لمسة الحداثة على فن صيني قتالي قديم

جبل‭ ‬آماي‭ (‬الصين‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بقبضتيها‭ ‬أو‭ ‬بسيف‭ ‬في‭ ‬يدها،‭ ‬تمارس‭ ‬دوان‭ ‬رورو‭ ‬برشاقة‭ ‬الكونغ‭ ‬فو‭ ‬أمام‭ ‬معبد‭ ‬منعزل‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬صينية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬العازمات‭ ‬على‭ ‬إعطاء‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة‭ ‬لهذه‭ ‬الرياضة‭ ‬القتالية‭ ‬التقليدية‭.‬

تُعدّ‭ ‬الفنون‭ ‬القتالية‭ ‬الصينية‭ ‬مجالا‭ ‬يهيمن‭ ‬عليه‭ ‬الذكور،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشابات،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬دوان،‭ ‬يتحدين‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬ويروّجن‭ ‬لمدرستهنّ‭ ‬الخاصة‭ ‬للكونغ‭ ‬فو‭.‬

تقول‭ ‬دوان‭ (‬23‭ ‬سنة‭) “‬أنا‭ ‬مولعة‭ ‬بفنون‭ ‬القتال‭ ‬منذ‭ ‬صغري‭… ‬كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬تعلّم‭ ‬الفتيات‭ ‬لهذه‭ ‬الفنون‭ ‬أمرٌ‭ ‬مبهر‭”.‬

يُعرَف‭ ‬عن‭ ‬مدرسة‭ ‬آماي‭ ‬القديمة‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬سيتشوان‭ ‬والتي‭ ‬تتلقى‭ ‬دوان‭ ‬تدريباتها‭ ‬فيها،‭ ‬انها‭ ‬تستقبل‭ ‬منذ‭ ‬القدم‭ ‬نسبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والفتيات‭. ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬نفس‭ ‬مستوى‭ ‬الشهرة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬مدارس‭ ‬الكونغ‭ ‬فو‭ ‬الأخرى‭ ‬مثل‭ ‬مدرسة‭ ‬شاولين‭.‬

بدأ‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يتغير‭ ‬جزئيا‭ ‬بفضل‭ ‬فرقة‭ ‬دوان‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬تسع‭ ‬نساء‭ ‬والتي‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ “‬فتيات‭ ‬آماي‭ ‬كونغ‭ ‬فو‭”. ‬تجمع‭ ‬هذه‭ ‬النساء‭ ‬بين‭ ‬مهارات‭ ‬السيف‭ ‬البارعة‭ ‬ومهارات‭ ‬اخرة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬المدرسة‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭.‬

في‭ ‬مقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬جميلة،‭ ‬تبرز‭ ‬الفرقة‭ ‬أداءها‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬القتال‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الشقلبات‭ ‬أمام‭ ‬متحف‭ ‬اللوفر‭ ‬في‭ ‬باريس‭. ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المقاطع‭ ‬مدعومة‭ ‬بموسيقى‭ ‬هيب‭ ‬هوب‭ ‬صاخبة‭.‬

وتظهر‭ ‬الفرقة‭ ‬أداءها‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشروبات‭ ‬أو‭ ‬سيارات‭ ‬ذات‭ ‬ماركات،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أنّها‭ ‬رفضت‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تجني‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬الإعلانات‭.‬

منذ‭ ‬بدء‭ ‬نشر‭ ‬مقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬هذه‭ ‬في‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬الفائت،‭ ‬حصدت‭ ‬الفرقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬23‭ ‬مليون‭ ‬مشاهدة‭ ‬وباتت‭ ‬عدد‭ ‬متابعيها‭ ‬عبر‭ ‬تطبيق‭ “‬دويين‭”‬،‭ ‬النسخة‭ ‬الصينية‭ ‬من‭ ‬تيك‭ ‬توك،‭ ‬يتخطى‭ ‬المليون‭.‬

وتقول‭ ‬دوان‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬لهذا‭ ‬الفن‭ ‬مكانة‭ ‬تاريخية‭… ‬لذا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يستحق‭ ‬الانتشار‭”.‬

يشتهر‭  ‬جبل‭ ‬آماي‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬سيتشوان‭ ‬والمعروف‭ ‬بقممه‭ ‬الضبابية،‭ ‬بسعيه‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬ثروته‭ ‬الثقافية،‭ ‬لكن‭ ‬النتائج‭ ‬كانت‭ ‬متباينة‭. ‬تعود‭ ‬أصول‭ ‬الفنون‭ ‬القتالية‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة‭ ‬الطاوية‭ ‬القديمة،‭ ‬وتطورت‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الدفاع‭ ‬خلال‭ ‬حروب‭ ‬الصين‭ ‬المتكررة‭.‬

