ليل السماوة ونهارها يضيئان قصة حب

566

أفراس الأعوام لزيد الشهيد

ليل السماوة ونهارها يضيئان قصة حب

 فيصل عبد الحسن

الحياة المضطربة للناس في المدن العراقية خلال حقب طويلة من التأريخ هي مادة خصبة للروائي الماهر، الذي يجيد حبك التأريخ الإنساني لأفراد من تلك المدن عاشوا فيها، وأكتووا بنيران اضطراباتها وفتنها، ورواية ” أفراس الأعوام ” لزيد الشهيد واحدة من هذه الروايات.  فقد سرد الروائي ما دار من احداث في مدينة السماوة خلال ثلاثة أجيال، ابتدأ بجيل المؤسس الأول لعائلة درجال، بمجيء الجد درجال على فرس من عمق الصحراء، وهو يحمل خلفه ولده حسن لتضيفه القبائل القريبة من مدينة السماوة.

 وتبدأ الرواية والسماوة تحت الحكم العثماني أي في عام 1913، وقبل الأحتلال البريطاني للعراق خلال الحرب العالمية الأولى، وتنتهي احداث الرواية في عام 1963 وقبل أسبوع واحد من وصول القوميين للسلطة واعدامهم لرئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم في قاعة الموسيقى بدار الإذاعة العراقية في الصالحية.ما فعله الأجداد  اعتمد الروائي تقنية الفصول والمشاهد، فقد قسم سرده إلى ثلاثة فصول وكل فصل قسمه بدوره إلى عشرة مشاهد، ما عدا الفصل الأول فقد جعله بثمانية مشاهد، وأتبع في فصوله ومشاهده رسم صورة بانورامية لأحداث الفترة التأريخية مصوراً فيها من عاش خلال تلك الفترة من الشخوص النافذة أو الناس العاديين من اهل السماوة، وأبرز ما دار فيها من احداث. المتن الروائي في ” أفراس الأعوام “، لم يتوقف عند السرد التأريخي لما حدث في السماوة خلال العديد من العقود التي مرت على المدينة في عهود الرخاء أو عهود البطش والقهر بل بني خلال ذلك المتن شخصيات روائية تحلت بمزاج عراقي ورؤيا ميثلوجية عراقية صميمة. واستطاع “زيد الشهيد ” أن ينقلنا من خلال النثر المركز إلى دواخل هذه الشخصيات من خلال ديالوجات متقنة ومنللوجات حوارية وتيار شعورعميق دلت على دربة ومهارة في رسم الشخصية العراقية، وفهم عميق، لهذه الشخصيات ومقدرة على استنباط ردود افعالها عند وضعها أمام خيارات الحياة، ليخرج الكاتب بأفعال منطقية توافق ما عرفناه عن الشخصية العراقية من حدتها في التعامل وعاطفيتها، وسرعة تأثرها بالمواقف، وبحثها عن الحلول لمشاكلها من خلال انفعالها العاطفي، وركونها للظالم فترة قصيرة، لكنها لا تركن له طويلاً، وحالما تجد فرصة للتمرد، فإنها ستكون ميالة لأخذ زمام المبادرة بأندفاع طوفاني لا يمكن كبحه أو رده.

  يستشهد الكاتب بآية قرآنية مباركة هي” أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلاً” آية 48 سورة الإسراء، والرواية تجسيد حقيقي لهذه الآية الكريمة، فالله تعالى وهو أعز وأجل قائل، قد عرف ما توسوس فيه كل نفس، وما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان على مر التأريخ، فما فعله الأجداد يعيد فعله الابناء وبعدهم الأحفاد.

