مالك المقبرة لكريم صبيح

501

مالك المقبرة لكريم صبيح

القصص جنس أدبي متميز

نجاح هادي كبة

مالك المقبرة قصص قصيرة جداً للقاص والكاتب كريم صبح صادرة عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع/ القاهرة عام 2019 بلغت 40 قصة وتشكل عنواناتها مجموعة من العلاقات والدلالات التي تسبق سرد ولا يكتمل القص الا بها مثل :أعزب /حفار/ أنصاف / باب / الفرار، في قصة الفرار نلاحظ ان العنوان دال لمقصدية المدلول ( القصة ) فبائعة الهوى اخبرت الخمسيني أنها (اعادت اليه نقود متعته … لأنها سئمت بيع جسدها … وستفر من جسدها هذا بعيداً الى جزيرة من جزر اليابان … عندما هبطت طائرتها في مطار أثينا بعد إسبوع … راح يحدثها عن الوطن الذي فرَّ منه ) ص:40, القاص يأخذ بالحسبان مميزات القص القصير جداً كالتكثيف والابتعاد عن الحشد الوصفي والحدث نا ٍم في قصصه إلا أنه محدد بأحداث قليلة لذلك جاء الصراع فيها محدوداً ما جعل لقصصه استقلالية متميزة عن القصة القصيرة , قصصه تقع ضمن مقياس الطول للقصص القصيرة جداً بحيث يبلغ طول قصصه أقل من صفحة واحدة ولا يزيد على صفحتين إلا نادراً وهو ما ذهب اليه إبراهيم فتحي في معجمه ( حين عرَّفها بأنها قطعة مختصرة من النثر القصصي تكثيفاً من القصة القصيرة ويتراوح طولها احياناً بين 500 و 1500 كلمة ) ( القصة القصيرة جداً في العراق، إعداد وتقديم هيثم بهنام بردى، دار الشؤون، بغداد، ص: 57) إلا ان ما يميز قصصه الايماء والتلميح والرمزية فلقصصه مقصد تداولي يخضع للتأويل واغلب موضوعاته تجاوزت مرحلة الثلاثينات عند رائد القصة القصيرة جداً يوئيل رسام ورديفه عبد المجيد لطفي فيما بعد ولا سيما في اصداء الزمن ومضامين قصصه المعرفية تتشظى الى افكار وجوديه، كما عند سارتر وكامو او واقعية تلامس حياتنا اليومية متبعاً فيها نمط القصص القصيرة جداً ما بعد جيل الستينات والسبعينات والثمانيات والتسعينات، وقصصه تتبع من دواخل نفسه وغير مفروضة عليه من الخارج تعالج مشكلات الانسان في عصر التقدم العلمي والتقني وتنتهي قصصه بخاتمة مدهشة أو واخزة وان تعدى بعضها الحروفية الى معان أوسع رحيبه وجاء في قصة الشبيه ( وقفت سمراء عشرينية على مقربة تتفرج على أربعيني، ضربت الأخماس بالأسداس أوقعتهم ارضاً … أخرجت نقالها من حقيبتها على عجالة، التقطت صورة لي، تعدى غروري كبد السماء، الم اقل لكم هي واحدة من معجباتي؟ … اقتربت مني اكثر أرتني الصورة، ادهشني ان الصورة هي لوجهي فقط، قالت كم هو كبير الشبه بينك وبين ابي رحمه الله، طبعت قبلة على خدي ومضت، وتركتني أراقب نزولي من عليائي بانكسار ) ص : 18. ومع ان الموضوع غير مستحدث لكن القاص استطاع ان يصوره عن طريق التضمينات الآتية ( أخرجت نقالها من حقيبتها ) ( ألم أقل لكم واحدة من معجباتي؟) والمفارقة المدهشة بين ( تعدّي غروري كبد السماء ) والخاتمة الإنسيابية الواخزة ( وتركتني أراقب نزولي من عليائي بانكسار ) وبعض قصصه تنتمي الى المدرسة الطبيعية عند اميل زولا فهو يعرض المضامين وان خالفت العرف السائد، جاء في قصة انتصاب (استغرق تحضيرات الخطاب العتيد اسبوعاً كاملاً . والرئيس حفظ حركات كل عضو في جسده عند كل فقرة من الخطاب سوى عضوه الأكثر حساسية المحاط بالسرية، فقد القدرة على الحركة منذ اصابته بمرض العصر. وما لا يقل عن (20) فضائية استلمت (300) ألف دولار في مقابل بث مدته ربع ساعة، انهمكت في عرض الخطاب أخلت بالعقد عند وقفها المفاجئ لبث حركات الرئيس المسرحية وانهماكها بنقل وقائع مؤتمر صحفي لعالم ابتكر دواء يعالج داء الانتصاب الدائم . الرئيس نفسه ألقى بأوراق الخطاب … تعبيراً عن فرحة الدواء الجديد، أعلن مكتبه الصحفي ان المبالغ منحة لا تزد اسهاماً في دعم الإعلام الحر المحايد ) ص: 15 ولابد من الاشارة الى اهتمام القاص بالمضمون وما فيه من أحداث وحوار وصراع محدود للوصول الى الضربة المدهشة التي اتقنها القاص في قصصه كلها الا ان شكل اسلوبه يطغى عليه الاسلوب الجمالي وبعضه الشاعري كما في قصة باب : ( بكت عندما وجدته يغلق عليها فؤاده.

