مؤلّف الإبتهال الرمضاني الشهير يا إله الكون إنا لك صمنا

من البيت الإذاعي .. الشاعر الرائد هشام الحلي

مؤلّف الإبتهال الرمضاني الشهير يا إله الكون إنا لك صمنا

طارق العـــزّاوي

بمحض اختياره قناعة أو اضطراراً انزوى ومنذ عهد مضى بعيدا عن الأضواء والشهرة وراح يقاتل (خيلاً من فوارسها الدهر) تلبية لمتطلبات الحياة وحاجة الاسرة خاصة بعد إحالته الى التقاعد عام 1986.

ذلك هو الشاعر هشام كاظم الحلّي المولود في بعقوبة عام 1934 – اطال الله عمره- لاب من بابل وأم من ديالى وهو من شعرائنا الرواد في الشعر العراقي الحديث وفِي الشعر الغنائي على حد سواء، عاصر الكبار من المبدعين كالجواهري والسياب والملائكة والبياتي وغيرهم وسجل حضورا خمسينيا يليق بإبداعه ونشاطه خانهما التوثيق فسفت عليها رمال الرياح وراحتا ذكرى مع الايام.

في السنوات الخمسينية سُلّطت عليه الأضواء منذ غنّت له المطربة السورية (سلامة) عام 1954 وهو في العشرين من عمره ايّام دراسته في معهد الفنون الجميلة ولمناسبة ذكرى ميلاد الملك فيصل الثاني قصيدته:-

يا طيور الأنس غني في ربوع الرافدين

يوم ميلاد مليكي فيه قرة كل عين

شهرة ردفت بشهرة اخرى يوم لحن الموسيقار الكبير روحي الخماش له كلمات ابتهاله الديني الشهير والذي اصبح فيما بعد لازمة رمضانية محببة الى النفوس ومعلما من طقوس مائدة الإفطار كل يوم (يا اله الكون أنا لك صمنا) والذي سجلته فرقة الإنشاد العراقية لحساب دار الإذاعة العراقية عام 1957.

كانت اول اشادة طيّبة اثارت انتباهي لهذا المبدع تلك التي جاءت من لدن الروائي العراقي الكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي في حديث صحفي له عام 1990 حيث استذكر فيه مراسلاته الأدبية الاولى مع هذا المبدع الجميل وأثرها في مسيرته الأدبية.

اما الإشادة الاخيرة فكانت من لدن الشيخ جلال الحنفي على صفحات جريدته (الفتح) في عددها الأخير الذي صدر قبل ايّام قليلة من وفاة الشيخ رحمه الله عام2006  وقد تضمنّ العدد مقطوعة من شعره.

يغلب على شعر شاعرنا البساطة والوضوح مبتعدا عن الرمز والإيحاء والضبابية وهو يعلل ذلك بان الهدف لديه هو توصيل ما يحس به وينفعل له ويراه بأيسر الوسائل ولعامة الناس لا خاصتهم.

وبسبب قناعات خاصة لم يشأ ان ينشر ديوانا له الا بعد إلحاح من أصدقاء كثيرين فكان نتاج هذا الدفع طبعه مجموعة شعرية عنوانها (افكار ملونة) بجهد شخصي هدية لأصدقائه وليس نشرا لديوان وذلك بعد مرور اكثر من ستة عقود من عمره الأدبي تضمنت مختارات مما كتب، كان لبعضها سمة التجديد الشعري أواسط القرن الماضي متأثرة بروح المدرسة الرومانسية منذ عهد احمد زكي ابو شادي ومحمود حسن اسماعيل وعلي طه المهندس وغيرهم، فيما للبعض منها روح موشحات الأندلس ونكهتها ونظامها كما فعل الشاعر محمد سعيد الحبوبي رحمه الله.

مشرف فني

اما (المدرسيّات) والتي ضاع أكثرها لعدم التوثيق فقد كتبت بحكم عمله مشرفا فنيا في مديرية النشاط المدرسي لمحافظة ديالى.

وفِي لقاء لنا معه ونحن نحتفل معه بذكرى ميلاده السادس والثمانين، تحدث لنا عن البدايات:-

– كان دخولي المدرسة الابتدائية عام 1941 في مدرسة (الدبّـة) في بعقوبة والتي سُميت فيما بعد (مدرسة فيصل الثاني) ومنذ الطفولة كانت الاهتمامات متعددة بينها حفظ القران الكريم واتقان تلاوته والممارسة العملية لبعض الحرف اليدوية والرسم وإجادة الخط العربي ذاك الذي شجعني فيما بعد على افتتاح (مكتب الحلي) للخط العربي والرسم واحداً من أوائل المكاتب في المحافظة حتى اني لأذكر اول كلمة خططتها على لوح وكانت (خليل).

