مارتن أميس يتحدث عن الابداع والجنس والدولة في مهرجان هاي 2012

283

مارتن أميس يتحدث عن الابداع والجنس والدولة في مهرجان هاي 2012
الكتابة مزيج من الغبطة والقلق
أنيتا سينف
ترجمة بشار عبدالله
ظهر الروائي البريطاني الشهير مارتن أميس في مهرجان هاي الذي ترعاه صحيفة تلغراف لإطلاق روايته الجديدة الموسومة ليونيل أسبو دولة انكلترا . وتحدث إلى محرر الكتب غابي وود عن دولة انكلترا، وتراجع أمريكا، والسبب وراء عدم قدرة الرجال على الكتابة في الجنس.
ومارتن أميس روائي بريطاني شهير ولد في سوانسي جنوب ويلز في 25 آب» أغسطس 1949، من أشهر رواياته المال ــ 1984 و حقول لندن ــ 1989 . عمل لغاية العام 2011 أستاذا للكتابة الابداعية بمركز الكتابة الابداعية في جامعة مانتشستر.
غالبا ما يسأل المرء السؤال الآتي هل تحدد لنفسك وقتا يوميا للكتابة؟ هل تعتمد الكتابة العادية بدل الاختزال؟ ما مدى صعوبة العكوف على الورق؟ الواقع أن كل كاتب يهتم بقلق شديد بآلية الكتابة اليومية. ولكن الكيفية التي بها تتمظهر رواية ما أمامك هي في الحقيقة عمل غاية في الغموض.
لقد أطلق نورمان ميلر على كتابه الممتاز حول القص تسمية الفن المخيف . فثمة علاقة وثيقة تربط الغموض والغرابة باللاوعي والأحلام، وما يتصل بهما ويستتبعهما. يقول لي الناس أيضا لماذا قررت أن تؤلف كتابا حول هذا الموضوع؟ ولكن مفردة قررت ليست المفردة الملائمة على الاطلاق في هذا السياق. فانت لا يمكنك اختيار مواضيعك. بل إن الأمور عندما تسير على ما يرام، فإنها هي التي تختارك.
إن الكتابة تأتي من ذلك المزيج المحتضن للغبطة والقلق معان بحيث لا يمكن أن ينوجد أحدهما في غياب الآخر. وهنا أقول إنني لست من أولئك الكتّاب الذين يزعمون أن الكتابة تأتي من الألم، لا بل وأرفض هذا الطرح جملة وتفصيلا. فالكتابة من العمق فعل مبهج ومثير ينطلق من الجانب الإيجابي للكاتب، ولكن على الكاتب أن يجني من ذلك الفعل عملا روائيا.
في دولة انكلترا
لا يمكننا التظاهر بعدم وقوع أمور خاطئة في الثقافة الإنكليزية خلال في السنوات الخمسين أو الستين الماضية. إن في مقدور المرء اليوم القول عبر تتبع تاريخي وإن كان شاقا ان لتلك الاخطاء صلة بالتراجع الوطني الذي نشهده الان؛ فأنت ما أن تفقد السلطة الحقيقية في العالم حتى يصار إلى تحويل اهتمامك للتركيز على التفاهات والسطوح والسطحية. وأعتقد أن هذا قد حصل. ولا أعتقد أن هناك دولة أخرى تهتم بشعب لا يثير الاهتمام بشكل بارز. فالعنوان الفرعي هنا مثير للسخرية في هذه القضية، وهذا بالتأكيد ليس إجراء تقويميا جادا حول الوجهة التي تسلكها إنكلترا الآن. ولكن انكلترا الآن تقود العالم إلى التراجع، وهو التراجع الذي كنا وما نزال نعيشه على مدى زمني أطول مما عاشه ويعيشه الآخرون. قبل سبعين سنة أو ثمانين كانت انكلترا أقوى دولة على وجه الأرض، ومن ثم تسببت الحرب العالمية الثانية في إفقارها وتحويلها إلى عالة. خسرت إنكلترا الحرب، وهنا أنا لا أقصد التقليل من المنجز الذي أدى لهزيمة هتلر، ولكن ذلك المنجز كان جهدنا الأخير كقوة كبرى.
ولكنني أعتقد أن إنكلترا سايرت ذلك التراجع مسايرة لا مثيل لها في نواح عدة. فالثقافة السياسية تحولت تماما إلى اليسار بعد الحرب، وداومت عليه، معززة بالأيديولوجية التي أسميناها التصحيح السياسي. وأحد مبادئ تلك الايديولوجية هو انك لا تحب الإمبراطوريات، وتكره الامبراطوريات لا بل وتشعر بالخجل كونك تنتمي لبلد كان ذات يوم امبراطورية. وهذا ما لطّف مرارة حبوب التراجع، بل بدا الأمر كما لو أنك لم تمن بخسارة كبيرة من باب حفظ ماء الوجه ــ مهما بدا ذلك فوضويا ــ لأنك منتم لإمبراطورية. نحن الآن دولة من الدرجة الثالثة ولسنا حتى دولة من الدرجة الثانية.

