ليس جبار أبو الشربت – جليل وادي

433

كلام أبيض

ليس جبار أبو الشربت – جليل وادي

قالت شهرزاد للملك شهريار بعد أن تمنت على الله تعالى أن يمده بالعمر المديد ، ويجّمله بالرأي السديد: يا أيها الملك السعيد عاد جبار لزوجته مهموم القلب مكسور الخاطر ، فقاطعها الملك ، أتقصدين جبار أبو الشربت ؟، فقالت: لا يا مولاي ، جبار الذي أرغب برواية ما حدث له مؤخرا أحد الرجال الأخيار، وتكن له الناس كل اجلال واكبار ، ليس لشخصه على ما فيه من خصال حسان ، بل لعلمه الغزير ، واخلاصه لوطنه الكبير، وهو صاحب القول الشهير ( ان حب الأوطان راسخ في الوجدان ) ، لكنه مرهون بالحقوق التي يحصل عليها الانسان ، فلا تظن بمن لا يملك بيتا ان يبقى صامدا طوال الدهر والزمان ، فلكل صبر حد ، مهما طال وامتد ، ويحفظ الناس له من الأقوال ان ( الاخلاص في العمل باب من أبواب الرزق ) ، فقاطعها الملك وقد بدا عليه بعض الملل: أوجزي ، ماذا جرى لجبار ؟ فقالت : جبار يا مولاي سأله أحد أصدقائه : لم لا ترشح نفسك لهذا المنصب وانت أكثر مستحقيه ،وأقدر من غيرك عليه، وعملت فيما هو أصعب منه ، فأجابه : كيف أرشح نفسي ، ألا يعرف أصحاب القرار مكانتي وحصيلتي ؟ لا يا أخي : انهم يعرفون ذلك ولا يجهلونه ،لكنهم لا يريدونه ، ولو أرادوا لفعلوا ، وليسوا بغافلين عني وأمثالي ، فدعني وحالي ، أبعدني الله عمن لا هم لهم سوى حوك المؤامرات ، فشغفهم بالمناصب لا يدانيه شغف ، فهم كالسمك ان غادروا ماء المناصب يموتون، ولهم الحق ، فان غادروها لا أحد يقول لهم ( صبحكم او مساكم الله بالخير ) ، فلم يتمكنوا بالعلم والسلوك ان يحققوا تقديرا لذواتهم ، فيستعيضون عن ذلك بما تتيحه المناصب من سلطة ،وبها يتحكمون بالرعية ،مع ان الرعية لا تكن كبير احترام في دواخلها لمن اعتلاها دون كفاءة ، ولكنهم مضطرون لديمومة قوت عيالهم ان ينحنوا لهم ويبتسمون في وجوههم ، ويوهمونهم بأن لا أحد قبلهم او بعدهم ،فكيف تريد لهؤلاء أن يقربون من يفضح وجوده ما فيهم من نواقص ، والحال هذا لا يمكن ان ينجح المبدعون ،مع ان البلدان لا ترتقي بغيرهم ، وتأكد من دون أن يراودك شك ، بأننا على الحال باقون ، وفي طريق التراجع سائرون ، في هذه الأثناء بدا النعاس على شهريار ، وبصوت هامس قال : ليس في حكايتك ما يثير يا شهرزاد ، فكثيرا ما تلوك وسائل الاعلام مثل هذا الكلام ، فردت بتغنج الحسان على الملك النعسان ، لا يا مولاي : الجديد ان جبار دعي لمؤتمر رفيع في أحد البلدان المعروفة بتقدمها ،فسرته الدعوة ومن الفجر حزم حقائبه وتوجه الى المطار ، وكان أول المسافرين حضورا ،فاستكمل كل الاجراءات وحسب الأصول على ما في اجراءاتنا من تدقيق تستخدم فيه أحدث التقنيات من حاسبات وكاميرات وغيرها مما تعرف يا مولاي ، لكن ما لم يضعه جبار بالحسبان، وهو المعروف عنه الالتزام بالضوابط والتعليمات، فقاطعها الملك غاضبا ، اختصري يا شهرزاد ،فالملل بات يسري من أطرافي حتى هامتي ، يا مولاي عندما وصل جبار الى مطار تلك البلاد ،أخبره أمن المطار المسؤول عن التأشيرة (الفيزة) بتعذر دخوله للبلد ،والسبب ان حكومة العراق أعلمتهم بأن جوازه غير شرعي ، فلطم جبار على رأسه صارخا : وكيف خرجت من بلادي اذا ، وسرعان ما نقلوا جبار الى غرفة الحجز ليقضي فيها يوما كاملا متكورا في زاوية ضيقة ، وكأنه داعشي مقبوض عليه ،بانتظار الطائر الأخضر ليعود الى العراق مخفورا ، متكبدا أموال طائلة، من تذاكر الذهاب والاياب واجور الفندق المدفوعة مسبقا ، وغرامات تقديم موعد الرحلة ، لكن قلقا جديدا انتابه من أن تحدث له مشكلة اخرى في مطارنا عند تأشيرة العودة ، لكن ذلك لم يحدث بالرغم من تصوير جوازه وتدقيقه ، أسمعت يا مولاي بمثل هذا المفارقة ؟ فجفلت شهرزاد عندما شخر الملك فجأة ، فابتسمت وسكتت عن كلامها المباح.

ديالى

مشاركة