاسية – كان قد حدث قبل عام 1958 ، فهل في الأمر خطأ تاريخي ، أم إن التقنية التي تعمدها الكاتب بتفكيك الأحداث وإعادة ربطها قد أربكت النصّ وأربكت القارئ معاً . والرواية إضافة لذلك لا تتعكز على السياسة بالرغم من صراع أبطالها في حلبتها ، ومصارع بعضهم فيها ، ولا تطمح باختراق محرماتها ، وتحطيم حواجزها إلا بالقدر الذي يميط اللثام عن علاقات أبطالها ومصائرهم . كما انها تتحاشى التحدث بلغة الخصم أو الحكم في الخلافات السياسية بين الفصائل المتناحرة ، وانها لا تدين أو تؤيد أي طرف بالرغم من ان الضحايا من طرف واحد ، وذلك ما انتهت إليه علاقات القوى الوطنية في صراعها على السلطة في صورته الفوتوغرافية الخالية من رتوش المتحزبين . وبانتقالة حادة ومفاجئة يجد القارئ نفسه خارج السياق الذي بُدئ به ، فمن بتول المهندسة المعمارية ، يتحول السرد إلى حميد البزاز ، ومن القصور الرئاسية ، إلى سوق البزازين (باعة الأقمشة) ، ومن مهنة هندسة الديكور ، إلى مهنة البزازة والخياطة ، ومن بغداد إلى البصرة . وحميد البزاز بدأ عهده بالمهنة التي منحته ثروته ولقبه منذ أن كان بائعاً جوالاً للأقمشة ، حتى أصبح بدأبه ومثابرته من أكابر التجار في السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الثانية .

ومع حميد البزاز تدخل دائرة السرد شخصية جديدة هي سنية ، زوج حميد البزاز الثانية ، وشقيقة زوجته الأولى التي اقترن بها بعد وفاتها ، فهي والحال هذه على قرابة من حميد من ناحيتين ، الأولى أسريّة كونها خالة ولديه أحمد وصادق ، والثانية مهنية ،  كونها خياطة ، وما بين الخياطة وتجارة الأقمشة علاقة الصانع بالمصنوع . وعلى هاتين القرابتين تلاقيا ، وتزوجا . وكما انتقل السرد إنتقالة حادة ومفاجئة من محكية نوال إلى محكية (حميد + سنية) إنتقل مرة أخرى إلى محكية جديدة تجمع ما بين ثلاث شخصيات نوعية دفعة واحدة في تعاقبة سردية تصاعدية تشبه المتوالية الحسابية التي اساسها رقم (1) بدات بشخصية واحدة (نوال) ، ثمّ ثنتين (حميد وسنية) ، ثمّ ثلاث (كريم وناصر وراضي) والأخيرون هم ثلاثة زملاء في القسم المسائي في ثانوية البصرة ، كريم وناصر منخرطون في قراءة الأدب ومتابعة النشاطات الثقافية ، وكثيراً ما تتردد على لسانيهما أسماء جديدة لشعراء وكتاب ومثقفين يملأون الساحة الثقافية بمنجزهم الإبداعي . أما راضي ، فلم يكن في البداية مثقفاً كزميليه ، لكنه كان سعيداً برفقته لهما ، وشغوفاً بمتابعة ما يدور بين صديقيه من حوارات ونقاشات في شؤون الأدب والثقافة بصورة عامة ، وكان الأوليان مثله سعيدين بصحبته لهما . وبالرغم من الإلتباسات الناجمة عن خلو الكثير من الأحداث العامة من التواريخ الرقمية ، إلا أن تجميع الصور الزمانية المتيسرة منذ بداية الرواية يضعنا امام تاريخ يمتد منذ بداية ثورة تموز 1958 حيث نوال وسفرها إلى باريس ، مروراً بمنتصف الخمسينيات ، حيث الأصدقاء الثلاثة الذين شاركوا مع انتفاضة البصريين – والعراقيين عموماً – ضد ما تتعرض له مصر من عدوان ، وضد موقف الحكومة السعيدية في بغداد من ذلك العدوان . ومن بين الثلاثة يستل الراوي زمن راضي من زمني زميليه ليعود به إلى الوراء بضع سنين يوم ورث عن أبيه قطعة أرض ، وكانت اسعار الأراضي والعقارات قد هبطت جراء بيع اليهود لأملاكهم ونزوح الكثير منهم إلى إسرائيل بعد صدور قانون إسقاط الجنسية العراقية عنهم . ولا يخفى على أحد إن ذلك القانون كان قد صدر عام 1950 . وبذلك تكون تلك الأحداث قد دارت في حدود ذلك العام ، ثم ليتقدم الراوي بزمن راضي خطوات اوسع إلى الأمام ليضعنا أمام مصرعه مشنوقاً في ساحة التحرير . وساحة التحرير لم تستخدم حسب علمنا في تاريخها كساحة إعدام إلا مرة واحدة في عام 1969 . وبالعموم فإن القرائن التي يمرّ عليها الراوي تلميحاً في أكثر الأحيان ، وتصريحاً في أقلها تشير إلى أن زمن راضي يمتدّ من بداية عقد الخمسينيات ، وحتى تاريخ إعدامه .

