

سمارة موفق ابراهيم
ولدت الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة في 1 يناير سنة 1929, في بغداد وبجانب الكرخ من بغداد تحديداً في منطقة الكريمات ؛ وهي منطقة قديمة تقع في وسط بغداد على ضفاف نهر دجلة, تنتمي الشاعرة لميعة عباس الى الطائفة المندائية وكانت عائلتها عريقة النسب ومشهورة في بغداد بصياغة الذهب, يعتبر والدها من اشهر الصاغة في بغداد فقد كان لدية محلين مشهورين لبيع وصياغة الذهب يقع احدهما في شارع النهر والآخر في المعسكر الانكليزي المسمى حاليا معسكر الرشيد, بل والدها لم يكتف بهذا القدر فقد برع في ايصال الصياغة العراقية للذهب الى انحاء العالم وحصل على جوائز عديدة, تعتبرها الشاعرة مصدر فخر لها ولعائلتها, وكذلك عمها “زهرون عمارة” وهو ايضاً من اشهر صاغة بغداد في ذاك الزمان, قد جاء لقبها “عمارة” نسبة الى مدينة العمارة التي تقع جنوب العراق التي ولد وترعرع والدها فيها, وهي تعتبر من سلاسة عريقة تعود اصولها الى الزمن العباسي الى ابو اسحاق الصابئي, وقد هربوا الى بغداد في زمن الفتوحات واستقروا في مدينة الطيب وهي مدينة صغيرة تقع على ضفاف دجلة قال عنها مصطفى جواد: هي بليدة أشتهر اهلها بالأدب واشتغلوا في الثقافة.
عرفت الشاعرة بعذوبتها ورقتها وانوثتها الواضحة في قصائدها, وذاكرتها الحادة في وصف الاماكن والاشخاص بالاضافة الى الجراءة بالرومانسية حتى انه تسبقها اي شاعرة عراقية في هذا المنحى وكان هذا واضح في قولها:
من الحزام وفوك مرخوص الأسمر
وخاف الطمع يازيك حنَ نتكشمر
وبيت اخر تقول فيه:
كون انه نجمة بليل واسكط على غطاك
وبحجة البردان واتلفلف اوياك
وقالت:
من الكلت والكال توني أستراحيت
أنه وعزيز الروح صرنا فرد بيت
وكذلك قولها:
نذرك يشيخ أدخيل نوط ابو الميه
من افز والكي هواي عافي أعلديه “على يدي”
تقصد في هذا البيت الشعري ,كان هناك شيخ له كرامات وهو شيخ ديخيل يزوره الناس لطلب النذر ” نوط ابو المية” عملة نقدية انكليزية يتم التداول بها في ذاك الزمان.
وايضاً حبها لبلدها العراق بكافة طوائفه وقومياته ترك بصمة لا تنسى فقد عبرت عن هذه المشاعر بقصائد عديدة وابرعها قولها:
وتعصف بغداد في جانحي
اعاصير من وله لاتذر
بخور لها أدمعي, ما أقل
عطاء الفقير إذا ما نذر
وبغداد قيثارتي البابلية
قلبي وهدبي عليها وتر
لها في قلبي سحر كُهانها
وآثار ما قبلوا من حجر
وقالت ايضاً:
حملتني بغداد عنف محبيها
وبغداد ريثها عنفوان
إن أحبت فدت , وإن ابغضت
أردت , وإن رعدت أتى الطوفان
في قصائدها لمعت موهبتها الشعرية في سن مبكر حتى انها كتبت اول شعر لها بعمر السبع او الثمان سنوات, قيل انها كتبت في درس الانشاء شعر وهي لم تكن تعرف ذلك حتى تكلمت معلمة اللغة العربية مع عمتها واخبرتها بتلك الموهبة, وكانت اول محاولاتها كتابة ابوذية(وهو نوع من الشعر الشعبي مشهور بالعراق وعند اهل العمارة تحديداً) وقد القت الابوذية أمام جدها وقالت فيه:
متشوف الناس ظاهرتي وسمني
وما تدري الدهر طكني وسمني
وعلى الخدين محبوبي وسمني

كانت الشاعرة تجد صعوبة في الجمع بين الحياة العملية من زواج وانجاب وبين الحياة المهنية وحبها للشعر والادب, حتى انها ذكرت هذا الشيء في لقاء تلفزيوني عبرت فيه عن استحالة الجمع بين الاثنين واعطت مثال على ذلك بأنها انقطعت عن الادب اربع سنوات لتفرغها لحياتها الزوجية واولادها وبعدها عندما القيت قصيدة “الزاوية الخالية” عبرت فيها عن واقعها في تلك المرحلة لكن هذه القصيدةلم تكن مفهمومه للمتلقي على الرغم من القصد من هذه القصيدة واضح جدا.
