مئة عام من وجود الجماعة المسيحية في العراق (1914 – 2014)

مئة عام من وجود الجماعة المسيحية في العراق (1914 – 2014)

المطران سعد سيروب

اعتقد بان احداث الموصل الاخيرة من تهجير وعنف وابادة وافراغ للقرى والبلدات المسيحية كانت بمثابة الصدمة لكافة المسيحيين في العراق والعالم. وكما اعتقد أيضاً انه لا يوجد انسان يمكن أن يقف موقفاً لا اباليا أو متجاهلاً لما يجري. فمن الأمانة على الجميع ان نكون على قدر من المسؤولية وان نصف الواقع المؤلم وأن نكشف اسبابه ونتائجه أمام ابناء شعبنا المسيحي العراق، وأن يكون لدينا من الشجاعة أن نرفض بشدة وبموقف واضح كل ما يحدث للمسيحيين. لا يمكن ان نبقى متفرجين ونداوي بالأقل ونرضى بالفتات والطاريء.

هل من أمل للجماعة المسيحية؟ كيف نفهم وجودنا هنا في العراق؟ وماذا يحدث حقيقة؟ لا أريد أن أكون متشائماً ولكن أريد أن اقدم رؤية خاصة لما آراه اليوم:

  1. اقتصادياً: الجماعة المسيحية في العراق جماعة مستهدفة باقتصادها وأعمالها وأشغالها. فهي جماعة تصبح يوما بعد يوم جماعة فقيرة بالامكانيات المادية والاققتصادية. هجرة عقولها وأصحاب رؤوس الاموال أضعف حضورها في المجتمع العراقي. الهجوم الأخير على قرانا ومدننا وعوائلنا غايته سلب ونهب الخير واضعاف المكون المسيحي اقتصاديا واجتماعيا وجعله خاضعا لقرار هذه الجهة أو تلك، وطلب العون والمساعدة من هذا المكون أو ذاك. جماعتنا تضعف اقتصاديا وتفتقر أكثر.
  2. اجتماعياً: الجماعة المسيحية تتحول يوما بعد يوم الى جماعة متشتت اجتماعيا قليلة التاثير في النسيج الاجتماعي للبلد. فالعلاقة مع المكونات الأخرى علاقة تسودها الريبة والشك والخوف. الانقسام في العائلة المسيحية وتمركز الجزء الاعظم من العائلة خارج العراق يؤثر على الجزء المتبقي في العراق. فهو جزء ظعيف اجتماعياً وقليل الفرح والامل ومجال العادات والتقاليد الاجتماعية التي كانت سائدة في الماضي يبدو أنه يغيب عن حياتنا الاجتماعية. التغيير الاجتماعي في بغداد، حركة العائلات المسيحية والمسلمة من المناطق المختلفة في بغداد والعراق، يؤثر بشكل مباشر على علاقتنا بالمجتمع. توجد أزمة ثقة اجتماعية تجعل من الصعب الدخول مرة أخرى في علاقات اجتماعية، يدرك الكثير من المسيحيين انها خاضعة لمقاييس دينية وطائفية، ويمكن ان تنقلب عليهم من جديد.

القرى المسيحية مستباحة اجتماعياً بحجة العمل والحرية والديمقراطية. التغيير الديمغرافي والجغرافي الذي تعرضت له العديد من مناطقنا المسيحية غير من وجه قرانا وتجمعاتنا وبغير تخطيط واستعداد مسبق. النتائج وخيمة على المستوى الاخلاقي والاجتماعي.

  1. سياسياً: تعاني الجماعة المسيحية في العراق من ضعف في التمثيل السياسي. الاحزاب السياسية المسيحية منقسمة والتمثيل السياسي عاجز عن احداث تغيير حقيقي في الواقع السياسي للجماعة المسيحية. لا يوجد اتفاق على الاولويات، وحضورنا السياسي في مؤسسات الدولة ضعيف جدا!! الجماعة المسيحية مستعملة ومستخدمة من قبل الاطراف القوية لخدمة مصالحها.

غياب القانون وكثرة الميليشيات المسلحة يهدد وجود المسيحيين. فالقضاء في العراق غير عادل وفي كثير من الاحيان منحاز. عرف القبيلة والعشيرة يحكم تعاملاتنا، وقوة القانون غائبة. اجهزة مخابراتية ودول اقليمية تلعب دور كبير في تغيير المنطقة وتستخدم كل المكونات كذريعة للتدخل. المسيحيون ضحية الشرق الاوسط. فهم من ساهم وبشكل رئيسي في تكوين مدينيته وسياسته واليوم يذبح من اجل تغييرها.

اليوم يُقال للمسيحيين أننا نحارب من أجلكم! عجيب هذا الامر! والمتناقضات بادية بوضوح على مشهدنا العراقي. فالجماعة المسيحية صارت موضوع استعطاف واسترحام، وبالنتيجة تمّ استضعافها واستغلالها. 100 عصفور ضربت بحجر واحد.

  1. دينياً: التاثير الديني للجماعة المسيحية تاثير يقتصر على الحفاظ على ما تبقى من المؤمنين. لا يوجد اي مبادرة دينية اجتماعية يمكن تقديمها للمجتمع: كل المبادرات تفهم على انها تبشير والتبشير بدوره يشكل حجر عثرة أمام المسلم والمجتمع الديني. لا توجد حرية دينية، فلا يمكن للانسان ان يختار دينه! والتسامح الديني يشمل حرية العبادة فقط، وهذه في كثير من تجليتها واشكالها خجولة ولا تعـــــــبّر عن المسيحية وعن ديانتنا وقيمنا وأخلاقنا.

لا يوجد إدانة حقيقة للارهاب من قبل الطرف المسلم. بالعكس، هناك انقسام حاد في الاوساط الدينية المسلمة على ما يجري من اعمال ابادة واضطهاد على المسيحيين، فهناك من يقول انه من جوهر الدين وأخر يندّد بخجل وأخر يسكت بجبن وخوف!

الجماعات المسيحية في الخارج مختلفة بطبيعتها. الاجيال القديمة تقريبا قد نست العراق، والاجيال الحديثة تعاني من حنين ولكنها تعيش كمَن “يده تحت الحجر: فأن سَحبَها تألم وأن تركَها تألم”. وتقريبا السواد الاعظم من المسيحيين في بلاد الشتات مقتنع بان مستقبل المسيحية في العراق ضعيف جدا وانه من الافضل المغادرة لحين استقرار الاوضاع.

لذا لا أتحمل من يتكلم عن وقوف ومقاومة وصمود ومواجهة، مفردات اصبحت بالنسبة لي تمييزية وعنصرية. مجتمعنا المسيحي يتجّه نحو طبقيّة أيمانية: ايمان القوي يسيطر على ايمان الضعيف؛ ووجهة نظر القوي والاعلى دائما صحيحة ويقينية، وتلك التي تأتي من العامة تعتبر خاطئة وظنيّة.

علينا أن ننتبه فأننا نخسر الايمان والعيان معاً.

مشاركة