اساتذة رواد

في العام 1954 دخلت معهد الفنون الجميلة ببغداد لدراسة الموسيقى وكم كنت محظوظا يوم تعرفت على أولئك المبدعين الحقيقيين من الرواد اساتذة وطلبة وقد أفادتني كثيرا صحبتهم خاصة الفنان المرحوم شعوبي ابراهيم وقد نشطنا معا في مجال نظم الشعر والأغاني الشعبية والمقام واني لا ذكر باحترام أيضا أساتذتي وخاصة استاذي يعقوب يوسف عازف العود في قسم الإذاعة الكردية وقتذاك والذي شجعني كثيرا لأكون الاول على زملائي في المجموعة الموسيقية وقد اتقنت تماما العزف على العود.

بدت ميولي الأدبية تتجه بعد ذلك صوب (الترجمة) فقمت بترجمة الأغاني التركية التي كنا ندرسها كمادة موسيقية معدة من قبل اساتذة المعهد الأتراك مثل الاستاذ مسعود جميل بك والاستاذ جودت جاغلا والاستاذ عدنان قوبوز وغيرهم.

{ وماذا عن الابتهالات الدينية؟

– لقد اخذت حيزاً كبيراً من اهتماماتي اعجاباً بها، فقد كانت مادّة منهجية يومية في الارسال الاذاعي حتى صارت اسماء المؤدين لها مألوفةً عند المستمعين مثل طه الفشني من مصر وعبد المنعم السيد علي وأبو السعد من العراق وكانَ واحداً من الابتهالات الشهيرة في العراق وقتها:

يا سيد السادات يا نوراً اضا

كن منقذي فالعمر مني قد مضى

بعد ذلك ظهرت اسماء اخرى كان ابرزها سيد النقشبندي. ترافق مع الابتهال ظهور نوع من الاغاني ذات نكهةٍ تتعلق بشهر رمضان الكريم مثل (وحوي يا وحوي) و(رمضان جانة) و (ماجينة يا ماجينة) وكذا الامر بالنسبة للعيد (يا ليلة العيد) (الليلة عيد) (أي شيءٍ في العيد اهدي اليك) وغيرها.

ضمن هذه الاجواء كانت ولادة (يا اله الكون انّا لك صمنا) محاولة ادبية لصياغة دعاءٍ ديني، ففي العام 1956 اطلعتُ الفنان المرحوم روحي الخمّاش على نصّه فأعجب به كثيراً، تلقفه ولحنّهُ في وقت قياسي لتقوم بعد ذلك دار الاذاعة العراقية بتسجيله عام 1957 وبصوت فرقة الانشاد وقد نشرت مجلة الاذاعة كلماته وكانت المجلة تصدر بعنوان (هنا بغداد).

{ يبدو لي ان علاقتك بدار الاذاعة وثيقة ذلك الوقت.

– نعم. فقد كانت ابرز المؤسسات الفنية عموماً والموسيقية على نحو خاص، كانت جواز سفر النجاح وعبر اثيرها عرف الناس ادباء هم ومقرئيهم وفنانيهم. في تلك الفترة ظهرت فرق فنية كثيرة ومجاميع موسيقية كذلك كانت منها مثلاً (فرقة اخوان الفن الموسيقية والتي كان يرأسها (وبحسب ذاكرتي) الفنان داود اكرم اضافة لمجاميع اخرى كنا قريبين منها او نكاد شكلها الرّواد المبدعون مثل غانم حداد وعبد الكريم بدر وناظم نعيم وخضر الياس وحسين عبد الله وسالم حسين وخزعل وجميل سليم الذي كان مطرباً اضافة لكونه موسيقياً وغيرهم كثير وهنا اريد ان اذكر باحترام الفنان احمد الخليل الذي كان له الفضلُ في تكوين فرقة الانشاد العراقية وقد كان هو نفسه ينشد معها ايضاً ومن بين افراد تلك الفرقة ظهر صوت مميّز وقوي هو صوت الفنانة (خالدة).