بدون تفاصيل

وبموت حميد المفاجئ ، والذي ختم – بدون اية تفصيلات – حياة مثابرة ، تكون مرويته قد تراجعت إلى منطقة الغياب لتعوض عنها وتحل مكانها مروية أخرى متصلة بها ومتممة لها هي مروية سنية زوجه الثانية الجميلة ، والشغوف بالبهجة والأضواء ، والتي ستستبدل في بغداد نسق حياتها ، بنسق آخر غريب على منبتها الإجتماعي وانتمائها الطبقي ، تاركة في البصرة كل ما يذكرها بماضيها وبانتمائها حتى إن كان ذلك ولدَي زوجها الميت من شقيقتها الميتة اللذين تركتهما في البصرة لجدتهما . وفي بغداد بدأت حياة جديدة ، فاشترت بيتاً فارهاً مطلاً على شاطئ دجلة من جهة الشرق اسمته الجنينة ، أعادت تصميمه بما يتلاءم وطموحاتها الكبيرة (ها أنا ذي سنية بنت الحاج صاحب في جُنينتي ، تعالي يا حياة . ص / 54) وفي بغداد تخترق حواجز الطبقة المخملية من المجتمع ، وتقبل عليها الحياة ساحبة معها إلى جنينتها أصنافاً من الرجال والعوائل من الأدباء والفنانين والصحفيين والمفكرين من نخبة البلد المثقفة ، مستثنية من مجلسها رجال الأعمال وأرباب المصالح والسياسيين . ومع انحسار دور حميد البزاز من المشهد ، نقص واحد من الشخصيتين اللتين دخلتا في متواية السرد التصاعدية مجتمعين ، ولكن هذا النقص تعوضه شخصية اخرى في ذات الموقع من المتوالية ، ومن صلب الرجل المنسحب من موقعه في المتوالية (حميد) ، إنها إبنته من سنية ، وإسمها ليلى التي تدللها أمها فتطلق عليها إسم (لولو) ، وهي لم تزل طالبة في المرحلة الثانوية ، فتاة خجول ، منعزلة ، لم تأخذ عن والدتها انفتاحها ، وحبها للهو ومد جسور التواصل مع طبقات المجتمع البغدادي المخملي . ومن الطبيعي ان يكون دور ليلى في احداث الرواية خجولاً كطبعها في الحياة ، إذ لم يتسع لأكثر من كونها بنت سنية ، وعدا ذلك لا يُسمع لها ذكرٌ ، ولا يتصل بها حدث . وتتشابك خطوط الأحداث في منسوجة تجمع في بغداد ما بين البصريَيَن (سنية + كريم) ، وكان كريم قد أفلح في إنبات أولى شجيرات موهبته الإبداعية ، وأصبح شاعراً ينشر قصائده في صحف العاصمة ، بينما أصبح صديقه ناصر نحاتاً يعرض منحوتاته في (كاليري لولو) الذي أنشأته سنية في شارع السعدون ببغداد لتعرض في جزء منه تصاميم أزيائها ، وتعرض في جزئه الآخر اعمال الفنانين التشكيليين لقاء تسهيلات كبيرة لتشجيع الباحثين منهم عن فرصة للبروز والذيوع ، مستعينة على تنفيذ مشروعها الثقافي الطموح بمستشارين من النقاد والصحفيين والفنانين . وفي حين وجد اثنان من الاصدقاء الثلاثة فرصتهما للخروج إلى الفضاء الثقافي ، كان ثالثهم (راضي) يقضي خدمته العسكرية الإلزامية في معسكر سعد في جلولاء . ومن الطريف إن الراوي حين يقف أمام هذه المرحلة من حياة راضي يستعرض ثمة أحداث رافقتها فإذا به يذكر الإسم الكامل للشاعر والباحث الراحل (زهير أحمد القيسي) ، دون أن يوضح طبيعة العلاقة بينه وبين راضي ، كل ما عرفناه أن زهير القيسي كان أيضاً في تلك الفترة من المتسرحين من الخريجين من الجيش ، وكان الدور الذي خصه به الراوي إنه كان يسجل ما يدونه زملاؤه الشعراء الشباب من خريجي الكليات – الذين تسرحوا معه ، ولم يجدوا فرصاً للعمل تتناسب مع اختصاصاتهم –  من أراجيز وأشعار . وفي أماكن أخرى من الرواية تظهر بأسمائها التي عُرفت بها شخصيات ثقافية وفنية واعلامية معروفة ، أبو كاطع (سياسي وإعلامي) ، فائق بطي وروفائيل بطي (إعلاميان) ، سامي عبد الحميد (مسرحي) ، إسماعيل الشيخلي وحافظ الدروبي (رسامان) ، بدر شاكر السياب وبلند الحيدري وحسين مردان ورشدي العامل ومظفر النواب (شعراء) مع ظهور إسم لميعة منفرداً ضمن النخبة ، ولعل المقصود به الشاعرة لميعة عباس عمارة ، إضافة إلى فريد الله ويردي (موسيقي) ، علي الشوك (كاتب) ، محمد غني حكمت (نحات) دون ان يكون لتلك الأسماء أثر في الأحداث ، بينما لبعضها الأخر دور سردي صغير لا يتعدى تأكيد علاقتها ببعض شخصيات الرواية . كما أتت الرواية على أحداث ثقافية حقيقية يعرفها ويتذكرها من عاش فترة الخمسينيات و الستينيات في بغداد ، مثل عرض مسرحية (أغنية التم) من قبل فرقة المسرح الحديث وما جرها عليها ذلك العرض من مشاكل مع سلطة الاعلام الرسمي ، وصدور مجموعة بدر شاكر السياب الشعرية (أساطير) بمقدمة لروفائيل بطي . وغيرها من الاحداث .

