(لو) أن العزاءات الحسينية مدعاة للتآلف

114

(لو) أن العزاءات الحسينية مدعاة للتآلف

امين عبد الوهاب

لا يخلف الحزن ولاسيما العميق الحقيقي، في القلوب غير المحبة، فشعوب العالم اجمع، تتخذ من اية مناسبة تتجمع عندها النفوس سببا للاحتفال بها كي تترك اثارها الحميدة عند الجميع، وتغسل الدرنات، فالصابون الذي يزيل الاوساخ العالقة على اختلاف انواعها ومشاربها. ولولا السياسة التي داست بثقلها على كل شيء، لكانت واقعة الطف الاليمة اوقع من غيرها، وفي جميع انحاء العالم في تقارب النفوس والقلوب وعلى وجه الخصوص عند المسلمين الذين تحتل (واقعة الطف) لديهم حادثة اليمة مؤلمة لا تتبدد رغم مرور ما يزيد على (1400) عام على ذكرها.

بعد الدعوة المؤثرة التي اطلقها رئيس الوزراء لتحديث سجل الناخبين، افردت خمس دقائق من وقتي للقيام بذلك، وقد سالني مدير المركز بلباقة الشباب المحببة للنفوس، ربما للاخذ بنصيحتي كمسن ابصر منه عن من سأوليه صوتي؟ فرددت امامه مقولة- صدام حسين (شين اللي تعرفة اخير من الزين الما تعرفة). فانا مستور باجري الوظيفي وقد زاد بلا حدود كنت ارنو اليها.. وفهم مرادي .. وعرفت ان لا حاجة هناك لاتبسط بالامر.

اختلطت الامور علينا، واصبح من الصعب جداً تقرير الصالح من الطالح منها، تماما مثل خليط العرق والماء رغم البون الشاسع في فوائد كل من النوعين. الحسيني كما صرح رئيس الوزراء بحرارة لا يفسد ولا يغش ولا يزني.. ولا ولا.. والكل يدعون الحسينية وتراهم يذرفون الدموع ويلطمون الخدود.. وتسمع ما يشاع ولا حول لك في ان تركن الى الوثوق بها.. اغلقت المساجد امام المصلين المعتمرين الذين لا يجدون سبيلاً اخر لتبديد وقتهم بعمل صالح غيره، وقيل ان مبررات القرار احداث ما يشبه الاعتصام اعتراضاً على سحب يد الدكتور احمد عبد الغفور السامرائي رئيس الوقف السني، وان وراء هذا القرار احد معارفه، وقيل ايضا ان كثرة حوادت القتل والاجرام التي طالت أئمة الجوامع وروادها هو السبب.. وقيل .. وقيل…

وفي الجانب الاخر من الضفة الشرقية.. سمعنا بان الحكومة صرفت ما يقارب من (100) مليار دينار عراقي لتنظيم العزاءات الحسينية في كربلاء استعراضا منها لقوتها البشرية مثلما تستعرض الدول جيوشها لارهاب الاخرين مع ان الدولة تملك من المسلحين ما يكفي لاحداث التاثير الذي تريده في النفوس، ولا ينتهي الامر  عند هذا الحد، فسائق (الجمسي) الذي يقلني عادة في ترددي على العاصمة الهاشمية (عمان) .. ذكر امامي ولمرات عدة.. كلما انحرفنا في مسارنا عن خيم المعتصمين في الرمادي بان كل من يحضر هذا التجمع ايام الجمع يحصل على نصف ورقة خضراء مع كارت موبايل فئة خمسة الاف دينار.. وهكذا تنطلق هذه الاشاعات بلا موقف لجموحها لتخرج كل اجماع عن جوهره وحقيقته.. وتتحول القرارات والمواقف الى رهينة قيد التقولات والاحاديث المخدشة للحياء، رئيس الوزراء لا يزمع زيارة تركيا، لان الهاشمي المطلوب للعدالة مقيم لديها، ويرد طلب نائب رئيس الجمهورية العراقي لزيارة رئيس الجمهورية الراقد في مستشفيات المانيا ويسال رئيس الوزراء عن حالة السيد الرئيس في مقابلة تلفزيونية فيجيب، وبموضوعية لا اعرف مآله.. وهكذا تطول القائمة.. ولا اعرف احداً يعشق مثل هذه الاشاعات التي تفت في عضد البلد وتحيله الى صخور متفتتة ترمى في مجاري تصريف المياه، على حد تبريرات- عبعوب- مثل الاعلام العراقي الذي وجد من ذلك مادة للسبق والتسابق وكسب القراء الذين يتنحون جانباً للتخلص من هذا الصداع المؤلم للراس الذي لا يطاق.. الا يسال الاعلام ذاته، لماذا لا يهتم الاعلام العالمي بما يظهر لدينا اعلامياً ؟ الا يوجد في العالم مغفلين يتشدقون بالاستماع الى مثل هذا الهراء غيرنا.. لقد بلغ الامر في دوائر الدولة ولكثرة القفزات غير المتزنة ان الموظفين يفهمون الكيفية التي يجب ان تسير عليها الامور لتصريف الاعمال اكثر مما يتمتع به صاحب القرار، ومع ذلك فهم مجبرون على الاطاعة.. وفي ذلك ما يفسر اغلب الاخفاقات التي تحني ظهر البلد  وتعوقه. عادة ما اسأل عن مآل الامور فاجيب متفائلاً انها مرحلة تمر مثل مسلسل  على مر الزمان التركي، لابد ان تنتهي .. والا.. واعتقد جازماً بان العزاءات الحسينية هي احد الاسباب التي يمكن ان تنهي لدينا هذا التفتت الذري الابدي..

في البصرة الفيحاء التي صرفت عليها اجمل ايام حداثتي، لم اكن اتجرع قنينة- الكوكاكولا- وفي اي (مول) كبر او صغر على حد وصف المحال في عصرنا العراقي الحالي، فقد وجدت لافتة تعلن عن احد المحال الصغيرة بمساحة لا تزيد على (20) متراً مربعا بانه صالح لان يكون مولاً للايجار، بدون ان اتبرع بـ(4) فلوس للعزاءات الحسينية ايام (العانة) قبل ان يعدل قيمتها المرحوم- عبد الكريم قاسم- (عاش الزعيم الزيد العانة فلس) وكان وقع العزاءات الحسينية في تلك الحقبة كبير التاثير في النفوس ويزيد من التهاب المشاعر بالحب والمودة، حتى اننا كنا نعود المجالس والتشبيهات بشكل منتظم مع عوائل الجيران من الصابئة المندائيين ونظل لايام نتحدث في قساوة ووحشية الواقعة، فمن جهة تشعر لانك مساهم بهذا المهرجان بالحبور كونه عمل لا يزيد المشاعر الا الفة ومحبة، وتتفاعل مع الاحداث بشكل مؤثر وعميق من الجهة الاخرى.  وقد اخرج هذا الحدث الجليل من مضمونه وتحول الى وظيفة ماجورة يفرق الصفوف ولا تلتحم النفوس ويلهب المشاعر بالمؤازرة والندية وتنسال السياسة من حواشية بشكل مقزز بما يترك الشك بانه انما اقيم للتذلل الى الله تعالى..

ولو عادت التنظيمات الى ما كانت عليه ايام حكم الشرفاء من الحسينيين- ايام الفياصل الملوك- لاتخذت  الامور شكلاً اخر من اشكال الاجماع والحب والتالف ولتحول الدين في عظمته كما يردد مؤذن الجامع الذي اتردد عليه الى جوهر وليــس مظهر اعلامي مشوه.

مشاركة