ما الذي فعله محمد خضير بديكارت..؟

331

ما الذي فعله محمد خضير بديكارت..؟
البيئة لن تصنع القاص أو تميّز صوته
نوزاد حسن
سيقول القاريء بلا شك ما علاقة القاص محمد خضير بفيلسوف عقلاني مثل ديكارت.لكن تساؤل القاريء سيكون كما اعتقد تساؤلا مشروعا اذ لا علاقة ظاهرية تربط بين القاص العراقي والفيلسوف الفرنسي الشهير.
لا أريد أن أخوض في الحديث عن مقارنات تشحن عقل القاريء بالفرق بين كاتبنا وفيلسوف الشك الاكبر وتدفعه الي التاثر باني اجيد صياغة عناوين لافتة.هذا شيء يسرق من النص متعته المنهجية.وهذه المتعة اشبه ما تكون بحق انساني لا بد ان يصان.ولعلي اريد ان اكتب انطلاقا من حدود هذه البهجة.لذا لا اكتفي بقولي ان متعتي المنهجية فرح عقلي هذا وصف عتيق بل اريد القول ان المتعة التي اقصدها هي شعور يكونه خيال يقوم برسم الحدود بين ديكارت ومحمد خضير.ولا ابالغ لو قلت ان الخيال يقوم ببيان حالة من التنافر بين الرجلين كما لو ان احدهما كتب مناقضا الاخر في سجال ثقافي حدث رغم الفارق الزمني الكبير بينهما.
ديكارت صاحب اشهر جملة فلسفية علي الاطلاق.من منا لم يسمع صرخته الهادرة:انا افكر اذن انا موجود.ورغم كل ما قالته المذاهب الفلسفية وفعلته لمناقشة او تفنيد هذه الصرخة فقد ظل ديكارت حيا في جملته.وانا لا انكر اني لسنين طويلة كنت الوم نفسي علي عدم قراءته.كنت اشعر بادانة من نوع غريب لاني اتجاهل ذلك الفيلسوف.وحين قرات كتابه التاملات في الفلسفة الاولي ادركت كل ما قاله ذلك الرجل عن العقل.
في الجانب المقابل كان محمد خضير اكثر القصاصين غير المفهومين في ادبنا.لم ينصف الرجل لان النقد كان متاثرا بمنهجية تفرض عليه ان يفهم النصوص بطريقة معينة.وما زاد من خيبة املي ان تقرا لشجاع العاني مثلا رايا يحاول فيه ان يجعل من القاص شخصا خلقته البيئة الاجتماعية ومنحته صوته القصصي المميز.يقول:ان هموم القاص محمد خضير هي هموم نفسية تنجم عن التغير والتحول الاجتماعي»في ادبنا القصصي المعاصر ــ شجاع العاني دار الشؤون ص168«.وعلي الرغم من اني لا انكر دور التحولات الاجتماعية في الادب الا اني لا اجد الحقيقة التي ابحث عنها في هذا التفسير السريع الغامض.ان القاص اكبر من هذا التوصيف لكن النقد يخلط احيانا بين حد العقل وحد الخيال واحيانا يكتب بروح التصور الباردة فيقتل نص المبدع حتي لو كان هذا المبدع محمد خضير.
للنقد دور ألخصه في هذه الكلمات:لا بد ان يحد الخيال من سيطرة العقل.بمعني كيف يمكن ان نكشف في كل نص عن تحرير العالم من قبضة العقل ومن قبضة التصور.لكن ما هو صادم ان نري النقد يستخدم التصور في الحكم النقدي وهنا نجد انفسنا بعيدين عن مهمة النقد الحقيقية في اضاءة النص والتاسيس لخيال يعيد للعالم جماله وحريته.