في تأسيس الإساءة للطبقة العاملة
أنا لست من فئة مختلفة تماما. فقد كان أبي من طبقة وسطى أدنى في جنوب لندن. وكانت أمي فتاة ريفية تنتمي لأسرة لديها قليل من المال. أنجبت أمي شقيقي وهي بعمر التاسع عشرة سنة، وأنجبتني وهي في العشرين وأنجبت شقيقتي وهي في الرابعة والعشرين، درجا على المألوف في ذلك الزمان. بعد ذلك نشر أبي روايته الأولى وتقلبت حياتهما على نحو لم يتوقعانه، ليستقر الحال بي وبشقيقي في نهاية المطاف ضمن هذه الأسرة المنتمية للطبقة العاملة لأشهرعدة في سوانسي.
كان شقيقي دائم التفكير آنذاك وهو لما يزل يشعر بالإهانة جراء ذلك الوضع أما أا فكان شعوري معاكس تماما. وقد بقي ذلك البعد معي في حياتي ــ وقد كنت وما زلت أتمتع بصداقات مع أناس من ذلك العالم. ولا أشعر بأي حال من الأحوال عندما أزورهم أنني أزور عالما فقيرا بائسا. بل على العكس كل شيء أحسه طبيعيا للغاية. تلك الحياة، حتى الجزء الجنائي فيه، له إحساس ليس بالكوميديا فحسب، بل يتعداه إلى احتضانه لفضاءات اقتناص الشعر وبالتأكيد سرعة البديهة المذهلة. عندما سافرت مع توني بلير في العام 2006، كان شعار حزب العمال الجديد التعليم، التعليم، التعليم ، وأنا أتفق جدا مع ذلك الشعار. إن لدي على الدوام شعورا بأن بين غير المتعلمين، وهو أمر مؤسف، كم هائل من الذكاء غيرالمستغل.
في تراجع أمريكا
في أمريكا سيكون الوضع مختلفا من حيث الشكل، ولن يكون وضعها كما نحن شفة عليا ذليلة وعنيفة. ويمكنك ان تري ذلك بالفعل في اعمال الشغب البليدة التي لا تصدق والجارية داخل الحزب الجمهوري، حيث بالكاد يمكنهم طرح مرشح واحد محتمل من أصل ثماني شخصيات أو تسع.
أنا لا أعرف إن كنت قادرة على تذكر ريك بيري وهو يقول عفوا ــ هذا اللفظ يبدو أكثر قنوطا وخجلا إذا ما نطق بلكنة أهل ولاية تكساس. هيرمان كاين ــ ترى ما الذي أتى به إلى هناك؟ ربما كان المرشح الأول الذي روعه الطريق الى الترشيح وأرعبه الطريق الى الرئاسة. ريك سانتوروم ــ مناهض زواج المثليين، ومناهض الإجهاض، وكل تلك الشؤون التي لها صلة بالمجتمع. كل ذلك يتركنا أمام ميت رومني. فهذا الرجل يمثل نوعا من الأقراش المبتسمة، وهو مورموني على ما أعتقد ــ أي أنه ينحدر من أكثر الأديان حقارة واحتيالا في أمريكا اليوم.
في رحيل كريستوفر هيتشنز
إن رحيل صديق مقرب إلى النفس على مدى أربعين سنة لا بد أن يملأني بشعور بيأس لم يمر بي مثله من قبل. ولكن ليس الأمر كله رهيبا، وهنا تكمن مفاجأة كبيرة أخرى. كان كريستوفر محبا للحياة على نحو مذهل وقد واصل حبه هذا حتى النهاية. كنت أمضي بعض الوقت في غرفته داخل المشفى وكان ياتيه أحدهم كل 10 دقائق ليؤدي عملا لا يمكنني وصفه، وما أن ينتهي حتى يقول له كريستوفر شكرا جزيلا ثم يعود إلى حديثه معي عن السياسة أو الأدب. وكنت أرى وأنا أتمشى معه في رواق المشفى نظرة فيها إشراقة ماكرة تملأ وجهه.
كنت على الدوام أشعر أن حبه للحياة أشد من حبي لها ولكن على ما يبدو ان ما يحدث هو أنه عندما يغيب الموت صديقا أثيرا إلى قلوبنا، فإنه يقدم لنا بطريقة ما نعمة قوامها حب الحياة. وعلينا اليوم أن نحب الحياة كما أحبها الراحلون الأعزة. فعند المشي في الشارع يكون واجبا علينا أن نستمتع بكل ما نمر به من أشياء. وأنت يقينا تعرفين الملاحظة التي يقتبسها كثيرون الضربة التي تقتلك تقويك ــ لقد أذهلني حين اكتشفت أن قائل هذه الكلمات هو نيتشه وليس بيلي غراهام أو استير رانتزن. ولكنها برايي ملاحظة خاطئة. فالضربة التي لا تقتلك تضعفك وتقتلك فيما بعد. من هنا أقول أن رحيل كريستوفر لم يقوّني، لكنه جعلني أثمّن ما هو في حوزتي.
في المرأة
دعيني هنا أجازف بإجراء مقارنة بين كتابة الرجل وكتابة المرأة. عندما يقال لنا أن أحد الأصدقاء قد مات، لا يسعنا إلا أن ننفجر في البكاء، ولا يمكننا طبعا أن ننفجر في الغناء أمام هذا المصاب. ثمة في كتابة المرأة شيء من أغنية، ثمة في كتابتها صدق أكثر واقعية.
وقبل أنا أخرج على رؤوس أصابعي من هذا السؤال عن السبب الذي يجعل المرأة أفضل من الرجل في الكتابة عن الجنس ــ ويكاد الأمر يغدو مستحيلا الكتابة عنه بعد الان ــ السبب هو أن الرجل عندما يكتب عن الجنس في رواية، يكون على صلة شبه إلهية بما يكتب. يكتب وهو في وضع القاهر، الذي تغدو معه قضية الفحولة مصدر إحراج للرجال. وهذه نقطة ضعف كبيرة خفية. وهذا أمر لا يشكل للمرأة بالمقابل مصدر قلق. فالرجل ما أن يعكف على كتابة مشهد جنسين حتى يشعر بحضور القاهر وينسى الفشل التام، والوقائع الممنوعة.
المصدر صحيفة تلغراف
/6/2012 Issue 4229 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4229 التاريخ 19»6»2012
AZP09

مشاركة