ما بين الجمال والحضارة، هذه أنا

722

 

دلال بشار

دلال بشار

أن يولد الإنسان في مدينة وينتمي لها، هو أمر بديهي أيضاً أن يكون ملكا لها، والدماء التي تجري في عروقه تكون جزءا من أنهارها. ولدت في مدينة يقال أنها تاريخ للحضارة وأيقونة للعلم.. وكبرت في مدينة يتغزل الشعراء بجمالها، ما بين نينوى وحلب هذه أنا.

لا تزال رائحة الياسمين تنتشر في أرجاء عقلي كأنها أخذت حيزا من رفوف الذاكرة لتذكرني ببساطة شكلها وعمق جمالها. الورود البيضاء، كنت أراها كل صباح ومساء، لا تزال تشكل رابطا ما بيني والحياة. فالجمال المعقد بطريقة ساحرة، لا تزال عيني تراه في كل لحظة أعيشها..

حلب سنوات الطفولة والمشاكسة وأروع الأيام، المدينة البسيطة بجمالها دوخت الشعراء وجعلتهم يتفننون بها ويكتبون أروع الكلمات في وصفها، فتحت عيوني على شيء لم اكن أعرفه وبدأت أكبر وأكتشف تاريخ هذا الجمال وروعته، لم يخطئ نزار قباني عندما وصف حلب قائلا: كل دروب الحب توصل إلى حلب.. ذلك أن الحب يجري مع سواقيها معطرا بالياسمين والقهوة.

لم تشعرني حلب  يوما أن دمي غريبا عنها بل كانت شجرة تحتضن ثمارها خشية  فقدانهم. علمتني معنى الجمال وكيف يكون الإنسان أنيقا بقطعة قماش بسيطة..

حلب جعلتني أعيش الفرح الذي كان مفقودا في مدينتي، لا زلت أتذكر تلك البسمة التي رسمتها على وجهي فأراها كلما نظرت في المرآة.. هي مدينة تبتسم وتجعل كل مَن يسكنها يبتسم دون وعي منه.

أما نينوى التي نفخت من دمائها في جسدي وأعطتني صفحة من حضارتها فقد كانت معي في حلب وفي كل مكان أذهب إليه.. دجلة الذي يجري داخل الروح أراه منعكسا كلما نظرت داخلي وكأنه يد ثالثة وقدم استند اليه.

كثير هم الشعراء الذين تغزلوا بها كما تغزل كثيرون بحلب, معد الجبوري قال فيها:

يا وردة القلب, تندي وهي صادية …. ويا صدى كلماتي وهي تكتبني

في كل منعطف, لي منك بحر هوى …. تجري بما تشتهي في لجّه سفني

باق ولا ظلّ لي إلا هواك …. وما سواك للجرح, من حضن ومحتضن

بحر من التاريخ على شاطئه ولدت نينوى, كيف يمكن للزمان أن يمحوها؟!

وبحر من الجمال فكيف يمكن للسلاح أن يغتاله؟!

ما بين هاتين المدينتين ولدت وكبرت وبقيت هكذا معلقة على غصنَي الحضارة والجمال.

 

 

 

 

مشاركة