ديكارت يعشق العقل وكتابه المنظم الصارم التاملات يخدر ذوق القاريء ويصعد به درجة درجة الي اعلي للوصول الي ذروة عقلية.انه يكتب بطريقة سلسة لكنه يريد ان يسد ابواب الاسئلة لدي قارئه.لذلك هو يفترض ان شيطانا يلقنه بعض الافكار لكن فيلسوف الشك يعرف كيف يجد لنفسه مخرجا.في التاملات يبدو عقل ديكارت مرنا نشيطا دافئا لدرجة انه يقنعنا ان العقل حقا هو نعمة لا تقدر بثمن.ان تصميم ذلك الكتاب الساحر وبنائه الفلسفي يحتاج لوقفة ودراسة نقدية توضح قوة وصية ديكارت التي اشك في ان خلفاؤه من بعده حافظوا عليها.في حقيقة الامر استطيع الجزم ان العالم اليوم لم يعد ذلك العالم الذي كتب فيه ديكارت كتبه الفلسفية والتي بث فيها يقينه القوي من ان الانسان سيسيطر علي الطبيعة وان العالم سيبدو افضل حالا.
في عالم ديكارت فوضي.في عالمه تحسب الاشياء وكأنها خالدة.ولا اعتقد ان احدا منا يقول ان هناك ما يثبت او يؤكد قول ديكارت من ان العقل توزع علي البشر بصورة متساوية.هذه بدعة فلسفية لو جاز القول.ولكني اعتقد ان القاريء يريد الان لمس ما فعله القاص العراقي بفيلسوف الشك،او علي الاقل ان يري امكانية ان يكون النقد كاشفا لسيطرة العقل.وبالتالي يجعلنا نشعر بعالم يعشق المنفعة ولا يؤمن بقوة الخلق التي يشكلها الخيال في مقابل عالم مهتريء عقلي تدمره امراض عديدة.
اذن لاقرر الحقيقة التي قلتها سابقا وهي محمد خضير كتب باسلوب حير النقاد وقد ضربت مثلا لذلك.وهذا الاسلوب الذي ما زال بكرا ولم يفهم جيدا بسبب ضيق النظرة واعتقاد النقاد ان الشاعر هو من يجب ان يدرك خراب العالم وليس هم.وهكذا ظل القاص العراقي ظاهرة منفردة كما راي محسن جاسم الموسوي.ان هذا الموقف النقدي الغريب الذي حيرني طويلا يشبه قرار نفي قذف بالقاص الي عالم اخر بعيد عنا تماما.
اريد ان ادفع القاريء الي قراءة مقدمة كتاب ديكارت التاملات في الفلسفة الاولي.ماذا سيجد..؟سيجد ان الفيلسوف يريد اقناع رجال الدين ــ وهو وجه الكتاب لهم ــ باحقية التفلسف.هو يستخدم حججه المنطقية لاثبات وجود الله والنفس.ويريد ان يستدر عطفهم لقراءة ما كتب.يخاطبهم قائلا:ايها السادة مهما يكن في الحجج التي اسوقها من قوة فلست امل نظرا لانتسابها الي الفلسفة ان يكون لها اثر كبير علي الاذهان اذا لم تشملوها برعايتكم.»التاملات ــ ديكارت ص45«هذه الجملة خطيرة جدا.انها جملة تريد ان تتفادي مصير غاليلو او كوبرنيكوس.المهم ان مقدمة ديكارت نشاط عقلي لاثبات ان كتابه يريد اثبات وجود الله وخلود النفس ولا افضل من الفلسفة لفعل ذلك.ان مقدمته قصيرة لكنها مشرقة وحذرة.وهي تثبت لنا اذا تاملناها جيدا انها افراز عقلي صمغي ولد في شكل كلمات.ما يهمني الان هو ان تلك المقدمة كشفت عن اهم انفعال من انفعالات العقل.ما هو ذلك الانفعال او بعبارة اخري:ما هي وظيفة العقل الاولي..؟اقول انها مواجهة ما هو غامض.نعم العقل لا يواجه وضوح العالم لان هذه ليست وظيفته انه يواجه غموض العالم وهذه هي منطقته.وهل هناك ما هو اكثر غموضا من الله والنفس كمشكلتين شغلتا الفلسفة والدين طويلا.