مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 وتداعياته على المغرب 2
فرنسا تحصل على إمتياز إنشاء ميناء وبناء السكة الحديد في الدار البيضاء
محمود صالح الكروي
أستاذ العلوم السياسية / جامعة بغداد
صادق أحمد حامد
ماجستير تاريخ حديث/ جامعة بغداد
المقدمة:
كان المغرب يشكل في بداية القرن التاسع عشر دولة كاملة السيادة ، معترف بها من طرف المجتمع الدولي آنذاك وعلى الأخص المجتمع الأوربي، والدليل على ذلك هو كون المغرب يتبادل السفارات مع العديد من الدول ويبرم المعاهدات ويلتزم ببنود الاتفاقيات الدولية ، فضلا عن إن المغرب كان أخر دولة أو كيان سياسي خضع لنظام الحماية الفرنسية في الثلاثين من اذار عام 1912 ومن ثم الحماية الاسبانية في السابع والعشرين من تشرين الاول من السنة نفسها.
لم تكن الدول المشاركة في المؤتمر متفقة على جدول أعمال المؤتمر، وعلى الأهداف التي يمكن إن يحققها، بل أن الدول الكبرى منها والمهتمة بشؤون المغرب خاصة وهي فرنسا والمانيا، وبريطانيا وإسبانيا كانت تستهدف من المؤتمر تحقيق مصالحها الخاصة في المغرب، أكثر مما كانت تستهدف مصلحة المغرب واقتراح اصلاحات لشؤونه الداخلية، أما المغرب فرغم انه تقدم بعدة اقتراحات وناقش مقترحات الدول التي كانت – أكثر ما تهتم- بمصالحها، فأن وفده كان ضعيفا ورئيسه كان مسناً ولم يكن احد منهم يتقن اية لغة أجنبية من لغات المؤتمر.
واجه الوفد المغربي في هذا المؤتمر مشاكل عدة اهمها مشكلة الترجمة والتي عبر عنها رئيس الوفد المغربي في المؤتمر الحاج محمد العربي الطريس ” بأننا جالسون شبه تماثيل لا نستطيع إن نفهم شيئا مما يقال”، ومن المشاكل الاخرى التي عانى منها الوفد المغربي في المؤتمر هو صعوبة الاتصال بالسلطان عبد العزيز سلطان المغرب الذي كان لابد من اطلاعه على كل كبيرة وصغيرة مما يجري في المؤتمر، إذ لا يمكن اتخاذ اي قرار بقبول أو اعتراض الا وفقاً لتعليماته وما يأذن به، وذلك لأن فاس عاصمة المغرب لم يكن فيها تليفون ولا تليغراف ولا تفضي إليها سكك حديد ولا طرق تمكن من اطلاع السلطان في قصره على مداولات المؤتمر.
بروز تيارين
تميزت المناقشات الاولى للمؤتمر بنوع من الانقسام بين الدول الاوربية اذ برز تياران متناقضان داخل المؤتمر:
الأول : تيار متصلب تقوده المانيا ويطالب بتطبيق مبدأ الباب المفتوح في المغرب وتدويل المصالح الاقتصادية والمالية فيها بدون إي اقتسام للأراضي ” أي مثل الحل القائم في الصين وتركيا”
الثاني: تيار مرن بقيادة فرنسا، يحاول إقناع الاخرين بالاعتراف بحقوقه الخاصة في المغرب، لاسيما على الصعيد المادي وعلى صعيد تثبيت الأمن هناك، دون الادعاء باحتكار البلد لنفسه.
طالت مداولات المؤتمر أكثر من شهرين ونصف، والواضح من طول مدة انعقاد المؤتمر لدليل على الصراع الدبلوماسي المتفاقم الذي أحتدم ورائه، إذ لم يكن ميزان القوى في صالح المانيا، لذلك أيدت بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة الامريكية وايطاليا وإسبانيا مطاليب فرنسا، وكانت فرنسا مرتبطة مع الدول سابقة الذكر باتفاقية خاصة حول المغرب، وانضمت إلى هذه الكتلة بلجيكا والبرتغال بحكم اعتمادها على فرنسا وانكلترا، من جانب أخر كانت المانيا منعزلة وحتى حليفتها النمسا – والمجر لم تشعر بحاجة إلى تأييدها، وجاء انعقاد هذا المؤتمر ليشكل نصراً دبلوماسيا لألمانيا، في حين أن الوثيقة العامة التي اتخذها المؤتمر قد مثلت فشلا دبلوماسيا بالنسبة لألمانيا، إذ انبثقت الوثيقة العامة شكليا من المبادئ الأربعة التي أصرت عليها المانيا إلا إن فرنسا حصلت فعلا في هذا المؤتمر على انتداب لإدارة الاقتصاد المغربي والدولة المغربية.