باب سري

والانسان يبكي فرحاً وحزناً، بكت عندما اكتشفت باباً سرياً لقلبه، والانسان يبكي اذا كان الباب موارباً ، للخيانة طعم الخنجر نافذا حد النصل نهض من مكانه مثل الملدوغ وقد روعته نهاية الفلم قبل سويعات من مسائه هذا؛ كاد يرتكب الخطيئة نفسها ) ص : 17, ويستعمل القاص الايحاء والتلميح والاسلوب التداولي جاء في قصة أنصاف : ( قادني زبانية الدنيا الى مصير خلته مجهولا مثل الليل الذي داهمنا ونحن ندخل مدينة غير فاضلة. قالوا : حان أجلك فاختر أنصافك مما تراه أمامك أشاور الى نصف امراة ونصف كفن ونصف قبر. امسكت بعد جهد ضحكة هستيرية وهم يامرونني بدفع نصف الثمن من كل شيء؟ سألتهم – أصدقوني، هل أنا في حلم أم فقدت عقلي ؟ رد على مقدمهم :- لا هذا ولا ذاك، انت اخترت ان تحيا نصف حياة . فان أجلك واستحقاقك الإنصاف فقط).

– ماذا لو تخليت عن كل شيء واكتفيت بكفن كامل يستر عورتي؟

–  لا يمكن، النصف الثاني من عورتك لم يحن اجله بعد ) ص : 16, والقاص متمكن من انسياب وحدته الموضوعية لكن من دون ترهل اذ يحذف القاص الكثير من الزوائد اعتماداً على فهم المتلقي للمقروء كما ان مقدماته للقص غير مترهلة ولا تعدو إلا أن تكون كتمهيد بأسطر قليلة للولوج الى عالم الاحداث المحدد والوصول الى الضربة المفاجئة باسلوب القارئ الضمني او بالأسلوب الدرامي والحوار الداخلي، جاء في قصة فارس ( أفاضت في تعداد مناقب شغفه امام صويحباتها . غبطنها على فارسها النبيل .

 وودن لوكن سعيدات الحظ مثلها . شكرنها على ضيافتها ودعنها متهامسات عن الشحوب الذي سكن وجهها. عادت وأخرت دفتر مذكراتها من درج مكتب صغير . كتبت : (( الاربعاء 18 تشرين الثاني كان الأمر سيغدو باسماء مستعارة) ص : 27 . لابد من الاشارة ايضاً الى أنَّ قدرة القاص في التقاط الجمل القصيرة المعبرة عن هذا النوع من القص بدلا من استعمال الجمل الطويلة المسهبة لان القصة القصيرة جدا تسمى باللوحة أيضاً وهي كالبرقية لا تحتمل التأملات الفلسفية تنتهي بحكمة او درس اخلاقي لتعديل السلوك ولكن القص القصير جدا يستوجب ان يكون بعيداً عن اسلوب النادرة والمنامة او النكته لان القص القصير جدا أثبت وجوده كجنس ادبي متميز وان واجه هذا النوع من القصص من اعتراضات في التجنيس فشأنه شأن كل جديد في السرد او في غيره.

مشاركة