لوز ع اللوز – جليل وادي

كلام أبيض

لوز ع اللوز – جليل وادي

فاجأني حفيدي الذي يبلغ من العمر عشر سنوات بالقول : أتدري ان بائع النفط يشرب ! ، قلت : أكيد يشرب الماء او العصير ، فابتسم بطريقة من يعرف شيئا معينا وقال : لا ، انه يشرب العرق والبيرة ، وهذه أول مرة اسمع منه اسمي هذين المشروبين ، فسألته : وما أدراك ؟ ، قال : انه كان يكلم الشباب الذين تجمعوا حوله عندما كان يعبأ النفط لجيراننا . قلت : وماذا قال لهم ؟ ، قال : أمس جلست مع أصدقائي على ضفة النهر ، وقد أحضرنا جميع لوازم الشواء  ، من منقلة وفحم ولحم طلي صغير ، كما أحضرنا مشروبات العرق والبيرة المثلجة ، وأصبحت الجلسة (لوز ع اللوز) . وعندما قال حفيدي عبارة ( اللوز ع اللوز ) أيقنت ان كلامه صحيحا ، وليس كذبا او متخيلا ، فهي من العبارات الغريبة على قاموسه اللغوي الذي نعرفه .

لست ممن يحتسون الخمر ، اذ لم يحدث ان شربته يوما ، ولا أنظر لمن يحتسيه بعين الازدراء ، او للذين يمتنعون عنه بعين التقدير ، فنظرتي للشخص تنطلق من كونه منظومة قيم أخلاقية يفترض ألا تتقاطع مع سمة الانسانية ، ولذا لدي أصدقاء من كلا الجانبين ، ويحتلون مكانة أثيرة في نفسي ، احترم خصوصياتهم وخياراتهم ونمط حياتهم الذي لا يؤثر في حريات الآخرين .

ومع ان بعض الذين يحتسون الخمر فارغين من كل شيء ، ومثل هؤلاء يسيئون للناس كيفما كان حالهم ، لكن من غير المناسب تعميم هذا النموذج على الجميع ، كما لا يجوز تعميم نموذج المتظاهر أمام الناس بالورع والتقوى ، لكنه لا يتوانى عن غمط حقوق الناس ، ونهر السائلين ، وعدم تمسيد شعر اليتامى ، على جميع المتدينين ، ففيهم اناس يخافون الله حقا ، ويعطون ما هم بحاجة اليه ، ولا يُخشى جانبهم أبدا .

الناس أجناس كما يُقال ، كل يعمل على هواه ، وما يهمنا ألا يؤثر هذا الهوى على هوى الآخرين ، اما كيف نضمن هذه الحريات ، ونوفر الأجواء المناسبة لممارستها دون خوف او تحسب من الناس ، فذلك مرهون بقدرتنا على تطبيق القانون ، وايقاف تدخلات الذين يظنون أنفسهم أوصياء على المجتمع ، وتمنحهم وصايتهم حق استخدام مختلف السبل بما فيها العنف حتى الموت لكل من يخالفهم قولا او فعلا .

الممارسات الانسانية بحاجة الى تنظيم للحد من أضرارها على المجتمع خصوصا وان بعضها يتعذر منعها ، ومن غير المقبول مطاردة ممارسيها ، عليه يغدو التنظيم سبيلا للسيطرة عليها . ففي غياب الأماكن المسموح بها لتناول المشروبات الكحولية اتخذ الكثير من الأشخاص من بعض الشوارع العامة مكانا لتناولها ، ففي أحيان ترى طابورا من السيارات المركونة ، او توزع الشباب على شكل مجموعات هنا او هناك ، فقد أصبح معروفا لدى الناس ان هذه الشوارع تجري فيها هذه الممارسات ، ومع ان حدثا مزعجا او غير طبيعي لم يقع على أقل تقدير في الشوارع التي أعرفها ، الا ان الناس بدأت تتحاشى قدر المستطاع المرور بها .

ومن أصحاب هذه الممارسات من اتخذ بيته مكانا لتناول المشروبات الكحولية أمام أنظار أطفاله ، اعرف عائلة صار الأطفال في غياب آبائهم يحتسون المشروبات التي يتركها والدهم في الثلاجة . فبعض الآباء لا يعيرون لذلك اهتماما ، ولا يقدرون حجم مخاطره على الأسرة . وعندما تستغرب منهم هذا السلوك ، يجيبونك بأن لا مكان عام مخصص لهم ، فماذا نفعل ؟ . لكل ذلك لابد من تخصيص أماكن عامة مجازة يسمح بدخولها لمن تجاوز عمره الثامنة عشرة ، ليتسنى لنا محاسبة الذين يحتسون الخمور في الشوارع العامة او أزقة الأحياء السكنية .

وأثناء مروري بمركبتي برفقة حفيدي بأحد هذه الشوارع ، شاهد ازدحاما عند باب محل ، فسألني ماذا يبيع هذا المحل ؟ ، فضحكت بصوت عال وقلت له : يبيع ( اللوز ع اللوز ) .

[email protected]

مشاركة