عقد المؤتمر جلسته الختامية في يوم الثاني من ابريل/ نيسان عام 1906 التي تقرر فيها إن يجري التوقيع على ميثاق المؤتمر في السابع من ابريل/ نيسان، والهدف الاساس من هذا المؤتمر ومضمونه هو اهتمام تلك الدول المذكورة بالنظام والامن العام وثروة المغرب، ولا يحصل هذا الا بإدخال اصلاحات مبنية على ولاية السلطان واستقلال مملكته، والحرية الاقتصادية بدون تفاوت، وقد وقع ممثلو الدول الأوربية وممثلو الولايات المتحدة الأمريكية على ميثاق الجزيرة، وامتنع الوفد المغربي عن الامضاء على ميثاق الجزيرة بدعوى انه ليس له تفويض من السلطان بإمضائه، فكلف اعضاء المؤتمر وزير ايطاليا المفوض بصفته عميد السلك الدبلوماسي بأجراء مساعي لدى السلطان عبد العزيز من أجل تصديقه، وفي الثامن عشر من يونيو / حزيران أستجاب السلطان عبد العزيز ووقع على ميثاق الجزيرة.
المحور الثالث: مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء
أهم ما اسفر عنه هذا المؤتمر هو إزالة المنافس الألماني وفتح اقتصاد البلاد إمام الفرنسيين، وكذلك اتفاق الدول على تعيين فرنسا وإسبانيا للقيام بإدخال الإصلاحات على الدولة المغربية والأشراف على كثير من المصالح الحيوية في البلاد بدعوى تنظيمها، وعلى الرغم، من إن تلك الإصلاحات كانت تصب في مصلحة المغرب إلى حد ما، إلا أنها كانت تعد تدخلا سافراً في شؤونه الداخلية، ووصمة في جبين حريته واستقلاله، أما حالة الشعب المغربي فقد ظلت كما هي، من حيث الفوضى والوهن.
اشتملت اتفاقية الجزيرة الخضراء على عدد من الفصول ابرزها:
الفصل الاول الذي عالج موضوع الشرطة والتي تعد من اهم المشاكل التي اثارت جدلا حادا بين الدول الرئيسية ومحاولات التوفيق فيما بينها من قبل الدول الثانوية، فقد اختلفت الدول الرئيسية وكان الاختلاف قويا وحادا بين فرنسا ومن ساندها وبين المانيا وتساندها في ذلك النمسا، وقد ارتأت الاولى أن تكون الشرطة في المغرب بمعرفتها وتحت قيادتها، وكان الحل المعتدل الذي تنازلت اليه فرنسا هو ان تشرف هي على الشرطة بمساعدة إسبانيا بكونها اقرب الجيران إلى المغرب، جاءت إجراءات الفصل الاول بالنص على.
1- يجب أن توضع الشرطة المغربية تحت سلطة السلطان ويعبأ افرادها من سكان أبناء البلاد على أن تتمركز في مرافئ التجارة الثمانية.
2- يستخدم الضباط الفرنسيون غير المنتدبين رسمياً لمساعدة السلطان في تنظيم القوة لمدة خمس سنوات، تخضع للتدابير المفصلة لمصادقة السلك الدبلوماسي في طنجة.
3- على أن لا يزيد عدد أفراد الشرطة عن 5000 شخص والا يقل عن 2000 شخص
4- أن يؤمن بنك الدولة المخصصات المالية.
5- يكون المفتش العام مواطنا سويسرياً.
6- ترسل نسخ من تقارير المفتش العام إلى طنجة التي لها صلاحية طلب تقارير منه كلما اقتضت الحاجة.
7- على أن يناقش موضوع معاش المفتش العام.
8- أن يوقع عقد عمله في طنجة.
9- يكون المفتشون إسبانيين في تطوان والعريش وفرنسيين في الرباط ومختلطين في طنجة والدار البيضاء وفرنسيين في المرافئ الثلاثة الباقية. أما الفصل الثاني فقد عالج موضوع تهريب الأسلحة إلى المغرب، وتشكلت لذلك لجنة خماسية اشتركت فيها كل من المانيا وإسبانيا وفرنسا وايطاليا والمغرب، إذ قامت هذه اللجنة بأعداد مشروع أشتمل على العقوبات التي تفرض على التهريب، وعلى المبادئ العامة وكذلك على مصير الأسلحة والذخائر المصادرة والإجراءات التي تتخذ لذلك، وقد عهد المؤتمر إلى فرنسا بتطبيق هذه القوانين على الحدود المغربية الجزائرية وإلى إسبانيا على حدود الحصون إي في المنطقة الإسبانية، وإلى كافة الهيئات الدبلوماسية أو القنصلية فيما يتعلق بالمرافئ.
