ليس بالاعمار تقاس الأدوار – طالب سعدون

403

نبض القلم

ليس بالاعمار تقاس الأدوار – طالب سعدون

الدهشة تعلو محياه ، والاعجاب يتملكه ،  وهو يتابع ذلك الشاب العشريني  – كما يبدو من ملامحه – وينصت الى حديثه باهتمام  شديد ، وكأنه في محاضرة خاصة على الهواء  يلقيها متخصص ،  أو موسوعي عن السياسة والقانون والحقوق والوطن والوطنية والمواطنة وتجارب الانسانية ، وكل ما له صلة بهموم وطنه وتطلعات شعبه ، وهو في تلك  السن اليافعة ..

لا تعجب من ذلك الشاب ، بل من تلك الثورة  الرقمية – العلمية – التكنلوجية  فقد غيرت الحياة ، وموازين التقويم ، وقلصت المسافات بين الاعمار،  والثقافات ، وجعلت الخبرة والتميز للعلم  والكفاءة ، وليس العمر  ..

جعله ذلك الشاب العشريني  في وضع عليه أن يغير قناعته في مقولة عاشت  معه طويلا  (أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة) ، ويزداد يقينا باخرى (أنه خلق لزمان غير زماننا) .

ذلك الشاب من جيل شهد ولادة منصات التواصل الاجتماعي والانترنيت ، ويحمل الهاتف الذكي النقال .. جيل لا يعرف الحدود  الجغرافية والمعرفية ، فقد أصبح  العالم في قبضة يده ،  يعرف عنه كل شيء  .. يدخل  الى ما شاء من المواقع  بما في ذلك خاصة بالرؤساء ، بدون قيد او شروط..لا يحتاج الى وسيط ، ولا يقبل الوصاية ما دام كل شيء متاح أمامه (بضغة) على (الماوتس) ليعرف كل ما يريد ..  يستمع  لغيره ،  ويسمعه الأخر ، ويدخل في حوارات  ويتبادل مع غيره الاراء  بحرية دون رقيب ، ويصل رأيه الى الالاف ممن يدخلون على صفحته الخاصة  من جنسيات العالم  المختلفة ، ويوصل اليهم ما يريد ..

هذا هو الانترنيت  .. جعل الشباب والصغار بما في ذلك الاطفال ، يقتحمون عالم الكبار بوقت مبكر جدا ..

جيل …يعرف كل شيء عن العالم  وما يحصل فيه من تطور وأحداث  .. جيل طبيعته الحركة والتنقل ، ترده المعلومة أولا بأول  فمن باب أولى  أن يعرف ما يدور في بلاده .. يقرأ ويسمع  مثلا عن المليارات التي ضاعت في الفساد ، ولا يجد أمامه من يحاسب على ضياعها ..؟..  يرى حركة العالم في تطور متسارع ،  فيما تعود بلاده الى الوراء .. اسئلة كثيرة ترددت منذ سنوات طويلة ، ولم يسمع إجابات عنها من المعنيين ، جعلته يصاب بالاحباط واليأس من أن تجد بلاده فرصتها بين البلدان المتقدمة ..

جيل … له معتقداته الخاصة ، وشخصيته المستقلة .. يتفاعل مع الاحداث .. يؤثر ويتأثر بها ، فمن باب أولى يكون له تأثيره في بلاده ..

جيل  .. يرى  أنه حان الوقت ليأخذ  فرصته في تقدم الامة ليكون لها موقعا مناسبا تحت الشمس ، وهو أهل لها  ..

جيل متحرر من العقد النفسية ، له ثقة عالية بقدراته .. وله القدرة  على التغيير  ، لا يخاف او يتهيب من أي شخص ، ولا يتحرج من طرح ما لديه من اسئلة على من يكن أمامه ، مهما كان منصبه ، لانه يبحث عن المعلومة والحقيقة .

