ليس هكذا يكتب التاريخ – مليح صالح شكر

 

 

ليس هكذا يكتب التاريخ – مليح صالح شكر

تزدحم الثقافة العراقية منذ عام الاحتلال في 2003 بأسماء يصنف أصحابها أنفسهم بصفات لا اساس لها في التقاليد الثقافية  ولا في دراسة التاريخ..

وكل المؤرخين الذين اتفقت المصادر على اعتبارهم مؤرخين ، لم يكن كاتب سيرة لأن كتاب السيرة صنف من الباحثين الذين ينغمسون في سيرة شخص ما من التاريخ القريب أو البعيد ، مع أن ما طلع علينا في السنوات الاخيرة هو أن كل تلك المراجعات لحياة شخصيات معينة لم يمضي عليها الا بضع سنوات ، كنا نحن جميعا كتاباً وقراء قد عاصرنا عصرهم!  أذاً ، هي شخصيات معاصرة!

أقول ، أن يكتب كاتب ما سيرة أحد السياسيين أو الأدباء أو غيرهم ، لا يعني أطلاقاً أنه أصبح مؤرخاً ، وقد تناسل عدد هؤلاء بشكل مُلفت للنظر دون أن يتدخل أهل التاريخ لتصحيح المسار ، أو أنها جزء من الفلتان الذي عّم العراق بعد كارثة الاحتلال الأمريكي ومخلفاته، وحتى يومنا  الراهن .

وهكذا انهمرت على المواطن  وعلينا زخات من المقالات والكتب إتكأت على عكاز الموقف السلبي من الاحداث ، والرغبة في الثأر من نظام حكم سابق كانت تلك الشخصيات من رجاله أو من ضحاياه.

تصر البحوث الأكاديمية التي تتحدث عن صفات المؤرخ وشروط اعتباره مؤرخاً على التحلي بالموضوعية ، والتجرد من الاهواء والميول الشخصية ، وبأستقلال موقفه وعدم الاستسلام الكامل لما يسمعه ويطلع عليه من أوراق ووثائق ، وعليه أن يخضع كل ذلك لميزان نقدي .

نسب بعض الصحفيين المصريين في سنوات ماضية أحداثاً معينة لقادة سياسيين وزملائهم ، وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر هنا مثالاً ، ولم يتسن معرفة صحة ذلك، لأنهما قد توفيا منذ بعض الوقت ، علماً بأن من كتب عن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر لم يقل عن نفسه انه مؤرخاً.

لكن سنوات العراق ما بعد الاحتلال الامريكي عام 2003 شهدت فلتاناً في إطلاق كتاب او متابعون او غيرهم صفة مؤرخ على أنفسهم ، ولم يكونوا من دارسي التاريخ ولا علم الاجتماع، وفِي أحيان أخرى لم يكونوا شهوداً على الأحداث ، كما هو الحال مع شهود التاريخ وتحليل احداثه .

محركات بحث

والعجيب أن جامعات عراقية منحت شهادات ماجستير لطلبة  كانت مراجعتي الخاصة لأطروحاتهم قد اثبتت ان اكثر من سبعين بالمائة من مادتها هي من محركات البحث الإلكترونية مثل غوغل وغيره ، والعتب على المشرفين على هذه البحوث .

ومن هذه الدراسات إن صح اعتبارها دراسات شهادة ماجستير عن جريدة عراقية صدرت لأشهر قليلة فقط خارج حدود العراق الجغرافية ، وماتت، وأستند بحث الماجستير عنها بشكل مفرط على مادة نشرها غوغل فقط.، ولدي نصها الكامل، مع الكثير من المعلومات الخاطئة التي يخزنها غوغل عن بعض الاحداث والشخصيات.

لا يدرس التاريخ عفوياً ولا يكتب اعتباطاً، وكما تؤكد جامعة عين شمس المصرية ، ليس كل من يحاول الكتابة فى التاريخ يصبح مؤرخاً، كما يتصور بعض الناس ، أو كما يتخيلون ،حينما يسطرون صفحات طويلة عن حوادث معاصرة ، ويعتقدون بذلك أنهم يكتبون تاريخاً ، ودارت لهم المطابع ، وملأت كتاباتهم رفوف المكتبات !