في حين عالج الفصل الثالث موضوع بنك الدولة في المغرب والذي له صلاحية إصدار السندات ويتلقى الودائع ويعمل بمثابة خزينة للدولة، من جهة اخرى اختلفت اراء الدول في أسم البنك وفي مقر وجوده وعمله وفي الأطر التي تشرف عليه، وكل دولة كانت تقدم اقتراحات تؤكد مصالحها في هذا البنك بكونه أداة من أدوات الهيمنة على الاقتصاد المغربي، فقد اقترحت فرنسا ان يكون في باريس، كما اقترحت إسبانيا أن يكون في مدريد، واقترحت المانيا التي كانت تعارض كلما امكنها ذلك نزعة السيطرة الفرنسية المسندة بالتأييد البريطاني – أن يكون مقره في طنجة، كما اختلفوا في تكوين رأسماله، فكان من الاقتراحات أن توزع المشاركة في رأسماله بين دول المؤتمر وان يكون للمغرب نصيب من رأس المال وكان باستطاعة كل دولة اشتركت في المؤتمر أن تطلب الاسهام في هذا البنك، كما تقرر إن تحصل كل دولة من الدول الاعضاء على حصة واحدة من الاسهم بينما تحصل فرنسا على ثلاث حصص من اسهم بنك الدولة، ويمكن القول إن فرنسا حصلت على اغلبية الحصص في هذا البنك مستغلة حصة المساهمين الصوريين، حصصها الثلاث.
بناء دولة
وكانت من اهم الأمور التي انيطت ببنك الدولة المغربية مايلي:
1- له الحق المطلق في القروض القصيرة المدى والافضلية فيما يتعلق بالشؤون العامة.
2- قد يقدم، بشروط، قروضا إلى الحكومة المغربية.
3- سيأخذ لنفسه صفة بنك الإصدار .
4- سيحتفظ بحساب منفصل لضريبة خاصة، 5و2 ، وتوضع على سعر الواردات الاجنبية الاصلي.
على إن يكون البنك خاضعا للأنظمة الفرنسية وستحدد اتفاقية لاحقة العلاقة الصحيحة بين البنك والحكومة المغربية، على ان يكون مركز البنك الاداري في طنجة.
وعالج الفصل الرابع مسألة الضرائب إذ كان هناك اختلاف جذري بين وجهة النظر المغربية، وبين وجهات النظر الأوربية في هذه المسألة، إذ كان الوفد المغربي يرغب في تنمية موارده وذلك بزيادة الضرائب والرسوم الجمركية شريطة إن يقع العبء الأكبر على عاتق الاجانب والمحميين والا يصحب ذلك تدخل اجنبي أو اشراف، وان يستغل السلطان هذه الموارد الجديدة في تحسين أمور دولته عامة وليس فقط في النواحي التي تهم الاجانب، وعلى العكس من ذلك فقد كان مندوبو الدول الاوربية يعارضون في تكليف رعاياهم مزيدا من الضرائب أو الرسوم، لذلك فقد رفض المؤتمر بحق المخزن في زيادة الضرائب على الرغم من حاجة المخزن اليها، ولاسيما بعد فشل مشروع ضريبة الترتيب وحاجتهم إلى الاموال، واقترح زيادة عشور اضافية واشترطها بأن تكون مؤقتة، دون التعرض لنسب الضرائب التي تجمع، كما اشترط وضع هذه الزيادة في صندوق خاص للأنفاق على مشروعات الاشغال العامة وتحسين الموانئ، إي انه وضعها في خدمة التجارة الدولية، وفي الوقت نفسه عمد المؤتمر إلى انقاص الضرائب التي كانت تجبى على صادرات المغرب إي التي كانت تصل إلى المستهلك الاوربي.
كما عد المؤتمر السكك الحديدية المغربية برمتها، والموانئ ووسائل الاتصال وغير ذلك ملكية الحكومة المغربية، إذ لا يمكن بيعها إلا عن طريق المزاد العلني ولا ترسو إلا لمن يقدمون أحسن الشروط بغض النظر عن جنسياتهم، وان هذه النقطة بصيغتها قد تطابق ومبادئ الحرية الاقتصادية والمساواة.
وفي هذا السياق، حصلت فرنسا على امتياز انشاء ميناء في الدار البيضاء، كما حصلت على دور رئيسي في بناء السكة الحديدية، ودور رئيسي في مشاريع اخرى متعددة، على الرغم من إعلان المؤتمر في بعض مقرراته عن استقلال المغرب والمساواة في تعامله مع الدول الاوربية، الا أن هذه المقررات لم تخرج إلى حيز التنفيذ الفعلي أذ بقيت فرنسا منفردة في الميدان واستمر العمل سراً في الاتفاقات السابقة مع الدول الاوربية، وعمدت الحكومة الفرنسية إلى عدة سبل للالتفاف على مقررات المؤتمر وتحويلها إلى صالحها تماماً، منها أنها عدت إشرافها على منطقة الحدود الواقعة في دائرة نفوذها بمثابة حكم فعلي لها، وبما ان حصتها في رأسمال البنك المغربي هي أكبر الحصص فقد خضع البنك ” المؤسسات المالية عامة ” إلى أشرافها المباشر ومضت في سياسة الابتزاز المالي والاقتصادي والسياسي المستمر والتدخل في شؤون المغرب الداخلية.



















