ماكرون والموصل .. العقلية الإقصائية قبل الطوفان

ماكرون والموصل .. العقلية الإقصائية قبل الطوفان

الموصل سامر الياس سعيد

لم تشهد مدينة الموصل انقساما فكريا وثقافيا مثلما شهدته في اعقاب زيارة الرئيس الفرنسي لها  يوم  الاحد الماضي .. فتعليقات  ومدونات السوشيال ميديا كشفت عن حجم التفكير الضيق  والمتازم الذي يعيشه ابناء مدينة الموصل  وتباينهم في كل ما يحدث للمدينة مما يكشف  عن ازمة ثقافية كبرى تعانيها المدينة ونجم عنها هذا الدمار الكبير  من خلال اجتياح تنظيم داعش لها في  صيف عام 2014 او ما سبقها من احداث دموية قضمت من اعداد سكانها وشـــتت  القسم الاخر ..

ومايؤلم  النظرة التي تتيحها المدينة للظواهر التي تشهدها مما يعزز صعوبة خروجها من عنق ازمات دمار ساحلها الايمن  او التفكير بجدية في القضايا ذات الاهمية القصوى ممثلة باعادة النازحين ممن تركوها  على اثر سيطرة التنظيم الارهابي ومحاولة استئناف حياتهم مجددا بين  حواضرها ..

عقلية الاقصاء التي تسيطر على تفكير النخبة  وتهميش الاخر  ليست بالجديدة على مجتمع المدينة  فالكل يعلم الهوة التي  تفرز بين ابن المدينة  وبين ابن الريف  فلذلك تبرز من بين الاحاديث تلك الشخصية المازومة التي تبرز  بين نظرة ضيقة  في ما يتعلق بالمركز ونظرته لاطراف المدينة وما يمكن  ان تجسده تلك الثنائية  اضافة الى  النظرة الضيقة  الاخرى التي  تتيحها عقلية المواطن الموصلي في  استيعابه وهضمه للاحداث والرؤية المختلفة التي يمكن ان يعدها اي  مازوم بالكثير من المشاكل ليهيئها  لتكون في متناول  متابعي مواقع الانترنت ويعدوها نظرة موحدة يبرزون معها رايهم ويتماهون في  تاكيد الحقائق والوقائع على وتيرتها ..

حصدت زيارة ماكرون للحواضر الدينية جدلا  بين الاوساط الموصلية فالكثير منهم استذكر ماجرى في فرنسا قبل نحو ست اعوام  وبالتحديد  الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد  ونسجوا على منوالها ان الرئيس الفرنسي لم يعتذر عن تلك الاساءات التي جعلت من العالم كله يسير مسيرة موحدة في الشوارع الرئيسية بباريس على وقع ارهاب طال المجلة المسيئة  فيما كان الصمت  يرنو نحو الجموع الفزعة من الموصليين  حينما كانوا يذرعون شوارع المدينة صيف  عام 2014 جزعين من دخول عناصر  لاتضاهى بما كانت عليه  القوة الامنية المكلفة بحماية المدينة  واكتفوا بابراز تصرفات  التنظيم  دون  الالتفات لمعاناة النازحين التي  تضاعفت عاما بعد اخر حتى ارغموا على الانسجام والاندماج مع المجتمعات التي استقبلتهم في تلك المحنة .

ومع ذلك فقد اطلق رجل دين مسيحي اثر لقاء جمع  بعض رؤساء الطوائف المسيحية مع الرئيس الفرنسي في حاضرة كنيسة مدمرة سؤالا استفزازيا  مفاده حول  دخول التنظيم  المدينة في وضح النهار دون علم او دراية من فرنسا وقريناتها من كبريات الدول ممن اكتفت بالمراقبة  فيما  حزمت امرها بعد سنوات اخرى لغرض اخراجه فكان لها ما ارادت لكن كان الثمن باهظا بتدمير كل ما هو جميل في المدينة لاسيما حاضرتها القديمة ..

حذفت للتو  صداقةعلى موقعي الشخصي على الفيس بوك مع  احد الكتاب المعروفين في المدينة ممن تباهى  باهداء نجله  لكتابه للرئيس الفرنسي  من خلال مؤسسة  خاصة تروج لاعمال الكاتب ونتاجاته وتلغي بالطبع كل  ما يمت بالصلة لكتاب وادباء ونخب اسهموا  بابراز واقع المدينة بعد حقبة داعش .. اقولها بصراحة ان المدينة لن تشهد التطور ما دامت تحمل فكر اقصاء الاخر  وتنزيه الذات وسموها عن الاخرين  حيث عادة ما يعتبرون هولاء الاخرين  دون مستوى تفكيرهم وطبقاتهم  الا اذا ما احتاجوا منه معلومة  او حقيقة فيبادرون اليها على وجه السرعة .. هذا مايؤلم في المدينة التي غادرناها قبل نحو سبعة اعوام  ومازالت تعتمد تلك العقلية الاقصائية  التي تعتمد على حقيقة انا ومن بعدي الطوفان !

مشاركة