لوحات الحنين للزمن الفطري

معرض محمد حافظي بالرباط

لوحات الحنين للزمن الفطري

فيصل عبد الحسن

لمعرض الشخصي للفنان محمد حافظي في كاليري النادرة وسط مدينة الرباط، الذي أفتتح مؤخراً جاء بعد أربعة معارض جماعية للفنان مع فنانين مغاربة آخرين، وقد أثبت حافظي من خلاله طريقته المميزة برسم لوحة تجريدية تعبيرية نقل من خلالها رسائل عديدة للمتلقي من بينها احتفاله بالحياة وبهجته بالألوان، وقدرته على نقل فرحته ومشاعره الفياضة إلى الآخرين عبر اللون والأشكال الهندسية، والخطوط المتناسقة، والأشكال التي ضمت تقنيات النحت إلى الرسم التشكيلي، فظهرت في العديد من اللوحات جدائل الحبال والمسامير والمشدات.

   خمس وأربعون لوحة ضمها المعرض توزعت على القاعة الرئيسية والطابق الأول من الكاليري، وقـــــد وضعت اللوحات التشكيلية في الصالة الرئيسية بينما ضم الطابق الأول لوحات” التشكيل ــ النحت ” والتعبير الأخير للتقريب بين التشكيل الخالص والنحت من الناس، وقد حملت اللوحة التشكيلية النحتية مضانها وأسرارها لفئة أخرى من المهتمين بهذا النوع من الفن، الذي يشترك مع النحت باستخدام البعد الثالث في اللوحة.

زوايا حادة

  كتب الناقد الفني” محمد الشيكر ” في كاتلوغ المعرض عما رآه في لوحات الفنان محمد حافظي، فقال “تنتسب اعمال محمد حافظي إلى السجل البصري الكلاسيكي، الذي يجعل من الفن مجرد معادل موضوعي للواقع ومحاكاة تشخيصية لكائناته وممكناته، أنها بخلاف ذلك لا تنقل لنا اشياء العالم بصورة مرآوية بل تكشف عن تعبيرات الذات وتجربتها الجمالية الخالصة، ويقوم محور هذه التجربة إستتيكياً على تساوق الألوان وإيقاعاتها ورشاقة الخطوط وانفلاتاتها مع الحرص على جعل الفراغات تنضج بالضوء والامتلاءات ترشح باللون والحركة وتطفح بفائض المعنى، وما يميز التعبير التشكيلي عند محمد حافظي هو معانقته لنوع من التجريدية التعبيرية والموحية التي تتلبس فيها الخطوط بغنائية شعرية وشبه هندسية في ذات الآن، وعبر فلتانها الشعري ومداراتها الأقليدية ومنعرجاتها الحالمة تتماوج العين بدورها، فتصعد في معارج الخطوط الناعمة الحالمة طورا وتنزل عبر مدارجها المنزلقة طورا آخر ثم تهيم وتتشظى وتتشذر وتحلق سادرة في سبحات اللون ومضاءاته، فتنطبع على الخشب مثل الأطياف والهلاميات التي تسكن المتخيل الأسطوري”

