ما بعد كارثة الموصل ؟ – مقالات – معتصم السنوي

ما بعد كارثة الموصل ؟ – مقالات – معتصم السنوي

نقلت وكالات الأنباء إعدام وزير دفاع كوريا الشمالية لأنه (غفا) للحظات أثناء الاستعراض العسكري الذي كان يحضره الرئيس الكوري (كيم)! وليس لخيانته وطنه أو عمالته لدولة أجنبية أو هرب من معركة، والغفوة لا تعدُ جرماً يستحق أدنى درجات العقاب في معظم بلدان العالم، بل هناك من يأخذ راحته التامة ليستغرق في (النوم والشخير) أثناء جلسات مجلس الوزراء والنواب وكأطفال رياض الأطفال يدخلون ويخرجون من القاعة المخصصة لهم من دون استئذان وقتما شاءوا وكأنهم في بيوتهم، وقد سمعنا أن بعض القادة العسكريين في الحرب الإيرانية تم أسرهم وهم في مضاجعهم بالملابس الداخلية..! ويبدو أن هذه الظاهرة ما زالت سارية (المفعول) لدى بعض الذين فرضوا على المؤسسة العسكرية التي يمتد تاريخها العريق والمشرف لأكثر من نصف قرن ومن أوائل الجيوش التي تشكلت في المنطقة العربية في العشرينات من القرن الماضي!! وما حصل لهذا الجيش الذي كان يعد قولاً وفعلاً (سوراً للوطن وحامياً للشعب) من جراء قيادته من قبل (المسؤولين الفاشلين) في الحربين الإيرانية واحتلال الكويت ومن يومها أصبحت المؤسسة العسكرية تشعر بالذل والمهانة لدرجة أن البعض منهم كان يبعد عنه ارتباطه بالمؤسسة التي كانت موضع تقدير وفخر حتى من الرتب العسكرية المتدنّية أو  الجندي المكلف أو المتطوع!

وفي زمن ما بعد عام 2003 يحصل العجب العجاب بعد أن تمّ حلها وإعادة تشكيلها على أسس طائفية وعرقية ودينية لتحول إلى (مليشيات) بملابس (خاكية) بعد أن تمّ أستبعاد القيادات العسكرية الكفوءة والنزيهة ليستعاض عنهم بعناصر بعيدة عن أبسط المفاهيم والقواهد العسكرية التي تُعد من أساسيات التشكيلات من ضبط والتزام ومؤهلات علمية وفنية وتدريبية! لهذا لا تستغرب الجماهير تكرار (السيناريو الموصلي) في الرمادي فرار وتخاذل القوات المسلحة والأمنية أمام (فئران داعش) كما يصفها بعض السياسيين أصحاب الياخات البيض الذين ينتقلون بالمصفحات حتى داخل المنطقة الخضراء ونقل سكن عوائلهم في الدول المجاورة أو أوربا! ولإبعاد المسؤولية عن المسؤولين الذين يملكون الفرار التنفيذي والعسكري هناك من يروج في الإعلام والقنوات الفضائية المحلية ليحسن الوجه القبيح (للفرار) ليقول: أن فرار الموصل (المارثوني) لم يكن عن  (جبن) أو (تخاذل) من جانب القوات وإنما تكمن وراءه أوامر صدرت إلى القوات بالأنسحاب السريع والخفيف. أي من دون المعدات والآليات الحربية والذخائر، ليستحوذ عليها (داعش) ويوسّع بها نطاق عدوانه واحتلاله لنحو ثلث مساحة البلاد والعباد!! وقد تضاربت المعلومات بشأن من أعطى أوامر الأنسحاب المغزي والكارثي، وضاعت المسؤولية كما تضيع (الأبرة) في جبل من القش! بل أن بعض السياسيين أعتبر (الفرار) من الموصل كان نتيجة (مؤامرة) ليخلط الأوراق وتضارب كبير في المعلومات بشأن الجهات الضالعة في (المؤامرة) المزعومة! داخلية وخارجية! وقد ذكر وزير الدفاع خالد العبيدي في جلسة حوارية مع رؤساء تحرير الصحف والقنوات الفضائية أن تصريحات بعض السياسيين والنواب خدمت داعش بشكل تعجز داعش عن أن تقدمه لنفسها وربما تلك (الخدمات) تقدم عن طريق الخطأ وبدافع حسن النية ومنها الأحداثيات العسكرية والكشف عن التحركات والخطط في المعارك التي يتم التطرق لها في وسائل الإعلام وتتلقفها داعش وتستفيد منها..

وللخروج من المأزق والتكهنات والتلفيقات والغموض الذي نشره البعض لإحفاء (المسؤولية) وإبعاد المؤامرة عن من لا ندري؟ ليصار إلى قيام البرلمان بتشكيل لجنة للتحقيق في الأمر، لكن هذه اللجنة ورغم مرور فترة ليست قصيرة (تضرب الأخماس في الأسداس) وتحاول رفع (الحجاب) عن المخفي، لم تنجز مهمتها حتى الآن، وثمة شكوك عميقة من رجل الشارع الذي على ما يبدو يعرف الحقيقة أكثر من اللجنة من عدم إمكانية اللجنة التوصل إلى الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار! أو أن تعلن الحقيقة المرّة من دون تعديل وتبديل وتحريف في الوقائع والنتائج كما حصل في معظم اللجان التي شكلت وأصبحت في خبر كان ونسياً منسياً! وقد كانت لي (وقفة) مع اللجان التي تشكل في العراق بمقال نشر في عام 2012 بعنوان (كثرت اللجان وقلة الفعال) وخلاصته إذا أرادات الحكومة ومؤسساتها أن تخفي الحقيقة وعدم كشف المستور عن قضية ما تقوم بتأليف لجنة من أشخاص تعتمد عليهم في (طمس) الحقيقة، وبالتالي يسدل الستار عن المسرحية الساخرة عن الناس الذين لحق بهم الظلم!

ما حدث في الرمادي أخيراً، وهو صورة واضحة وبالألوان لما حصل في الموصل وتأخير وقت المساءلة والمحاسبة لا يصب في مصلحة الوطن والضحايا الذين أصبحوا مشردين في وطنهم في الخيام والعراء ليبلغ عددهم الثلاثة ملايين والحبل على الجرار! ليست الحكومة ومجلس النواب يتحملان المسؤولية فحسب، بل الكتل المتنفذة كافة التي تشارك في (المطبخ الحكومي) وبمختلف مؤسسات الدولة والحكومة ولا مناص ولا خلاص لها إلا بمساءلة ومحاسبة من وقف وراء (فرار) القوات في الموصل وفي الرمادي وسواهما حتى تتكرر المأساة والكوارث على شعب أصبح الألم ينخر في عظامه والجوع يمزق أمعائه، والمذّلة تسود حياته ولصبر الناس المتألمة حدود وهي قاب قوسين أو أدنى! ونذكّر الذين أصابهم الغرور بعد أن جلسوا على (الكرسي المسحور) بالآية الكريمة ?مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ? [فاطر: 10]. والعاقبة لمن خدم شعبه بإخلاص ووضع الوطن تاجاً على رأسه، وعرف قدر نفسه!.