لمحات إستذكارية لفن الموسيقى العربية

الرجب يعلّق على إقتراح كتابة نوطة للمقام

لمحات إستذكارية لفن الموسيقى العربية

 قاسم المعمار

عبر هذه الاطلالة التوثيقية الفنية نكون قد وفينا جزءاً من حق قراءة ومتابعة الماضي حتى مجرياته الحاضرة  وهذا ما اركنت اليه اليوم حين وقعت يداي على وثيقة متهرئة موسومة بـ(مبحث المؤتمر الأول للموسيقى العربية) الذي عقد في مصر عام 1932 … والحد الفاصل الطويل لأنعقاد مؤتمره الثاني في العراق عام 1964 عبر هذا البون الشاسع من الزمن اسديت المتابعة الشخصية لما احطته من تراكمات معلوماتية قد تسهم في تسليط الاضواء على هذا الفن الرائع بأعتبار ان (الموسيقى غذاء الروح) .

عموماً حملت فكرة انعقاد هذه المؤتمر التأسيسي وانضاجها الى حيز الواقع والذي شكل حدثاً تاريخياً للتطوير والتوثيق والابداع وتبادل الخبرات فكانت القاهرة ملتقى ذلك اليوم لجموع الموسيقيين العرب والاجانب والمعنيين بشؤون الدراسات والبحوث الاكاديمية حيث سجلت لهذه الدولة المضيفة صفحة جديدة بالاهتمام نظراً لموقعها الريادي في مسيرة الفن الموسيقي والغناء العربي ولاسيما هي صاحبة الصوت واللحن والقصيدة المسموعة زائداً وسائل الاعلام الاقوى نشراً واتساعاً وجذباً لتلك المرحلة ، في حين كانت مسيرة الموسيقى العربية كمضمون متباعدة متقاطعة الاتصال لم يكن الفنان العربي في المشرق  يعرف شيئاً عن شقيقه في المغرب فكان بينهم شبه غياب وضعف ادراك .. الا ماندر …

وقد لاحظت تعقيب فنانا الكبير منير بشير على الواقع الموسيقي العربي في هذا الصدد لمجلة الموسيقى العربية التي اصدرها المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية قوله:

 كان لبعض المتعلمين في المعاهد الاوربية من اثر على نشوء حالة الضياع والتشويه في ظروف توليهم المسؤولية الموسيقية وبناء هيكليتها والدعوة الى استبدال الآلات العربية بغيرها ورفض السلم الموسيقي العربي وادخالها في  اطر وقوالب مغايرة لطبيعتها ، ثم ان هناك من يريد ادخال المفاهيم الموسيقية الاوربية آلية كانت ام نغمية بديلاً للموسيقى العربية … معلناً ضرورة خلق الكادر الموسيقي العلمي العملي والوقوف على الدراسات المقارنة واللغات المحلية الشرقية وفهم موسيقى الريف والمدينة وارساء الأسس السليمة لأنشاء المعاهد وبناء الورش ومراكز الدراسات الموسيقية والتوثيقية وتطوير النقد الموسيقي والمشاركة في الفعاليات والمؤتمرات والحلقات الفكرية المتخصصة بهدف التطوير والابداع .

وهذه النظرة الموضوعية للفنان منير بشير تشير الى تسامي النظرة المجتمعية للآفاق الرحبة للموسيقى بأعتبارها غذاء الروح وهي ضرورة وجزءاً مهماً من حياة البرمجة الاذاعية والتلفازية واجهزة الاتصال متمثلة بالفواصل الموسيقية والعزف المنفرد والموسيقى التصويرية واشارات المحطات الاذاعية والموسيقى المصاحبة للبرامج المتنوعة …الخ ، كما تدخل في خدمة السلامة والذوق والصحة النفسية والعقلية والترويح الذاتي للفرد وفيها الشيء المعين لمعرفة شخصية الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم اليومية .

وقد حفل عالمنا العربي بالكثير من تفصيلات والوان واصوات وايقاعات واشكال موسيقية وانشائية منفردة وجماعية جميلة الاداء نالت القبول والاعجاب منها الموشحات الاندلسية في مغربنا العربي والموشحات والمواويل الشامية والمقامات والمربعات والغناء الريفي والبدوي العراقي واغاني وموسيقى الخشابة والتخت البحري في الخليج وموسيقى واصوات المانبو السوداني الاصيل ، وتبقى مصر هي (ام الدنيا) في المقدمة في اداء الفنون الموسيقية والطرب العربي .احد المثفين العرب يحدد في دراسته لتاريخ وعوامل تطور الموسيقى العربية بضرورة الاهتمام بما يلي :

-بالسلّم العام والمقامات .

-الموازين والايقاعات .

-النصوص الأدبية .

-القوالب الموسيقية .

-الآلات الموسيقية .

-تقنية الاداء والعزف .

-نوعية الفرق الموسيقية .

مشيراً الى تقسيم الاداء الوظيفي الاجتماعي لها وكما يلي :-

– الموسيقى التقليدية .. للمناسبات الدنيوية .

– الموسيقى الشعبية .. للأغاني والرقص .

– موسيقى المعتقدات … للأفراح .

– الموسيقى الحديثة .. بما فيها السنفونيات .