   الفنان حافظي ولد بمدينة أبي الجعد وسط المغرب عام 1975 وحصل على شهادة الباكالوريا شعبة الفنون التشكيلية بالرباط عام 1995 ثم أكمل دراسته العليا في مجال التكوين الهندسي الداخلي بمدينة الرباط، والفنان استطاع أن يزاوج بين رؤية الفنان التشكيلي والمهندس، فجاءت الأشكال الهندسية في لوحاته غير حيادية، كما يعهد عادة في الأشكال الهندسية، فقد عبر كل شكل منها عن جانب سري من روح الفنان التشكيلي، فهي أجزاء من معمار نفسي، أكثر مما هي تأثيث هندسي بصري، أن الفنان الذي استطاع ان يزاوج بين رؤية الفنان ورؤية الأشياء بأبعادها الفيزيائية كما تبدو الأجسام والأشكال عبر مقاسات محددة في الواقع، وكساها بالألوان التي أكسبتها جمالية بصرية فائقة وكسرت حدتها، وأشكالها القاسية عبر مرآيها المستقيمة وزواياها الحادة والمنفرجة. وربما تعود تأثرات الفنان حافظي الأولى إلى ولادته في مدينة أبي الجعد، التي تعتبر من مدن البادية المغربية، التي لا تصلح فيها الزراعة الدائمة بسبب شحة المياه، وقلة الأمطار، لكنها منذ القدم كانت مراعي لتربية الماشية، مما جعل حياة الناس فيها أقرب إلى روح الزهد والتدين، فظهرت فيها المدارس الصوفية، فقد بنيت المدينة عام 1008 هجرية على يد سيدي بوعبيد الشرقي وهو أحد أقطاب الصوفية المعروفين، ومؤسس الزاوية الشرقاوية في المنطقة، مما أدى إلى أن تصير المدينة مصدر أشعاع ديني في منطقة واسعة من المغرب، وبسبب هذا الدور فقد تربت الأجيال من أهل المدينة على التدين، وكرم الضيافة، واتسمت حياة الناس فيها بالبساطة، وصارت موئلاً ومقاماً للقادمين من المدن الأخرى الذين يبحثون عن الهدوء والسلام، وكل هذه المظــــــاهر ترجمها الفنان حافظي في معرضه بالنادرة عبر لوحاته التجريدية التي عبرت عن احساس عميق بتدرجات اللون، والقيمة الجمالية التي يمكن أن يقدمها فن التشكيل، وما تشكله اللوحـــــــة له كمتنفس حقيقي للتعبير عن الأصوات الداخلية في روحه.

لوحات الحنين

  أن محاولة الفنان حافظي التعبير في بعض لوحاته عن روح الفن الفطري المغربي، الذي ينتمي للرسم البدائي الذي كان يفعله الأجداد عبر تلوين الزربيات ومفارش الأرض الصوفية وسروج الخيول والحقائب الجلدية ومناديل العرائس، مستخدمين في هذا التلوين الأعشاب الطبيعية، التي تنمو قريباً من خيامهم وبيوتهم الطينية، فاستخدموا الحناء وأوراق زهور القرنفل والبابونج والكركم، والصلصال والرمل، وجذور النباتات المحروقة، في صناعة ألوانهم الطبيعية التي كانوا يجملون بها صناعاتهم اليدوية كالحقائب وعماريات العرائس، ” مفردها عمارية ” وهي تشبه القفة المصنوعة من الخشب، وتحمل فيها العروس لتدخل بيت عريسها ليلة زفتها، أن لوحات المعرض الخمسة والأربعين عبرت عن هذه الحنين للزمن الفطري ولاعادة الرسم المغربي إلى أصوله البدائية، واعادة احياء مشاعر الفنان الفطري وهو يرسم على زربيته الأشكال الهندسية الملونة كالمثلث والدائرة والمستطيل وأنصاف الدوائر ومتوازي الأضلاع، التي سيفرشها في داره لتزيد من بهجة الجالسين وتعطي جمالية بصرية للمكان عبر بهجة الألوان وغرابة التشكيل الهندسي المتداخل بين الأشكال المرسومة.

  لقد جمع الفنان محمد حافظي في المعرض الفردي الجديد تجربته الفنية عبر مشاركاته السابقة في معارض فنية جماعية كالمعرض الجماعي الذي أفتتح عام 2012 في قاعة مسرح محمد الخامس بالرباط، والمعرض الجماعي في كاليري فضالي في مدينة القنيطرة عام 2013 والمعرض الجماعي الثاني في العام نفسه في كاليري النادرة أضافة إلى معرض ثالث جماعي في قاعة الثقافة في أكدال بمدينة الرباط في العام نفسه.

  { كاتب عراقي مقيم في المغرب

[email protected]

مشاركة