فلابد من أن يتوفر فى المؤرخ الصفات الضرورية وأن تتحقق له الظروف التى تجعله قادراً على دراسة التاريخ وكتابته .وفِي دليل جامعة عين شمس إشارات واضحة جداً للصفات التي يجب أن تتوفر في الشخص لكي يمكن أطلاق صفة مؤرخ عليه. ففي الفقرة الرابعة من أصل تسع صفات للمؤرخ ، تقول الجامعة :

(( على المؤرخ أن يكون أميناً مخلصاً، فلا يكذب ، ولا ينتحل ، ولا ينافق أصحاب الجاه والسلطان ، ولا يخفى الوقائع والحقائق التى قد لا يعرفها غيره فى بعض الأحيان ، والتى قد لا ترضيه أو ترضى قومه، ومن يخرج عن ذلك لا يمكن أن يعد مؤرخا. ولا ريب أن الكشف عن عيوب الماضى وأخطائه تفيد إلى حد كبير فى السعى إلى تجنب عوامل الخطأ فى الحاضر، وعدم الكشف عنها يعد تضليلاً وبعداَ عن التبصر والمصلحةالوطنية. وقد يكون إخفاء الحقيقة التاريخية عملاً وطنياً فى بعض الظروف ، كما تفعل كل الأمم ، ولكن لابد من ظهور الحقيقة بعد زوال الضرورة التى دعت لإخفائها، حتى يمكن استخلاص أكبر قسط من الحقيقةالتاريخية .ولا يمكن أن يكتب التاريخ بغير التوصل إلى الحقيقة الصحيحة)). انتهى الاقتباس.

أما الفقرة الثامنة فتنص :(( ومن الصفات الأساسية فى المؤرخ عدم التحيز . فعليه أن يحررنفسه بقدر المستطاع من الميل والإعجاب لعصر خاص أو لناحية تاريخية معينة )).

وهكذا ، نجد أن هنالك مسافة واسعة بين المؤرخ وبين كاتب سياسي تستهويه حادثة تاريخية ما فيكتب عنها ليجد أنه قد أصبح ينادي نفسه ( مؤرخاً ) وهو ليس كذلك! وكل ما قام به هو اقتباس نصوص فقرات من عدة مصادر وبحوث ليصنفها فيما بعد بأنها سيرة تلك الشخصية ، ويتغنى بصفة لا يستحقها وهو لم يكتب سوى في سيرة شخصية  ، مثل سيرة جمال عبد الناصر وسيرة أحمد حسن البكر أو سيرة رجال سياسة في مصر او العراق او سوريا وغيرها من البلدان الاخرى، ،حتى أن حادثة عابرة لنوري السعيد او عبد الكريم قاسم او صدام حسين ، يحسبها البعض بأنها يمكن أن تضفي عليهم صفة مؤرخ ، بينما بعض تلك الحوادث العابرة لم تكن سوى حكايات مقهى لا أساس لها من الصحة، ولم يوثقها الرجال الذين أرخوا فعلاً حقب الحكم التي أدارها أؤلئك القادة السياسيون.

دليل جامعة

ويلزم للمؤرخ أن تتوفر له القدرة على النقد ، ومرة ثانية وفقاً لدليل جامعة عين شمس ، فلا يجوز له ان يقبل كل كلام أو يصدق كل وثيقة أو مصدر بغير الدرس والفحص والأستقراء ، فيأخذ الصدق أو أقرب ما يكون اليه، ويطرح جانباً ما ليس ذلك .

واذا فقد المؤرخ ملكة النقد سقطت عنه صفته، وأصبح مجرد شخص يحكى كل ما يبلغه على انه حقيقة واقعة. وأخيراً أقول ،  لم يصنف أياً من الدكتور علي الوردي في دراسته لطبيعة المجتمع العراقي  وعبد الرزاق الحسني في موسوعته عن تاريخ الوزارات العراقية، وعباس العزاوي في موسوعته عن تاريخ عشائر العراق، نفسه بأنه مؤرخ  للمجتمع أو للسياسة او للعشائر ،بل تلك صفة اطلقتها الدراسات عليهم .وهكذا كان الدكتور عبد العزيز الدوري ،والدكتور عبد الله سلوم السامرائي ،  والدكتور فيصل السامر ، والكثير غيرهم من العراقيين والعرب ، ناهيك عن العشرات من الزملاء المختصون بالتاريخ حملة شهادة الدكتوراه من الجامعات البريطانية والسوفيتية والامريكية  والمصرية والعراقية ولم يصنف أحداً منهم  نفسه مؤرخاً.وينبغي للمؤرخ أن يكون صاحب إحساس وذوق وعاطفة وتسامح وخيال ايجابي ، بالقدر الذى يتيح له أن يدرك آراءالغير ونوازع الآخرين . وبذلك يمكنه أن يتلمس أخبار الاسكندر، وقيصر ، وعمر بن الخطاب ، وصلاح الدين الايوبى ، وابن رشد ، وميكل أنجلو ، وباخ ، ولويس الرابع عشر ، ونابليون ، وأحمد عرابى.وكذلك يمكنه أن يلتمس أخبار نوري السعيد ،وفيصل الأول ،وجمال عبد الناصر، وأحمد حسن البكر، وهواري بومدين،وصدام حسين، وغيرهم.

{  صحفي متقاعد

مشاركة