درست لميعة في مدارس بغداد, وتخرجت من دار المعلمين العالية التي اصبح فيما بعد اسمها كلية التربية ضمن اقسام جامعة بغداد, وفي اثناء الدراسة وفي السنة الثانية من الكلية كتبت اجمل قصائدها “شهرزاد” وكانت اهداء للشاعر بدر شاكر السياب التي قالت فيها:
ستبقى ستبقى شفاهي ظماء
ويبقى بعيني هذا النداء
ولن يبرح الصدر هذا الحنين
ولن يخرس اليأس كل رجاء
وبعدها حصلت على اجازة دار المعلمين العالية سنة1950, ثم عينت مدرسة في دار المعلمات, تعد الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة من مؤسسي الشعر العربي الحديث, وقد شاركت الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة ثورة الشعر الحديث, ثم شاءت الاقدار ان تهاجر الشاعرة من العراق في سنة 1978, وبعد السفر والترحال لمدن عربية وغربية قد استقرت في الولايات المتحدة الامريكية, واكملت حياتها هناك , لم تثنيها حياتها بالغربة من اكمال مسيرتها الشعرية بل ابدعت واجادت الشعر العربي الفصيح والشعبي, حتى انها وجدت في لغة اهل العمارة الكثير من المفردات الفصيحة المنسية وهذا ما حاولت احياؤه في الكثير من قصائدها, تركت بيئتها الاولى التي عاشت فيها في مدينة العمارة اثر في نفسها وقد اكدت ذلك بقصيدة قالت فيها:
يا ذكرياتي في العمارة
أسمع الصاروخ ينبت في ذكرياتي
من نهر دجلة
صار انهاراً بها بدأت حياتي
الصيف والناي الحزين بليلها
سمر السطوح الساهرات
حبي العمارة
بيت جدي
درب مدرستي
مشي على (الكحلاء)
أغنيتي
حتى الأغاني اخرست
لم تنج من قتلي
وأمرها
اني سأدفع حق كل قذيفة
سقطت على اهلي.
حظيت الشاعرة لميعة عباس عمارة بشهرة واسعة حتى ان الشاعر ايليا ابو ماضي نشر اول قصائدها, وذلك لأنها بدأت كتابة الشعر بعمر صغير وبموهبة متفردة ففي الثانية عشرة من عمرها أصبحت ترسل قصائدها الى الشاعر ايليا ابو ماضي الذي كان صديقاً لوالدها, وعندما اصبحت بعمر الرابعة العشر, نشرت “مجلة السمير” أول قصيدة لها, وقد اردفها الشاعر ايليا ابو ماضي بتعليق بناءٍ بعد ان احتلت قصيدتها الصفحة الاولى, حيث كتب على هامش القصيدة: (إن كان في العراق مثل هولاء الأطفال, فعلى أية نهضة شعرية مقبل العراق), وبعد ذلك حصلت الشاعرة على وسام الارز من رتبة فارس تكريماً من الدولة اللبنانية لمكانتها الادبية.