ويركز الراوي على دور ثالث الثلاثة (راضي محمود) ، فهو من أكثر الشخصيات حضوراً ، جمع بين العمل السياسي السري والعلني ، وتنقل في أكثر من موقع ، وأكثر من عمل ، واستفاد من خبرات وتجارب وثقافة الأخرين ، ليبني شخصية قوية ، وصانعة أحداث .

عاد راضي إلى البصرة بعد إتمام خدمته العسكرية الالزامية ،  وبعد أن كانت الحياة قد أنضجته ، ليبدأ مرحلة جديدة من نشاطه السياسي العلني بعد أن غادر العمل السري الذي بدأه منذ أن كان طالباً في الثانوية يُعِدّ ويُنظم ويُحرّض زملائه الطلبة على التظاهر ، فساهم في مرحلته العلنية في تأسيس عدد من النقابات العمالية ، ثم أصبح رئيساً لاتحاد النقابات العمالية ، ثم إعتقل من قبل السلطة التي ساندها هو ورفاقه . وفي المعتقل نقف على حوار دار بينه ، وبين معتقل آخر يتوضح منه سبب اعتقال راضي وانتمائه السياسي ، فإذا به شيوعي ، بل هو عنصر مبرز في الحزب الشيوعي الذي يبدو من نبرة الحوار بين المعتقلين وتصاعد حدّته إن الحزب قد ضيع البوصلة في حماة الصراعات السياسية المحتدمة ، وإنه لم يُحسن التعامل مع الظروف المتقلبة مما دفعه لاتخاذ قرارات لم تقنع حتى أعضائه بصحتها وجدواها أدت بالنتيجة إلى تراجعه عن موقع الصدارة في قيادة التحولات التاريخية تاركاً المكان لعناصر الردة بالاستقواء والاجتراء عليه ، وكان ذلك إيذاناً بالكارثة المحدقة التي حلت بحدوث الانقلاب . وحين حدث الانقلاب كان راضي لم يزل معتقلاً ، فأنقذه هذا الاعتقال من التصفيات الجسدية التي أوقعها الانقلابيون بمعارضيهم (لقد أنقذني التوقيف من المصير الذي حلّ برفاقي ، حين كانت ماكنة الموت تأكلهم ، كل ما مرّ بنا أننا نقلنا من موقف إلى آخر ، ونسونا هناك . ص / 138) ومن السجن خرج راضي ليعمل في معمل للبلاستيك في بغداد ، ثم ليعود إلى البصرة ، ويدير المحل الصغير الذي ورثه عن أبيه موزعاً لمنتجات معمل البلاستيك الذي سبق أن عمل به في بغداد ، إضافة إلى مبيعات القرطاسية التي جعلت محله موئلاً للفنانين والطلبة . وفي هذا المحل يُعتقل صديقه مطشر حواس الذي رافقه من معمل البلاستيك في بغداد على خلفية الانشقاق الذي عصف داخل الحزب الشيوعي ما بين المحافظين والداعين إلى الكفاح المسلح . ومطشر حواس شخصية تاريخية ، لها دورها المؤثر بالرغم من قِصره في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي (1) ، إستلها الكاتب من التاريخ ليوظفها في السرد ، كما وظف شخصيات تاريخية أخرى سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية أتينا على ذكر بعضها ، ولعل الكاتب رمى من وراء ذلك إلى رفع الحاجز ما بين المتخيل والحقيقي ، وما بين الرواية والتاريخ ، وجعل الحركة سالكة ما بين تلك المناطق سواء للقاريء أو للشخصيات ، وتحديداً فيما يتعلق بثلاث من تلك الشخصيات ، ألأولى هو (زهير أحمد القيسي) وقد أشرنا إليه سابقاً ، والثاني (مطشر حواس) وهما  معروفان بدوريهما التاريخيين ، وقد تكفل الراوي بتعريفنا بدوريهما السرديين . أما الشخصية الثالثة فهي شخصية التاجر (شفيق عدس) التي وردت الإشارة إليها في محكية حميد البزاز (ص / 30) بأنه اشترى مخلفات الحرب وشحنها إلى إسرائيل ، وكان ذلك سبباً في إعدامه . وقد تطابق ما ورد عن شفيق عدس في المدونات التاريخية مع دوره السردي بالرغم من قصر ذاك الأخير الذي لم يتعدّ بضعة أسطر ، ولا بأس أن نسجل بعض ما ورد عن هذه الشخصية في المدونات التاريخية لإضاءة بعض جوانب النص ، فهو (تاجر يهودي من أصول سورية ، هاجر إلى العراق واستقر في البصرة ، أتهم بشراء مخلفات الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية وإرسالها إلى إسرائيل عن طريق إيطاليا ، وقد حاكمته محكمة عسكرية خلال حكم رئيس الوزراء مزاحم الباجَجي وأصدرت عليه حكماً بالإعدام ، ونفذ الحكم يوم 23 أيلول 1947 في الساحة المقابلة لداره في البصرة (2) . وفجأة ، وبدون سابق إنذار يختم الراوي حياة راضي الزاخرة بالاحداث التراجيدية العاصفة بسطرين صاعقين جاءا في معرض الحديث عن كرين ، وقد ختم الحديث بهما عن تداعيات الازمة الروحية التي عصفت بكريم بعد شيوع طاعون الكذب والدجل والنفاق في مرافق الاعلام الذي يعمل فيه وهو يشهد زملاءه الصحفيين يلفقون التصريحات الكاذبة على ألسنة المعارضين السياسيين الذين يُساقون للاعدام . وبالرغم من اتصال الحديث كلياً بكريم إلا أن اللافت في السطرين الصاعقين أنه لا علاقة لهما به ، ولا بالصحافة ، بل بواحد من المعارضين السياسيين الذين سيساقون للاعدام ، والذين تلفق عنهم الصحافة تصريحات كاذبة ، إنه راضي صديق كريم ورفيق فتوته وإبن مدينته وزميل دراسته (كان صديقه الحميم راضي محمود من جملة من عُلقوا في ساحة التحرير في ذلك اليوم الأسود . ص / 145) .

