ليلى درويش – ليلى درويش

742

قصة قصيرة

ليلى درويش – ليلى درويش

ما اجمل شمس الشتاء الباردة، أشبه بمصباح معلق يضئ أتربة الشوارع المتصالحة مع هذا الفصل، تغفو على جوانب الطرق في سبات منتظرة فصل الصيف وخطوات اللاهثين وعجلات المركبات لإيقاظها وجعلها تتراقص في الهواء، تسحبها خراطيم الوجوه المتعرقة لتبصقها من جديد عائدة بها إلى الأرض، أشبه بدورة حياة شوارع بغداد.

أجلس في باب المنزل أراقب المارين غير الآبهين بجلوسي على القطعة الاسمنتية أمام الدار، سوى أطفال ترمقني بعدوانية تارة وبخوف تارة أخرى، يسيرون حاملين حقائبهم المدرسية أو ماسكين بدراهمهم، ذاهبين صوب الدكاكين لشراء بعض الحلوى أو المرطبات.

كان دوامي في المدرسة ضمن الوجبة الصباحية، أعود من المدرسة راميا حقيبتي ما استطعت من قوة، أرمي بعدها ملابسي وحذائي، كي ابحث عنهم في اليوم التالي، أكل حساء الدجاج مع الرز، وجبة أشبه بداومي، كل يوم أرى نفس الدجاجة تسبح بين عصايا نومي بصرة وبعض البصيلات، في بركة صفراء تعلوها طبقة دهنية، مثل بقعة زيت أصابت كبد البحر، بعدها أذهب للجلوس في باب المنزل، بانتظار تجمع الصبية بكراتهم الزجاجية وبيجاماتهم ذوات الجيوب الدفينة، حاملة في طياتها الكرات الزجاجية أو ما يعرف بالدعابل. وفي فترة انتظاري تلك، أراقب كل شاردة وواردة في زقاقنا الذي بات عمره اليوم ما يقارب الستين عامًا.

في أيام شهر كانون الأول من العام 1983، وفي أثناء جلوسي المعتاد على قطعتي الأسمنتية أمام الدار، كنت أشاهد شابا طويلاً، يرتدي البدلة العسكرية الخاكي، ويضع قلنسوة فوق رأسه وليست البيريه المعتاد رؤيتها فوق رؤوس الجنود، عرفت بعدها أن هؤلاء كانوا من صنف القوات الخاصة، كان هذا الشاب الصامت في سيره ونظراته يختصر الطريق نحو منزله من خلال عبور الساحة الواقعة أمام منزلي باتجاه بيته الذي يقع في الزقاق الثاني، سرعان ما تخرج طفلة راكضة من منزلها نحوه، قافزة في الهواء ليلتقطها ويدور بها حول نفسه بمشهد راقص، لاح لي أن هذه الطفلة هي نفسها من تجلس بجانبي على المقعد في المدرسة، كنا حينها في الصف الثاني الشعبة ب، أنها نفسها ليلى درويش، هكذا اتذكر إسمها جيدا، لم أكن أعرف أنها تسكن في ذلك المنزل الذي يطل علينا من وراء الساحة ببابه الخلفي. ويبدو أن في ليلى صفات الوالد الطويل المفتول العضلات، إذ كانت بنتا شرسة واخافها، كيف لا وهي تحتمي بأبيها المقاتل في صنف القوات الخاصة، ذلك الصنف الذي لا يقبل فيه إلا من كان عريض المنكبين، قبل أن تنقرض المناكب العريضة بعد مرور ثلاث سنوات على بدء الحرب، ليضحى هذا الصنف لا يفرق بين طويل وقصير، فالكل وقود تكفي لإبقاء نار الحرب مشتعلة.

 كان يأتي بحدود الساعة الثالثة ظهرا، في مشهد بات مألوفا لدي، ليلى درويش تنظر ابيها قرب الباب، ما أن تلوح لها قامته، حتى تهرع مقبلة عليه قافزة على صدره، ليحتضنها ويشمها.

هذه الوداعة والشوق في لقاء الوالد، لم اكن اشاهدها في ليلى درويش عندما تكون قربي في الدرس، حتى كنت أشك أنها نفسها تلك البنت التي تستقبل والدها، كانت تصرخ بي كي أفسح لها مجال للمرور إلى مقعدها قرب الحائط، لم أكن أجرؤ على القول إنني أسكن بقربك يا ليلى، أشعر أن لديها شيئا ثمينا يغنيها عن اللعب ومجاراة الأطفال، بل هي أقرب إلى الغرور والتباهي، لذلك لا تكلم أحدا في الشعبة.