مسيرتها الأدبية
درست الشاعرة لميعة عباس عمارة مع كوكبة مميزة من الشعراء في معهد التعليم العالي وكان منهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي بالاضافة الى الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي كانت تربطهما علاقة قرابة وقد كتب عنها في مذكراته ووصفها بأنها شخصية قوية ولديها نفس ابية.
نتيجة لهذا الجمع المميز من الشعراء فقد تم ولادة الشعر الحر (وهو احد اهم انواع الشعر العالمي والعربي الأكثر انتشاراً والذي يسمى الشعر المرسل او النظم المرسل المنطلق او الشعر الجديد او شعر التفعيلة ولكن الاسم الذي اتفق عليه الجميع هو الشعر الحر) .
اجادت الشاعرة لميعة عباس عمارة الشعر الشعبي والفصيح وابدعت في الاثنين وتركت بصمة لا يستهان بها بالشعر العربي, حيث عرفت بتعصبها للغة العربية وحبها الشديد لمخارج الحروف الصحيحة والفصيحة, وهذا ايضا ينطبق على حبها للهجتها الدارجة وشغفها الدائم لأبراز الشعر العراقي الشعبي , حتى وجدت نفسها تسير بخط متوازي في الشعر تجمع فيه بين الشعر الفصيح والشعر الشعبي, حيث تعتبر الشعر الفصيح وسيلتها للتخاطب مع المجتمع العربي اجمع, بينما الشعر الشعبي وسيلتها للتخاطب مع المجتمع العراقي الذي اصبح مولع بيها للحد الذي اصبح الكثيرين يتغنون باشعارها ويحفظونها عن ظهر غيب لشدة عذوبتها وقربها من القلب.
أعمالها الادبية
– عملت الشاعرة لميعة عباس عمارة عضواً في الهيئة الأدارية لأتحاد الادباء العراقيين في بغداد من سنة 1963 حتى سنة 1975.
– عملت عضواً في الهيئة الأدارية للمجمع السرياني في بغداد
– عملت نائباً لممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو من سنة 1973 حتى سنة 1975.
– عملت مديرة للثقافة والفنون في الجامعة التكنولوجية في بغداد.
عرفت الشاعرة بأعمالها الرائعة في مجال الشعر والادب فكان اهم ما تركت من اثر كتبها ودواوينها الشعرية.
– اصدرت الشاعرة اول ديوان شعري لها في عام 1960 بعنوان “الزاوية الخالية”.
– عودة الربيع اصدار سنة (1963).
– أغاني عشتار اصدار سنة (1969).
– يسمونه الحب اصدار سنة (1972).
– لو أنبأني العراف اصدار سنة (1980).
– البعد الأخير (1988).
– عراقية (1990)
– انا بدوية بدمي.
– بالعامية.
أخر ما كتبته الشاعرة لميعة عباس عمارة في مايو/ ايار 2019
فقد قالت:
لماذا يحط المساء
حزينا على نظرتي الحائرة
وفي القرب أكثر من معجب
وأني لأكثر من قادرة ؟
أنا طائر الحب
كيف اختصرت سمائي
بنظرتك الآسرة؟
وايضاً من قصائدها الأخيرة التي بقت خالدة في نفوس محبيها قولها:
أنا بنت النضال
أرضعني الجوع
وأوهى مفاصلي الحرمانُ
خضته فج من حياتي
مجرى دم وسنانُ
رحلت الشاعرة لميعة عباس عمارة في يوم السبت المصادف 18 يونيو 2021 عن عمر يناهز 92 عاماً في الولايات المتحدة الامريكية, تاركة خلفها انجازات وعطاءات لا تحصى ولا تعد وحروف من حرير ستظل عالقة في الافئدة والاذهان على مدى الازمان.
المصادر:
– موسوعة المعرفة.
– مقابلة مع الاعلامية عفاف نعش موقع جدلية.
– صحيفة العرب.
– موقع الدكتور محمد الجوادي.
– مكتبة النور.
– موقع الديوان.



