{ وماذا عن التلفزيون؟

– للتلفزيون فضل كبير وحقيقي على الحركة الفنية العراقية عموماً والغنائية منها والموسيقية على نحو خاص. فمنذ بداياته عام 1956 اصبح البيت الجميل الذي احتضن النشاطات بأنواعها وعرّف بالفنانين وقرّبهم الى الجمهور وقدّم الموهوبين منهم وعرّف بمطربي الريف داخل حسن وحضيري ابو عزيز وناصر حكيم وعبد الواحد جمعة وجواد وادي وصاحب شراد وعبد الجبار الدراجي واضافة للفنانات احلام وهبي وعفيفة اسكندر ولميعة توفيق ومائدة نزهت وغيرهم وغيرهن كثير، كذلك فللتلفزيون الفضل الكبير بالتعريف (بفن المربعات البغدادية) الاجتماعية منها والناقدة فعرف الناس فاضل رشيد واخرين كما عرفوا فن (المونولوج) ورّواده مثل علي الدبو وحسين علي من العراقيين واسماعيل ياسين واحمد غانم وسيد الملاّح وثريا فخري من مصر، ولا يفوتني ذكر الفنان المميز في فنه عزيز علي. في ذلك الوقت عرف الجمهور ايضاً علاء كامل ووديع خوندة (سمير بغدادي) ومحمد عبد المحسن ويحيى حمدي وغيرهم وعندما قدِم الشيخ علي الدرويش الى بغداد في خمسينات القرن الماضي كان لفرقة الانشاد حضور مهم في تسجيل الكثير من الموشحات الأندلسية والاغاني التراثية.

{ وهل من حديث عن المقام العراقي؟

– وقت ذاك كان المقام مادة يومية في الاذاعة وبحسب جدول معلوم, فبداية الاسبوع المقامي يوم السبت وقد خصص للأستاذ القبانجي والاحد لناظم الغزالي والاثنين لحسن خيوكة والثلاثاء لعبد الهادي البياتي او عبد الرحمن خضر والاربعاء لعبد القادر حسون الذي كان الوحيد الذي يغني مع (الجالغي البغدادي) اما الخميس فقد كان مفتوحاً للسيدة ام كلثوم أو بعض الحفلات الغنائية الحديثة، وبمرور الايام تبوأ كلُّ من يوسف عمر وحمزة السعداوي المكانة اللائقة بهما ثم تبعهم اخرون مثل محمود زازة وغيرهم.

{ انت كنت قريباً من الساحة الموسيقية والساحة الغنائية وبعيداً بعض الشيء عن الساحة الادبية.

– هذا صحيح، وقد ضاع الكثير مما كتبناه لأننا لم نكن ندري ان تلك الانشطة ستكون يوماً ما تاريخاً وجزءً من الذاكرة الفنية والاجتماعية, لقد كنا داخل الدائرة ولم نكن خارجها لنفعل ما يجب ومع هذا فعندي ما اعتز به.

{ بعد كل هذه التجربة، ما الذي آلمك؟

– آلمني سابقاً وما يزال قلة الفرق الموسيقية المحترفة والعريقة اسوةً بما لدى اشقائنا في دول عربية اخرى فلطالما تشكلت فرقٌ لكنها لم تستمر طويلاً وكما يبدو لي فأنّ قلة الدعم المعنوي والمادّي سبب رئيس لذلك اضافةً لعدم التفرغ وهم اصحاب توجّه فني صادق ما وضعوا في حسبانهم ربحاً غير المعنوي منه ولعلَّ (فرقة خماسي بغداد الوتري) نموذجٌ جميلٌ لما اقول، لكن الثقة قائمة بالقادم الجميل، الجميل والاصيل، فمجتمعنا منجم الطاقات والابداع وبيئتنا زاخرةٌ بالكفاءات والارض العراقية خصبة ولود.

واني لأدعو الى اعادة الاهتمام بالرموز الفنية الكبيرة مثل الملا عثمان الموصلي وبياتريس اوهانسيان وصديقة الملاية وغيرهم وكذلك الفرقة السمفونية الوطنية وفرقة التخت الشرقي (الجالغي البغدادي) وفرقة الانشاد الراقي (فرقة الانشاد العراقية) كذلك فإن بإمكان الجهات المعنية تأسيس فرق فنية خاصة بها مثل فرقة نقابة الفنانين الموسيقية وفرقة الاذاعة وفرقة التلفزيون وفرقة كلية الفنون الجميلة او معهد الفنون الجميلة وغيرها لكي تتقد روح المنافسة من اجل الابداع والجودة وتوثيق الابداع العراقي الجميل.

ابتهال (دعاء الصائم)

يا اله الكون انّا لك صمنا

وعلى رزقك افطرنا وانّا

لصيام الغد يا رب نوينا

فتقبل صومنا يا رب منّا

يا اله الكون يا ربّ السماء

خالق الانسان من طين وماء

نجّنا من كل كرب وبلاء

واقبل التوبة منّا واعفُ عنّا

يا اله الكون يا مهدي العباد

لطريق الخير في دنيا الرشاد

اهدنا يا ربّنا يوم المعاد

وتقبّل صومنا يا ربُ منّا