ليالي شعلان الثلاث – عقيل عبدالله

462

قصتان قصيرتان

ليالي شعلان الثلاث – عقيل عبدالله

   كان مساءً دافئا حين مرّ القاطن الجديد أمام كرسي شعلان، كعادته كان يرتدي البذلة الرمادية إياها، نظيفةً ولكن قديمة الطراز باهتة الالوان، ويبدو من حجم البذلة الواسع أن جسمه النحيل لم يكن كذلك في وقت ما. دعاه شعلان كعادته مع كل المارّة. كان كرسيي الحديدي قبالة كرسي شعلان تماما، إلا أنني فوق السطوح خارج غرفتي المتهالكة، وهو على طرف المصطبة الاسمنتية المتآكلة أمام باب العمارة، أراه ولايراني، أحمل لابتوبي، وأُسجل منذ فترة قصصًا أسرقها من حياة الناس، الحق أقول لكم، أشعر بوخز الضمير لأني اسرق من الناس قصصهم، وبدافع من تأنيب الضمير، أهديتُ الطفلة في الطابق الرابع التي كتبت قصتها الاسبوع الفائت علبة حلوى كاملة. والاسبوع الذي سبقهُ، عثرتُ على القطة التي ضيعتُها انا، لأكتب –بواقعية- عن فراق العجوز لقطتها التي لم تُفارقها منذ أعوام. أما قصتي هذه فقد هيأتُ لها مقدمًا خمس علب سجائر روثمان، هي أحد أمنيات شعلان، قررت إبدالها بالسيجار المحلي المعفن الذي أتلف رئتيه وحنجرته. مقابل قصصه المملة.

     سرى في شعلان فرحٌ غامر إذ استجاب الأخرس، وركض نحو كرسي سعاد بيّاعة الحناء والكمون وتوابعهما، واستعاره دون انتظار موافقتها، كان مشهدًا كوميديًا حقًا، شعلان الذي لايسكت أبدًا، وحمادي، وهذا اسم القاطن الجديد، الذي لم يسمع منه اهل الحارة غير كلمات تُعدّ على الأصابع منذ حلوله جارًا قبل شهرين.

     سيسرد شعلان قصصه الثلاثة المعتادة. الآن بدأ كما خمّنت قصة كفاحه يوم كان مشغل سينما، يستذكر تاريخًا من الأفلام التي حفظ اسمائها وأبطالها وقسمًا كبيرًا من حواراتها، يضع بكرة الفيلم على ماكينة العرض، ويُدخل طرف الفيلم عبر موجهات الماكينة ويثبتها في بكرة السحب. يُشغل الماكينة ويضبط الصوت والصورة. يراقب التشغيل، وينشغل بمتابعة الفيلم عبر نافذته الصغيرة وحيدًا.     في الليلة التالية، ابتدأت القصص بالمعركة التي تخسر فيها الكتيبة، ثم يتداركها شعلان في اللحظات الأخيرة لينتصروا. لن يخجل شعلان من استعارة بعض مشاهد السينما لأجل ذلك، وهو أثناء ذلك يشتعلُ حماسًا، وينسى سيجارته مشتعلةً حتى تلسعَ اصبعيه النحيلين.

    سيحكي شعلان الليلة عن كابوسه، ويبدو أن الكابوس يقسو على شعلان، فصوته الذي ماهدء يوما يُحشرج الان، وهو يفصل الكلمات بين واحدة وأخرى بنَفَس سيجار يسحبه بعنفٍ إلى بطنه. الكابوس عن صديقه، جندي كان رفيقه في أحد الليالي الصاخبة في نهر جاسم، ليلةَ لم يهدأ صراخ الراحلين إلى العالم الآخر، صراخٌ يهزّ الأرواح، ويضرب على اليافوخ، كانت الجثث تملأ النهرَ وضفافه، وكان صديقه جندي أول المهندس كريم حمادي جازع، سعفةً في مهب الريح. حين ذُكر الاسم فزع الأخرس، وانتصب واقفًا. ليلتها، وقف النقيب أنور شكيب أمام الجحر الذي لويا اجسادهما فيه، وأصدر أوامره بهدوء؛ كرومي، الدبابة 8851  استولى عليها العدو، وهو الآن يسحبها إلى الضفة الأخرى، اذهب أنت وشعلان واجلباها هنا. استوى كريم حمادي في جلسته وصرخ؛ سيدي، أموت.. أجابه النقيب وهو يمضغ عقب سيجارة بين فكيه، أنا أريد أن تموت، المهم الدبابة.

    صك جندي أول كريم على أسنانه، ورمى القاذفة نحو النقيب، اذهب أنت. دبابةٌ فرّطتَ? فيها بغباء، أنت مكلف بإرجاعها. ولكن شعلان تجاسر، حمل قاذفته وركض، مثلهُ يفهم أن الموت واحد، أما أن تقتلك الدبابة أو يقتلك الذئب الجائع.     حين عاد شعلان من مهمته الفاشلة فجرًا، استقبلته يدٌ على أحد أصابعها خاتم زفاف، ثم رِجل، وفي الحفرة تكوّمت الكثير من الأعضاء البشرية مختلطة ببعضها. كانت القاذفة على ضفة الحفرة، عاريةً من قذيفتها.

 صرخ حمادي؛ ياروح ولدي، ياولدي ياولدي، ياولدي ياكبدي.

    في الأيام اللاحقة تغير المنظر أمام شرفتي للأبد، حمادي الأخرس تحول ثرثارا، يُجالس الجميع رغمًا عنهم، وفي المساء يقعد حيث مصطبة شعلان، يدعو المارين بعنف إلى سماع قصته “قالوا أنه مفقود، فُقد في نهر جاسم، انتظرته كل ليلة. شعلان يقول، صار خليطًا من أعضاء بشرية مُكومة”.

    رأيتُ شعلان مرةً واحدة بعد الحادثة، كان يشتري سجائره المحلية المعتادة، صامتًا، هيكلٌ عظمي يرتــــدي دشداشةً مُثقبّة، وحين عُدت إليه بسجائر الروثمان، قال: لا حاجة لها، السجائر المحلية تلذع القـــــلب، وتكوي الرأس. وأشعل سيجارةً جديدةً من جمر سيجارته التي لايزال يعضها بين اسنانه.

مشاركة