وفي عراقنا الحبيب شهدت الحركة الفنية منذ الخمسينات ومنها الموسيقى نهوضاً ونضوجاً حضارياً في الكم والنوع حيث توسمت هنالك لجان الفحص والرقابة المتخصصة من كبار الفنانين للموافقة على الاعمال الشعرية واللحنية والادائية غناءً وموسيقاً ، واصبحت هنالك شبه مقومات وقيم وأسس آلية وفنية للأرتقاء في عملية الاختيار والاختبار ، حيث تكللت بالنجاح حينما اطلت علينا اصالة الريف الجميل والبادية الساحرة وروائع القصائد الشعرية المغناة بأصوات مهذبة ومشذبة الوتيرية الصوتية مع ايقاعاتها الموسيقية المتسامية احساساً مرهفاً للمشاعر المتناسقة اللحن والأداء والإشراف المتميز لها من قبل فنانين كبار .فجاءت روائع المقطوعات الموسيقية الجميلة للفنانين حسام الدين الجلبي في (شهرزاد) وما قدمته انامل فناننا الكبير منير بشير وعزف منفرد على العود او بمصاحبة الرباعي البغدادي غانم حداد ، خزعل فاضل ، حسين قدوري ثم جاء دور الفنان نصير شمّه ليواصل هذا المشوار البديع في الارتقاء بالموسيقى العراقية محلياً ودولياً عبر مشاركاته الفنية في المهرجانات ، اضافة الى بروز عازفين وفرق موسيقية ناضجة سواء اكانت رسمية مثل:

-فرقة الإذاعة والتلفزيون التي اتسعت كماً ونوعاً .

-تشكيل نواة الفرقة السنفونية الوطنية العراقية التي تلألأت بنتاجاتها ومواسمها الفنية .

-في عام 1971 تأسست اللجنة الوطنية للموسيقى .

-تأسيس مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد التي اضحت مصدر استقطاب المواهب والابداعات الموسيقية والفنية الراقصة .

-دعم وتطوير الفرق الموسيقية العسكرية .

-دعم وتطوير فرق القِرَبْ الموسيقية للشرطة .

-استحداث فرق موسيقية للهواة في مديريات تربية المحافظات للأنشطة المدرسية الفنية .

في عام 1970 وافق مجلس الجامعة العربية على انشاء المجمع العربي للموسيقى بهدف العناية بتطوير ونشر الثقافة الموسيقية والعناية بالانتاج ونوعيته وايجاد مراكز للتراث الموسيقي والاحتفاء دولياً باليوم العالمي للموسيقى في الأول من تشرين الأول من كل عام ومسايرة هذه الفعالية بالنهوض والاستعداد لها والعمل نحو تطوير ماهية هذا الفن في الاقطار العربية فنياً وعلمياً ومهنياً وجاءت مبادرة العراق في استضافة اقامة معرض للمجمع العربي للموسيقى بشكليه التراثي والحديث …

حيث شكلت مصادر عرض هذه الثروة الموسيقية العربية في ارض وادي الرافدين والنيل من جذور واصالة اجتماعية قديمة توارثتها الاجيال ليومنا هذا ، وهذا ما اكدته البحوث والدراسات لعلماء الآثار الموسيقية، اضافة الى ما اسهمت به بقية الاقطار العربية بمشاركاتها القيمة لفنونها الموسيقية والغنائية والآلات الطربية الوترية والايقاعية والهوائية الصوتية… كما استنهضت هنالك محطات تراثية لموسيقى سيد درويش وسلامة حجازي وزكريا احمد .

فيما تجلّت الرؤى الفنية العربية نحو اقامة مواسم موسيقية غنائية في اقطارها وقد تكون محلية او بمشاركة عربية ، وهذا ما تجلت صورته الفعلية لأقامة مهرجان بابل الدولي ومهرجان الربيع في الموصل الحدباء سنوياً.. وشهدت ارض الكنانة مهرجانات موسيقية وغنائية رائعة تناغمت فيها العروض الجميلة والمقطوعات الشيقة للفنانين محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش واحمد فؤاد حسن وعمار الشريعي في (شم النسيم) الذي يقام في الاسكندرية والقاهرة سنوياً… اما نشاطات الاخوين الرحباني الموسيقية في لبنان فتعلوا خفاقة في مهرجان بعلبك الدولي .. ويكون هنا مهرجان جرش الفني في الاردن حافزاً جديداً لأستقطاب المؤلفين الموسيقيين الكبار مع مجاميع المطربين المعروفين .

وما دمنا في صدد الحديث عن آفاق الفن الموسيقي والغنائي وسبل الارتقاء بهما وخاصة المقام العراقي كماً ونوعاً، طرح سؤال أمام الفنان الراحل هاشم محمد الرجب حول ضرورة كتابة النوطة للمقام العراقي .. خوفاً من الضياع والتشويه.. فأجاب: كانت هنالك محاولات لتنويط المقام الا انها توقفت حيث يوعزها الى مشكلة عدم التطابق التام للأداء في الفترة الزمنية الواحدة للمقام وقال لو كتبنا النوطة لهذين الادائين ستكون النتيجة نوطات مختلفة متعددة لمقام واحد فكيف ستكون النتيجة لو استمعنا الى المقام نفسه من مطربين عدّة؟ ..واضاف ان تخضع المقام للتنويط فهذا معناه قوليته وتأطيره مما يفقد مرونته وقدرته على التجدد المستمر ليصبح في النهاية مجرد أداء او تقليد . وبسبب الابداع المتواصل لمطربي المقام فقد ظهرت مقامات جديدة متفرعة من المقامات الاصلية ، كما ان في المقام حركات موسيقية لايوجد لها في المقابل رموز موسيقية في التدوين او الكتابة الموسيقية . ومن الاستذكارات التي احتفظ بها في السبعينات كنت مطبقاً ومحاضراً لازلت اعتز بموهبتي الطالبين علاء مجيد عازف الناي ونوري كريم عازف الكمان وكيف واصلا سعيهما الحثيث للتطوير ليكونا اليوم من ابرز اعضاء الفرقة الموسيقية للفنان كاظم الساهر في مصر والخليج .

مشاركة