الفرهود والرواية تبدأ بفرهود مقر حزب ” اتحاد الشعب ” وهو الواجهة للحزب الشيوعي في مدينة السماوة في 8 آب 1959 وهو يوم غضب الزعيم عبد الكريم قاسم على الشيوعيين، واعلن عدم شرعية وجودهم، فاندفعت جموع سكان السماوة لسرقة أثاث مقر الحزب، ورؤية الفرهود ذكرت بطل الرواية ” جعفر حسن ” بطفولته وبفرهود آخر هو فرهود مقدرات الدولة العثمانية عند تقدم القوات الانكليزية لأحتلال مدينة السماوة عام 1917. حينها كان جعفر شاباً في أوج فتوته، ورأى بأم عينيه كيف سرق أهل السماوة مخزن الغلال وبيوت الموظفين العثمانيين كبيت القائمقام ومدير المال، وبيت قائد الدرك، يقول عن ذلك في شريط سينمائي من تيار الوعي المكتوب والكاتب يغوص في ذاكرة بطله جعفر، وهو ينقل لنا الاحداث كما لو أنها حدثت بالأمس :  ” كان الفرهود مستمراً لمقدرات الدولة من قبل الناس، في وقت كانت فيه أصوات مدفعية القوات الأنكليزية تقترب وتحقق أنتصاراً  تلو الأنتصار بينما هيبة الدولة العثمانية تتقهقهر اندحاراً .  ” ص9  ركز الكاتب في روايته على دراسة سلوك الناس ودناءاتهم في أوقات ضعف الدولة، فقد ركز أيضاً على فرهود بيوت اليهود في بغداد عام 1940 وروى قتل الجنود لشاكر الحسان الرجل الأمين، الذي وقف بوجه الغوغاء محاولاً منعهم من سرقة بيوت اليهود، فأردوه قتيلاً بطلقة من مسدس أحدهم ص125 والكاتب يقول عن ذلك ” السرقة عند أقوامنا صفة من صفات الرجولة أو صفحة من صفحات الفروسية ” ص107 الرواية تتناول سيرة مدينة السماوة من خلال سيرة جعفر الرسام، الذي كان أول رسام في مدينة السماوة، وقد اتجه للرسم بعد أن هزته علاقة حب غير متكافئة بأبنة مدير المال العثماني عبد الكريم شوكت، أسمها وهيبة، فقد كان جعفر أبن بائع قماش في سوق السماوة، بينما والد محبوبته كان من كبار موظفي الدولة العثمانية في المدينة. وينقلنا الكاتب إلى جو المشاحنات الطائفية بين أهل الحي الغربي في مدينة السماوة وهو برئاسة الشيخ فارض العلوان والحي الشرقي برئاسة الشيخ جابر الدخيل، والحيّان الغربي والشرقي لا يتلتقيان إلا وقت الفرهود أو عند مجيء عدو خارجي كالوهابيين وفي نيتهم غزو المدينة، وعدا ذلك فهم في شقاق ومعارك مستمرة.

لَيْلُ السماوةِ ونَهارُها

 من الشخصيات الأخرى في الرواية الشاعر محمد صالح بحر العلوم، الذي سجن مع جعفر بطل الرواية لأنه بعث برقية إلى الحكومة عام 1935 يشجب فيها منع الشعائر الحسينية في مدينة السماوة من قبل الحكومة، ومعه الشيخ خوام الذي قاد عصياناً عشائرياً وحكم عليهم بالإعدام، ولولا اعتلاء الملك غازي العرش، وإصداره عفواً ملكياً عن المحكومين لتم اعدامهم في مدينة الموصل، ومعظم الشخصيات في الرواية حقيقية ووردت أسماؤها في اجزاء كتاب تاريخ الوزارات العراقية لعبد الرزاق الحسني.  ص 109

 وهناك شخصيات وطنية مثل شاكر حسان ومزعل العباس ووارد السلمان، والأخير قتلته الشرطة بدم بارد لأنه خرج في مظاهرة سلمية تطالب بتحسين ظروف العمال والفلاحين في المدينة، وتحت شعارات الحزب الشيوعي في تلك الأيام من عام 1936.

 لَيْلُ السماوةِ ونَهارُها تحكيه الرواية من خلال قصة حب جعفر لوهيبة، وفراقه عنها بسبب دخول الأنكليز إلى مدينة السماوة، وفرار الموظفين الأتراك إلى خارج المدينة بزورق نهري، وتعلق جعفر بعد ذلك بالراقصة بهية ليعوض حبيبته المفقودة، لكنه اخيراً يذعن للآسرة وتقاليدها فيتزوج زكية التي يرزق منها بجميل وفاطمة.  ويعود كل الماضي الـــــذي كـــــــان يلح على جعفر في لحـــــظات تأمله لحياته بمجيء ضابــط شاب إلــــــى مدينة السماوة في الستينـــــات، هو طارق أبن وهيبة، الذي حمل إليه تذكاراً من والدته، كان قد أهداه لها جعفر في بداية علاقتهما العاطفية، لقد تزوجت وهيبة والد طارق بعد أن عرفت أن جعفر تـــــزوج سيدة أخرى ونساها، لكنها لم تنسه بدليل انهــــا احتفظت بتذكاره إلى قبــــل وفاتها حيث أوصت ولدهـــــا الوحــــيد طـــارق أن يحمــــله إليـــــه ليعيد حبيبها جعـــفر إلى ماضيهما الجميل.  روايــــة ” أفراس الأعوام ” إحــــدى أهم الروايات العراقية المعاصرة، التــــي حكــــــت عــــن ســـــيرة مدينة السماوة وشخصياتها الحقيـقية التــــــي عاشت، وماتـــــت في هذه المدينة تاركة تأريخاً لا ينسى من الحكايات والأحـــداث.

ـــ صدرت عــــن المؤسسة العربيــــة للــــدراسات والنشر / بيروت ــ لبـــنان / عام 2013 / 242 صفحة مـــــن القطــــع الكبــــير.

{كاتب عراقي مقيم في المغرب