اذن كتب ديكارت نصا عقليا يفيض بالهدوء والحجج التي تستعطف رجال الدين.وفي هذه المقدمة ايضا نلمس كما لو كنا نلمس حريرا اسود ان ديكارت صاغ وللابد شكل مقدمات الكتب التي ستكتب بعده.ياله من بارع وذكي.ويبدو اننا نخطيء في حكمنا عليه انه صاحب اجمل قول فلسفي لكنه صاحب ارشق مقدمة كذلك. حتي هذه اللحظة سيقول القاريء ما الذي فعله محمد خضير بديكارت.ساقول فعل الكثير.لكن كيف يمكن ان اتحدث عن القاص الكبير في مقال يكتب لجريدة.انا في واقع الامر احتاج الي دراسة مطولة وساعيد ما قلته في مقال سابق من اني ساكون زنديقا لو لم اكتب ما يدور براسي عن هذا المبدع.لو طلبت من القاريء ان يقرا مقدمة المجموعة القصصية »في درجة 45مئوي« ماذا سيكتشف القاريء..؟لن يجد شيئا اذا لم يعد قراءة المقدمة ثلاث مرات وبهدوء.واذا تذكر القاريء وظيفة العقل التي حددتها بمواجهة العقل لغموض العالم فسيشعر انه يقرا نصا يخلق فضاء مناقضا لفضاء مقدمة ديكارت الضيق.سيشعر القاريء انه اكثر تحررا من لعبة المنطق والمنفعة.في مقدمة محمد خضير تلعب التفاصيل التافهة دور الحجج عند ديكارت.لكن ماذا اراد القاص العراقي ان يثبت..؟لم يرد اثبات شيئا غامضا بل اراد ان يكشف عن شكل هذا العالم برمته.بمعني ان مقدمة محمد خضير شكلها خيال يختلف جذريا عن عقل ديكارت ذلك لان وظيفة الخيال هي مواجهة وضوح العالم والكشف عن انه هش وسريع الزوال.
في المقدمة يتحدث القاص عن بعض قصص المجموعة ومناسباتها.يتحدث عن غرفته،يتحدث عن اخوته في مدن اخري بعيدة وعن اماكن زارها في العراق وهي اماكن غاية في البساطة والعمران.ان الخيال في هذه المقدمة يحاصر برد الحجة المنطقية وهدف العقل ليحل محلهما ما هو شعري وعابر وما لا ننتبه له.في مقدمة محمد خضير ينفتح الخطاب او اللغة القصصية علي جهات العالم الاربع مكسرا الغاية المحدودة للعقل.في مقدمة القاص العراقي يحاصر العقل باسيجة الخيال،ويبدو العالم من حولنا جديدا لكنه لم يكتسب اية هوية اخري غير هويته التي تثير الخيال والتي اصفها بكلمة واحدة:انه قابل للكسر.هذه الهوية او هذه الحقيقة الجارحة لا وجود لها عند ديكارت لان يقينه العنيد بعقله الكوني لو جاز القول لا ينتهي ما لم يكن التخيل الاداة التي تشعرنا ان العالم والانسان اعقد مما نتوقع.وعند فهمنا لهذه الاشياء بهذه الطريقة سيكون النص القصصي كاشفا للضيق والمنفعة والخطا الجمالي ايضا.لقد كان القاص محمد خضير يناظر ديكارت بلغة اخري لغة نبعت من هذا العالم ومن تصميمه المحير.
ديكارت صاحب اشهر جملة فلسفية علي الاطلاق.من منا لم يسمع صرخته الهادرة:انا افكر اذن انا موجود.ورغم كل ما قالته المذاهب الفلسفية وفعلته لمناقشة او تفنيد هذه الصرخة فقد ظل ديكارت حيا في جملته.وانا لا انكر اني لسنين طويلة كنت الوم نفسي علي عدم قراءته.كنت اشعر بادانة من نوع غريب لاني اتجاهل ذلك الفيلسوف.وحين قرات كتابه التاملات في الفلسفة الاولي ادركت كل ما قاله ذلك الرجل عن العقل.
/2/2012 Issue 4127 – Date 20- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4127 – التاريخ 20/2/2012
AZP09

مشاركة