استمريت في جلوسي المعتاد، واستمرت ليلى بعناق أبيها، يعود بها إلى المنزل بعد هروبها من أمها للقاء درويش، حينما تعانق والدها وتضع رأسها على كتفه، لا تكلف نفسها حتى رفع بصرها باتجاهي، فأنا أقرب إلى العدم في نظر ليلى عند هذا اللقاء العناقي. كان شعرها أشبه بشعر الصينين، اسودا ناعما وقصيرا، مدورة الوجه، سمراء، ترتدي الصدرية الزرقاء والقميص الأبيض في المدرسة، وثوبها ذو الأزهار في لحظات اللقاء، لم أرها في الشارع يوما سوى في لحظات استقبالها لوالدها، ولا أعرف ما إذا كانت تسكن في ذلك المنزل المتنحي جانبا عن قطعة الأرض الفارغة قد أعد خصيصا لتصوير مشهد استقبال ليلى درويش بوالدها. أما أن تلك قطعة الأرض الفارغة ابت أن يبنى عليها بيتا ما دامت تطأها أقدام ليلى.

مرت الأيام وصرت لا آبه بلقاءات ليلى بدرويشها، حتى شعرت أن اللقاءات انتهت، لكن كيف لي سؤال ليلى عن ذلك، وأنا أخشى من ردود أفعالها، لا أتذكر أن كانت تتكلم معي أصلا، فليس من موقف لي معها استطيع روايته، الأمر الذي دفع بي إلى سؤال اخي الكبير، الذي بات عمره في ذلك الوقت يؤهله لدخول الخدمة العسكرية، واتضح أنه يعرف درويش كشخص بنى منذ فترة قليلة ذلك المنزل الصغير، ويخدم الآن عسكريا في صنف القوات الخاصة، أما مجيئه اليومي لمنزله، فكان بسبب انخراطه في دورة تدريبية ببغداد.

لم أرَ مشهد العناق أمامي طيلة فترة ما بعد امتحانات نصف السنة، إلى أن جاء يوما من أيام آذار من العام نفسه، اجلس كعادتي بانتظار تجمع أطفال الزقاق، ماسكا كراتي الزجاجية، أتأمل فيهم وأفرز الجديد عن القديم المليء بالحفر والأخاديد بفعل منازلات الدعابل، وضربات الاطفال القاسية عندما يرمون كرتهم الزجاجية كي تصطدم بكرة المنافس، محاولين ليس فقط كسب الجولة، وإنما كسر كرة الخصم الزجاجية إمعانا بتأكيد النصر واذلال خصومهم أمام بقية الأطفال. لم يكن في زقاقي لاعب كرات زجاجية محترف، كنا أشبه بهواة، نخشى الهزيمة ونلعب على قدر الحال، آما الدهاة أشباه قادة المافيات في لعب هذه الكرات، فهم يأتون من أزقة أخرى، نخشى اللعب ودخول المنافسة معهم، وإن تجرأت أنا أو أحد رفاقي في الزقاق في منازلتهم، خرجنا وجيبنا السري في البيجاما خالي الوفاض، وعيوننا مليئة بالدموع.وبينما أنا جالس لاحظت سيارة نوع تويوتا تاكسي تحمل على ظهرها نعش مغطى بالعلم العراقي، مرت متخطية زقاقي، وهو أمر اعدت مشاهدته في فترة الثمانينات .عدت لكراتي الزجاجية انظر إليها حتى سمعت جلبة وصراخ وعويل ليس ببعيد، هرعت يدفعني الفضول إلى مصدر هذه الجلبة، فوجدت جمهرة من الناس تقف بالقرب من دار درويش من جهة الباب الرئيسي للبيت وليس الباب الخلفي المطل على زقاقنا، اقتربت من الحشد فرأيت ليلى بثوبها الزهري تحتضن نعش درويش وتبكي بصوت أشبه ببكاء طفل فقد لعبته الأثيرة، لم تجلب انتباهي عويل وصراخ النسوة الناثرات شعورهن بقدر بكاء ليلى الذي كان خارج إيقاع العويل، فقد فاجأها درويش وجاء من الباب الرئيسي وليس من خلف المنزل متسللا للقاء ليلى، كنت طفلًا لا يفقه هذه الصورة الدراماتيكية، كل ما هنالك تطابقت صورة الاحتضان في مشهدين مختلفين، قد يكون السبب فيهما أن درويش أخطأ المجئ من طريقه المعتاد، ولربما كان يكره الدخول من الباب الرئيسي، فبابه أوسع مما يتطلبه جسده، أو أن ليلى لم تعد تنتظره عند الباب الخلفي، لذا اضطر الدخول من باب المنزل الرئيسي، عدت أفكر كيف سأتحدث مع ليلى في المدرسة عن هذا المشهد، ولا أعرف إن كانت لدي نشوة وجود موضوع استطيع من خلاله التحدث مع ليلى.

مرت عدة أيام ولم تأت ليلى إلى المدرسة، ولم أشاهدها قرب منزلها، حتى تم نقلي مع مجموعة كبيرة من التلاميذ إلى مدرسة جديدة، وأيضا لم تكن ليلى بيننا.عدت للجلوس على مصطبتي الاسمنتية بعد إكمال الامتحانات، شاهدت أناس جدد يسكنون بيت ليلى بعد أن غاب عنها درويش، وبغيابه بدء ناس آخرون يبنون منزلا فوق مكان عناق ليلى بأبيها درويش، ليغيب منزل ليلى تماما عن عيني وتبقى صورة ليلى معلقة بأبيها.

مشاركة