ليست مؤامرة .. ورب الراقصات – منقذ داغر

ليست مؤامرة .. ورب الراقصات – منقذ داغر

مثل الجميع،أهتمُ بما يجري في افغانستان وانعكاساته على العراق،لكني لست مثل الأغلبية التي تراها مؤامرة أمريكية لتوريط دول الجوار الأفغاني للحصول على ما يعتقده البعض مكاسب جيو ستراتيجية كبيرة،رغم اني لا انكر ان أميركا قد تستفيد من ذلك في جوانب معينة.

بالنسبة لي فان الامر معكوس.بمعنى أني سأعدُّ ما حصل(سقوط أفغانستان مرة أخرى بيد طالبان الأرهاب)هو الطبيعي،وعدم حصول ذلك هو المؤامرة على قوانين التغالب الاجتماعي والسياسي كما كتبها ابن خلدون وأكد عليها معظم علماء السياسة الذين قرأتُ لهم. السياسة مثل الاقتصاد محكومة بعوامل وقوانين طبيعية،رغم انها ليست جامدة ويصعب التحكم بها. أهم تلك القوانين،ان الدول تسقط لضعفٍ يصيبها،ونخرٍ يتمكن من هيكلها،ووهنٍ يصيب كل مفاصلها ووظائفها فيجعلها أشبه بجبل الجليد الذي يبدو جباراً لكنه قد ذاب من الداخل ثم ينهار في لحظة لم يعد فيها قادراً على التماسك تاركاً أثراً هائلاً في من ينظر له!لم تكتفِ أميركا بغزو افغانستان في 2001 بعد احداث سبتمبر،بل صممت وبَنَت -كما فعلت في العراق-نظاماً سياسياً بمدخلات امريكية،وتفاعلات افغانية فانتجت نظاماً لا هو أمريكي ولا هو أفغاني ولا حتى بين البينين.

لذلك فقد انتج هذا النظام قصة فشل كبرى-كما حصل عندنا- وحوّل افغانستان من دولة ارهابية الى دولة فاشلة وارهابية! ولمدة طويلة حاول الاميركان اصلاح الوضع الفاسد والمحاصصي لكن قوانين الواقع كانت اقوى من التخطيط الافتراضي.

قبل أسبوعين تقريباً كنت في واشنطن وناقشت ما يحصل في افغانستان مع عدد من الباحثين المهمين وحتى مع بعض صناع القرار. والخلاصة التي خرجتُ بها شبيهة بالخلاصة التي كانت عندي بخصوص ماحصل في العراق قبل غزوه 2003 ثم خلال المدة التي أعقبت ذلك،وكم اتمنى ان لا تكون شبيهة بما متوقع للعراق اذا أستمر في نفس النهج الذي سارت فيه أفغانستان.

سقوط النظام

أفغانستان لم تسقط بيد طالبان لان جيشها قليل او ضعيف التسليح والتدريب.أفغانستان سقطت لان نظامها كان ميت سريرياً وتم الابقاء عليه من خلال وسائل التنفس الصناعي الاميركية.

وحينما ادرك الرعاة الرسميين(اميركا اساساً) انه لا يمكن لهذا النظام الذي أنشئوه هم،وانفقوا عليه ودعموه،أن يعيش وانه بات حملاً ثقيلاً على كواهلهم قرروا رفع أجهزة التنفس عنه كي يواجه مصيره، ويتخلصوا من عبئه الذي اثقل كواهلهم. نعم،هناك اعتراف واضح وواسع بين الاميركان،كما هو حالهم مع العراق،انهم خسروا الحرب هناك وفشلوا في تحقيق احلام المحافظين الجدد في نشر(الديموقراطية) كما توهموا في الشرق الاوسط. وبعد عشرين سنة من الخسائر والهزائم،ومع التغير الشديد في المزاج والواقع الاقتصادي والاجتماعي في اميركا،كما عبرت عنه النزعة الترامبية ،والاستقطاب الاجتماعي الداخلي الحاد(انتفاضة فلويد 2020) وصعود الصين كمنافس اقتصادي،وغير ذلك من العوامل اضطر الاميركان ان يقارنوا بين الارباح التي يجنوها من بقاءهم هناك،والخسائر التي يتكبدوها نتيجة استمرارهم في حروبهم المستمرة في افغانستان وسواها والتي لم (ولن) يربحوها!وحين ادركوا حجم الخسائر الاقتصادية والعسكرية والمعنوية التي أنهكتهم وجعلتهم يتراجعون في سباق التفوق العالمي أختاروا الانسحاب معتقدين ان ذلك سيوقف نزيفهم الاستراتيجي!

طبعاً،علينا ان نعي ان الانسحاب الامريكي وإن بدى صادماً لكنه ليس مفاجئاً. لقد كانت البدايات في عهد اوباما،ثم جاء ترامب ليعزز ذات السياسة الرامية لسحب القوات الامريكية من افغانستان والعراق.هنا لا ننسى ان المباحثات مع طالبان امتدت لاكثر من سنة واشتركت فيها امريكا وايران وقطر،وكانت الامم المتحدة والاتحاد الاوربي وحلف الاطلسي على علم بها! مع ذلك فأن ترتيبات الانسحاب التي تم الاتفاق عليها مع طالبان قد تم خرقها،وعدم الالتزام بها،ولذلك حصلت هذه الفوضى وهذا الارتباك.