تضاءلت‭ ‬أهمية‭ ‬مدارس‭ ‬الفنون‭ ‬القتالية‭ ‬مع‭ ‬تحديث‭ ‬الأسلحة،‭ ‬وقام‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الحاكم‭ ‬لاحقا‭ ‬بقمع‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬بؤرا‭ ‬محتملة‭ ‬للفكر‭ ‬المنحرف‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬خُففت‭ ‬مُذّاك‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬2008،‭ ‬أدرجت‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬فنون‭ ‬آماي‭ ‬القتالية‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي،‭ ‬مما‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬لتطوير‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬أتت‭ ‬متفاوتة،‭ ‬إذ‭ ‬أقرّت‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2023‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬القتالي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ “‬قلة‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬السياح‭” ‬وأنّ‭ “‬انتشاره‭ ‬محدود‭”.‬

يقول‭ ‬وانغ‭ ‬تشاو،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬الكونغ‭ ‬فو‭ ‬وممثل‭ ‬فنون‭ ‬آماي‭ ‬القتالية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬إن‭ ‬المجال‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬الحكومة‭.‬

لكن‭ ‬فيديوهات‭ “‬فتيات‭ ‬الكونغ‭ ‬فو‭” ‬أثبتت‭ ‬جدارتها‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬الفن‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬أوسع،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭.‬

ويضيف‭ “‬باتت‭ ‬الدعاية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بفنون‭ ‬آماي‭ ‬القتالية‭ ‬أقوى‭ ‬بكثير‭ ‬راهنا‭”.‬

‭ ‬تقول‭ ‬دوان‭ ‬التي‭ ‬تتدرب‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة،‭ ‬إن‭ ‬جيلها‭ “‬يحب‭ ‬الاستقلالية‭ ‬والروح‭ ‬الحرة‭”.‬

وتطمح‭ ‬أخريات‭ ‬لمواصلة‭ ‬ممارسة‭ ‬الفنون‭ ‬القتالية،‭ ‬ومنهنّ‭ ‬رين‭ ‬نيانجي‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬هذا‭ ‬التخصص‭.‬

وتقول‭ ‬الشابة‭ ‬البالغة‭ ‬17‭ ‬عاما‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬رياضية‭… ‬لأحقق‭ ‬مجدا‭ ‬لبلادي‭”.‬

‭ ‬

تُستمد‭ ‬الصورة‭ ‬الشائعة‭ ‬لمقاتلات‭ ‬آماي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬الكاتب‭ ‬الأكثر‭ ‬مبيعا‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬لويس‭ ‬تشا،‭ ‬والذي‭ ‬يكتب‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬مستعار‭ ‬هو‭ ‬جين‭ ‬يونغ‭.‬

في‭ ‬مساء‭ ‬يوم‭ ‬جمعة‭ ‬من‭ ‬شباط‭/‬فبراير،‭ ‬كانت‭ ‬سبع‭ ‬فتيات‭ ‬حاضرات‭ ‬داخل‭ ‬صف‭ ‬يضم‭ ‬17‭ ‬شخصا‭ ‬في‭ ‬أكاديمية‭ ‬محلية‭ ‬للفنون‭ ‬القتالية‭.‬

وتقول‭ ‬إحدى‭ ‬الأمهات‭ ‬تثدعى‭ ‬تشو‭ ‬هايان‭ (‬41‭ ‬سنة‭)‬،‭ ‬إن‭ ‬ثقة‭ ‬ابنتها‭ ‬غوغو‭ ‬بنفسها‭ ‬تعززت‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬تتلقى‭ ‬تدريبات‭ ‬قبل‭ ‬عام‭.‬

‭ ‬

وتضيف‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬غوغو‭ ‬تتدرب‭ ‬فوق‭ ‬بساط‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬أمتار‭ ‬قليلة‭ “‬عندما‭ ‬تثق‭ ‬الفتيات‭ ‬بأنفسهن،‭ ‬يصبحن‭ ‬أقل‭ ‬خجلا‭”.‬

‭ ‬

وتعبّر‭ ‬دوان‭ ‬عن‭ ‬أملها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تُلهم‭ ‬فرقتها‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الفتيات‭ ‬الصغيرات‭ ‬لممارسة‭ ‬فنون‭ ‬القتال‭.‬

‭ ‬

وتقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬قد‭ ‬تراني‭ ‬الفتيات‭ ‬أتدرب،‭ ‬فيجدون‭ ‬ذلك‭ ‬جذابا‭ ‬وجميلا،‭ ‬وينجذبن‭ ‬تليا‭ ‬لتعلّم‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬القتالي‭ ‬بأنفسهنّ‭”.‬