شباب  ..  لم تلوثهم المصالح ، ولن تغريهم المناصب ، ولا يأخذهم الطمع والاستئثار والانانية  ليطالبوا براتب مقابل (عملهم في السياسة) .. لان السياسة عمل تطوعي ، وليس منة ، أو بتكليف غير الدافع الوطني ورغبة ذاتية  في التميز في العطاء الذي  يصل الى حد التضحية بالروح ، وليس بما يتقاضى من مكاسب وماديات لا يحصل عليها غيره ..

لشيوخ السياسة ما لهم وعليهم ما عليهم  ، وحان الوقت  ان يدركوا تلك الحقيقية عن هذا الجيل ، فقد  مكن  الانترنيت  الشباب  ليس فقط من معرفة  ما يريدون ،  ويتعلمون ذاتيا ، بل أن يعلموا الاجيال التي سبقتهم فنون التقنيات والتكنلوجيا التي كانوا يفتقرون اليها ..

الانترنيت اصبح مدرسة مفتوحة لكل المستويات والاجيال .. وجعل العالم ليس قرية صغيرة بل غرفة من بيت .. (بضغطة واحدة) على (الماوتس) يمكن له أن يخترق الحدود ، واقوى الدفاعات ليصل الى الهدف  ويحصل على ما يريد من علم ومعلومات قد تكون استغرقت عند الاجيال السابقة عقودا من الجد والمتابعة والقراءة والبحث والاستقصاء والسفر ..

كل سؤال يخطر في البال يجد جوابه في المحرك غوغول .. ويشاهد فيه  ما شاء له الوقت من افلام ومسلسلات وتقارير خلاف حال الاجيال السابقة التي لم يكن امامها غير شاشة التلفزيونات الارضية والوسائل التقنية البسيطة ، ويقرا ما استطاع واسعفه وقته  من كتب ودراسات وبحوث وتحميلها دون ان تكلفه شيئا والدخول الى مواقع الجامعات والكليات ومراكز البحوث والمجلات والصحف ..

لذلك …

لا تستغرب عندما يتحدث شاب بعمر غض عن الدستور وحقوق المواطن والوطن وتجارب دول العالم في النزاهة والفساد والتقدم والعلم والتعليم والصحة والتكنلوجيا ، ويتطلع لتكون بلاده في خانة أحسنها ، ويفرض من الشروط  على الحكومة ما يراها متوافقة مع المنطق والقانون  .. فالانترنيت  ووسائل التواصل المختلفة والفضاء المفتوح  لم تختصر المسافات الجغرافية وانما المسافات الزمنية وردم هوة التباين بين الكبار والصغار في العلم والثقافة والنضوج والتنوع في المعارف المختلفة والاستفادة منها ..

جيل ..  نشأ على التكنلوجيا التي لا تؤمن بالايقاع البطيء والرتابة والتخلف والتسويف  وتساعده  في أن يقطع المسافة باقصر مما يتصور أسلافه .. جيل أطلق عليه المتخصصون (الجيل التكنلوجي الرقمي) .. جيل (انغمس في استخدام التكنلوجيا الرقمية في مختلف شؤون حياته) .. جيل لا يحسب بسنوات العمر ، بل تدخل التكنلوجيا في حسابه وتوصيفه وفي هواياته  .

هؤلاء هم الجيل العراقي  الجديد  .. جيل ساحات التحرير والحبوبي والتربية وام البروم  وكل ساحات الاعتصام الثائرة ..  جيل أدخل الامل ورسم الفرحة على وجوه العراقيين في انتفاضته الباسلة ، بدون أيدلوجيات او تنظيمات خارجية تفسد عليه تجانسه  وتنوعه ، واللقاء على هدفه  (اريد وطنا)   .. جيل يطالب بحق الوطن في التقدم والنهوض والعيش بكرامة  ، ولديه الاصرار والعزيمة والمطاولة والتحدي للوصول الى ذلك الهدف ..  جيل هو  الاقدر على فهم الحياة المعاصرة  والتواصل مع العالم بكل قاراته ..جيل لا تعجب من علمه وثقافته وثورته .