أميركا لم تنسحب لانها ارادت توريط دول الجوار الافغاني-وهي جميعها ذات علاقة سيئة او عدائية مع امريكا- بل انسحبت لانها خسرت الحرب بمفهومها الشامل وليس العسكري في افغنستان.

وهي وإن لم تعترف رسمياً بهذه الخسارة الا ان تفاوضها مع من تعتبرها منظمة ارهابية وبما يناقض ثوابت السياسة الاميركية ضد الارهاب،هو اعتراف صريح وعملي بالهزيمة.نعم،قد تكون هناك ارباح استراتيجية تجنيها أمريكا من انسحابها نتيجة خلق فوضى تنغمس فيها دول الجوار الافغاني،لكن هذا الاندفاع الطالباني وبهذه الطريقة التي حصل بها سبب وسيسبب  ايضاً الكثير من الخسائر الاستراتيجية الفادحة التي لا يمكن للمخطِطْ الامريكي ان يرضاها مقابل الارباح المحتملة(كما يعتقد البعض)لهذا الانسحاب.

اول واكبر تلك الخسائر،وانا اتابع الصحافة ومراكز الابحاث  الامريكية والعالمية، هو التآكل بل الخسارة الفادحة لمصداقية اميركا وقيادتها العالمية.

اخلاء السفارة

أن صور هروب من ساعد القوات الاميركية من الافغان وكذلك اخلاء السفارة الاميركية وسفارات وجاليات بقية حلفاء اميركا ،والسلاح الاميركي المهان والذي استولت عليه طالبان تمثل صدمة مروعة لصورة اميركا في العالم ،بل وللرأي العام الداخلي قبل ذلك، وتذكرهم بلا شك،بما حصل في ڤيتنام.

لذلك فان ادارة بايدن لو كانت تدرك ما حصل فانها بلا شك ستفكر مئة مرة قبل ان تعلن انسحابها، بخاصة وان الحركة الترامبية قوية وستستثمر ماحصل للنيل من الديموقرطيين ورئيسهم في الانتخابات النصفية القادمة. أما ثاني هذه الخسائر التي لا يمكن لأي امريكي ان يجازف بها-في حالة وجود المؤامرة-فهي احتمالات انتعاش الحركات الجهادية المعادية لاميركا سواء في افغانستان او سواها مما يشكل تهديداً مباشراً للامن القومي الاميركي او لحلفائها،وسترون وتسمعون قريباً كيف يتغير الموقف الامريكي بعد ان يعي صانع القرار حجم الورطة التي ورطه بها مخططو اوباما وترامب ومن أيدهم من مخططي بايدن.

أن وجود دولة فاشلة كافغانستان لا يمكن ان يخدم بالمحصلة الاستراتيجية النهائية المصالح الاميركية. فطالبان حركة جهادية متطرفة تجيد القتال لكنها لا تجيد السلام وادارة الدولة.

وستدرك امريكا عاجلاً وليس آجلاً ان كل ما تفاوضوا واتفقوا عليه مع الحركة لن يتم تنفيذه. وان افغانستان ستكون قاعدة آمنة للارهاب والتطرف الذي سيؤذي بلا شك روسيا وباكستان وايران وحتى الصين،لكن أمريكا لن تكون بمأمن منه.

اما الحديث عن قطع طريق الحرير كسبب للمؤامرة الامريكية الطالبانية المزعومة فهو حديث يفتقر للدلائل العلمية،لا بل ان سيطرة طالبان ستضمن بشكل اكبر تدفق التحارة الصينية مع كل دول المنطقة.

خلاصة القول،فأن ما حصل في أفغانستان يؤكد ما قلتُهُ وكتبتُهُ أكثر من مرة،وهو ان صانع السياسة الخارجية في أميركا ليس ساحراً (كما كنتُ ان على الاقل اعتقد) او قادراً على الالمام بكل المتغيرات، وبالتالي فان لديه خطة(متخُرش الميه) لكل موقف ودولة في العالم.

لا بل انه في كثير من الاحيان يرتكب أخطاء ساذجة وحسابات خاطئة تؤدي الى كوارث ولن تكون افغانستان آخر هذه الاخطاء. الانسحاب الاميركي من افغانستان كان لا بد ان يجري في يوم ما،لكن توقيته وطريقة اخراجه كان خطئاً استراتيجياً سيقود أمريكا الى ذات

الاستنتاج الذي وصلت له عندما تركت العراق في 2011 وسترون قريباً كيف يتبدل كل المشهد السياسي والاستراتيجي بما يجعل أميركا تغير سياستها لا في افغانستان حسب بل في كل المنطقة.

مشاركة