تطورات الحياة

نعود إلى الوراء لنتابع التطورات في حياة كريم في بغداد بعد صدور قرار من الحكومة يلزم العزاب بإخلاء الشقق التي يسكنونها (خوفاً من تحول شقق العزاب إلى أوكار لمعارضيهم . ص / 130) لقد كان هذا القرار هو المحرك الخارجي الذي ساهم في تنشيط علاقة الحب المؤجل بين كريم وسنية ، فأحسنت استثماره لتنفيذ مشروعها العاطفي الذي لطالما خططت له . ففتحت أبواب بيتها الكبير لكريم بعد أن اضطر لإلغاء عقد إيجار شقته ، وتسديد ما عليه من ديون لصاحبها . لقد ضمن وجود كريم في بيت سنية ما كانت تفتقده من توازن عاطفي وروحي ، وبدد إحساسها بالوحدة التي تعانيها بالرغم مما يحيط بها من الرجال ، وصار الشاب الوسيم (يزرع في حقول جسدهاً أزاهير تخلف رائحة لا بدّ أن تكون هي رائحة الجنة . ص / 148) ولكن علاقة سنية بكريم تفتر لأسباب لم يبسطها الراوي ، بيد أن ثمة إشارات في مونولوج يتسم بجلد الذات تواجه فيه سنية أخطائها وتكشف انها ربما كانت السبب في ذلك الفتور (كريم غادر بفضل حماقاتي . ص / 149) و (أتساءل الأن : أهذا كل ما هناك ؟ أم ان خطوط غيرتي ولجاجتي هي التي حملته على مباعدة اللقاءات . ص / 150) ويعود كريم إلى جذوره في البصرة زاهداً بعلاقته ليس مع سنية التي وهبته كنز جسدها فحسب ، بل مع بتول أيضاً التي ظلت تنتظر منه أن يبادر بالخطوة الأولى للتقدم باتجاهها .

إن تارجح كريم جغرافياً ما بين مكانين (بغداد / البصرة) بشكل دائم ولافت هو انعكاس لحالة التأرجح وعدم الاستقرار اللتين كان يعانيهما عاطفياً وفكرياً . وإذا كانت البصرة في ثنائية التأرجح تلك تشكل الملاذ الآمن ، والحاضنة التي تمنح روحه المضطربة الإستقرار ، فبغداد على النقيض منها هي عاصمة التناقضات والاحباطات ، يذهب للبصرة ليجد فيها الملاذ الحميم ، ثم يكمل شوط أرجحته بمجيئه إلى بغداد ليقدّم فيها على مذبح الخسارات أضحية غالية أخرى ، وما عودته الأخيرة – مع قرب انتهاء الرواية إلى بغداد – إلا استسلام لسطوة الفشل وإقرار ضمني بالخيبة بعد الخسارات التي أحاقت بكل أبطال الرواية دون استثناء ، وبعد ان خــسر هو بالتحديد كل شيء :

–           خسر الحب المضمون (سنية) ، أما الحب المحتمل (بتول) فمصيره مرجأ إلى السطور الأخيرة من الرواية .

–           خسر الأصدقاء ، ناصر الذي ضاعت أخباره ، وراضي الذي أعدم.

–           خسر الثقة بالمهنة التي أحبها (الصحافة) بعد أن اكتسحها الزيف .

–           خسر إستقلاليته مع خسرانه للسكن المستقل في شقته

–           خسر الحميمية مع خسارته للسكن المشترك مع سنية

–           خسر البصرة (لم تعد كعهدي بها ، حتى الأصدقاء تشتتوا وفرّقتهم المواقف السياسية ، كنت بمعنى ما غريباً فيها . ص / 157)

–           ومن الطبيعي ان يخسر بغداد أيضاً (حتى هنا في بغداد تفرقت بنا السبل ، وتقلصت لقاءاتنا ، وصرنا أكثر احترازاً ، الأجواء خانقة ومتوترة ، ونحن لم نتعود على هذا الحصار ، ولا ندري كيف يجب أن نتصرّف . ص / 158)

وبذلك لم يبق له خارج سجل الخسائر سوى بتول . لكن كريم يُنهي المقطع النصي الأخير من الرواية بحوار جرى بعد عودته الأخيرة إلى بغداد ما بينه وبين لميعة تؤنبه فيه على تفريطه بحب صديقتها بتول ، والغريب في هذا الحوار هو بدايته التي تحوّل فيها كريم إلى راو مشارك في عرض حواريّ ختاميّ قصير إنتهى بإنزال الستار نهائياً على احتمالات تطوير أية علاقة مفترضة ما بينه وبين بتول ، لتكون تلك خسارته الثامنة والأخيرة .

– منشورات الجمل – ألطبــــعة غير مؤرخة

(1) الوجدان – فائق بطي – دار المدى – دمشق . والكتاب منشور على الموقع الألكتروني almadapaper. net

(2) أنظر موقع

 www.Khanghan.com ومـــــــــوقع

Arabil-kol in arabic

مشاركة