{ { { {

إنصاف المتقاعد

يدور الحديث الان حول تعديل قانون التقاعد وإنصاف هذه الشريحة الكريمة ضمن مطلب جماهيري وطني عام يتردد صداه ليس في وسط هذا الشريحة ووسائل الاعلام فقط ، بل في  الحراك الشعبي وساحات الاعتصام يتلخص بتوفير حياة كريمة للعراقيين ومستوى معيشة لائق يناسب ما تزخر به بلادهم من ثروات  وخيرات يمكن أن تعرف كم هي كبيرة من نسبة رواتب وامتيازات الرئاسات والدرجات الخاصة ، بما فيهم النواب ، وكم كانت تشكل نسبتها من الموازنة العامة على مدى الاعوام الماضية  ، ويُعد  قرار خفض رواتب الرئاسات والدرجات الخاصة بنسبة 50 بالمائة إعترافا صريحا بمستوى الانفاق غير المبرر على هذه الطبقة  والهدر الاقتصادي  وحالة التفاوت بينها وبين عموم  الشعب ، وخاصة شريحة الموظفين والمتقاعدين ..

إن ما يطرح الان عن مقدار الحد الادنى لراتب المتقاعد (600 الف دينار) لا يتناسب  مع مستوى التضخم والاسعار وتكاليف المعيشة الباهظة ، ولا يلبي حاجة المتقاعد خاصة من هو بعمر متقدم ،  أو يعاني من مرض ، حيث تذهب نسبة  كبيرة من راتبه الى الانفاق على صحته وتوفير الادوية والعلاجات مما يؤثر على أبواب أخرى مهمة في ميزانية الاسرة ..

في دعواتها  لتحسين وضع المتقاعد العراقي وزيادة راتبه قارنت وسائل التواصل الاجتماعي وضعه مع المتقاعد في بلدان اخرى منها بليجكا مثلا  لتعرف كم هو الفرق كبير بينهما .. فعندما يصبح عمر الانسان في بلجيكا 65 سنة ترسل له دائرة التقاعد رسالة تخبره فيها بانه أصبح متقاعدا ، وعليه ارسال رقم حسابه البنكي لتحويل راتبه وفي حالة وجود مشكلة لديه يمكنه  الاتصال  بالرقم (كذا) لتحديد موعد مقابلة بشأنها .. ناهيك عن إمتيازات كثيرة  اخرى منها تخصيص دعم شهري لايجار السكن ،  وبإمكانه أن يطلب تخصيص سكن له من الضمان الاجتماعي بسعر رمزي اضافة الى تخفيض اجور الكهرباء والمواصلات وضمان صحي  شبه مجاني ومتابعة مستمرة لوضعه الصحي حيث  تصله  كل شهر رسالة تتضمن دعوته الى إجراء الفحص الدوري ومظروف فيه مستلزمات فحوص معينة يعيدها عبر البريد مجانا  ويتسلم الجواب ايضا ، وبامكانه مراجعة طبيب الاسنان بتكاليف شبه مجانية ويلزم بمراجعة طبيب الاسنان وفي حالة عدم مراجعته  خلال سنة تأتيه غرامة مالية ..

 المتقاعد العراقي يسأل أين هو من هذا الوفاء والنعيم والاهتمام لاقرانه في دول العالم  ؟.. ان  متطلبات  الحياة للمتقاعد واسرته ، وخاصة الصحية  تجعل مقترح زيادة  الحد الادنى في تعديل قانون التقاعد الموحد  الى  600 الف دينار  قليلة ولا تفي بغرض تحسين مستوى معيشة هذه الشريحة  المهمة ولا بد من إنصافها كأن يكون الحد الادنى  900 الف دينار مثلا   لكي تعيش حياة كريمة  وسعيدة  وتشعر بالوفاء والعرفان بدورها ..

                      { { { {

كلام مفيد :

الوطن : اجمل قصيدة شعر في ديوان الكون ..

مشاركة