“لماذا نكتب؟”.. رحلة في أعماق الكتابة الإبداعية

 

 

مروان ياسين الدليمي

 

يمكن اعتبار كتاب “لماذا نكتب؟ من الأعمال اللافتة التي تسبر أغوار دوافع فعل الكتابة ، وقد ساهم فيه عشرون كاتبا ناجحا أجابوا على أسئلة الكتابة” لميريدث ماران، والكتاب صدر مترجما إلى اللغة العربية عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت عام 2014، وهو جزء من مشروع “تكوين” للكتابة الإبداعية. وقد تولى ترجمته فريق من المترجمين العرب بإشراف الروائية الكويتية بثينة العيسى.
فكرة الكتاب وهيكله

يتوزع الكتاب إلى عشرين فصلًا، كل فصل مخصص لكاتب معين يروي تجربته الشخصية مع الكتابة. تبدأ كل مقالة باقتباس من عمل بارز للكاتب، تليه معلومات عن حياته وإنجازاته، ثم سرد لإجاباته عن أسئلة ماران حول دوافعه للكتابة، أفضل وأسوأ لحظاته فيها، ونصائحه للكتاب الطامحين. هذا الهيكل يجعل الكتاب بمثابة دليل ملهم ومرجع عملي في آن واحد، حيث يجمع بين الحكايات الشخصية والدروس المستفادة. ويقدم تجربة فريدة تجمع بين السرد الشخصي والنصائح العملية لعشرين كاتبًا ناجحًا، يتناولون السؤال الأزلي: “لماذا نكتب؟”.

ميريدث ماران، الكاتبة والناقدة الأمريكية، اختارت هؤلاء بناءً على معيارين: النجاح التجاري (مبيعات الكتب) والتقدير الأدبي (الجوائز والترجمات). من بين الأسماء البارزة: إيزابيل الليندي،غيش جين، تيري ماكميلان، سوزان أورلين، جيمس فري، وديفيد بالداتشي. وهؤلاء يمثلون تنوعًا في الأساليب والخلفيات، مما يعكس شمولية الكتاب ورؤيته الواسعة لفعل الكتابة.
أحد أبرز الموضوعات التي تتكرر في الإصدار ;أن الكتابة ليست مجرد مهنة أو هواية، بل ضرورة وجودية لبعض الكتاب. إيزابيل الليندي، الروائية التشيلية الشهيرة بأعمال مثل *”بيت الأرواح”، تتحدث عن الكتابة كوسيلة لفهم العالم ومواجهة الألم الشخصي. تقول إنها تكتب لتستعيد ذكرياتها وتحولها إلى قصص، مما يعكس الطابع السحري الواقعي في أعمالها. بينما يرى جيمس فري، صاحب

*”مليون شظية صغيرة”، أن الكتابة هي وسيلته للنجاة من ماضٍ مضطرب.

تناقض الدوافع

الكتاب يكشف عن تنوع دوافع الكتابة، وأحيانًا تناقضها. فبينما تكتب تيري ماكميلان لتتواصل مع جمهورها وتعبر عن صوت النساء السود في أمريكا، يرى ديفيد بالداتشي، كاتب الروايات البوليسية، أن الكتابة هي تحدٍ يضعه لنفسه ليروي قصصًا مشوقة. هذا التنوع يبرز فكرة أن الكتابة عمل ذاتي للغاية، لا يخضع لقواعد ثابتة. ويتفق العديد من الكتاب على أن الكتابة ليست فعلًا منعزلًا، بل جسرًا يربط بين الكاتب والقارئ. سوزان أورلين، التي تحول كتابها “سارق الأوركيد” إلى فيلم، تؤكد أنها تكتب لاكتشاف العالم ومشاركة هذا الاكتشاف مع الآخرين. هذا الجانب يجعل الكتابة فعلًا اجتماعيًا، حتى لو بدأ كتجربة فردية.
كل كاتب يقدم نصائح تعكس فلسفته الخاصة. إيزابيل الليندي تنصح بـ”الكتابة كل يوم” للحفاظ على الإلهام، بينما يدعو جيمس فري إلى “الصدق التام” حتى لو كان مؤلمًا. هذه النصائح، رغم تناقضها أحيانًا، تؤكد أن لكل كاتب طريقته الفريدة لمواجهة الصفحة البيضاء.

بثينة العيسى: الروائية الكويتية التي قادت عملية الترجمة وكتبت مقدمة الكتاب، ترى أن “لماذا نكتب؟” هو احتفاء بالإنسان الخلاق.

وفي مقدمتها، تصف كيف عثرت على الكتاب في سبتمبر 2013 ورأت فيه مادة غنية تستحق أن تُقدم للقارئ العربي. وتؤكد أن الكتابة هي “فوضى داخلية” تحتاج إلى ترتيب على الورق، وهي رؤية تتسق مع ما يطرحه الكتاب عن الكتابة كوسيلة للتنفيس.

تأثير الكتاب وأهميته

يتميز “لماذا نكتب؟” بقدرته على الجمع بين الإلهام والواقعية. فهو لا يقدم إجابة واحدة عن سبب الكتابة، بل يترك القارئ مع أسئلة جديدة ودوافع متنوعة لاستكشاف قلمه. كما أن ترجمته التطوعية بجهود جماعية تعكس روحًا تعاونية نادرة في المشهد الثقافي العربي، حيث تنازل المترجمون والناشر عن أرباح الكتاب لدعم تعليم طفل عربي، مما يضيف بُعدًا إنسانيًا للمشروع.
في سياق عربي، حيث تفتقر المكتبة إلى كتب متخصصة في الكتابة الإبداعية، يُعد هذا العمل بمثابة منارة للكتاب الطامحين. يقدم نماذج حية من تجارب كتاب عالميين، مع ترجمة سلسة تجعل النص متاحًا وممتعًا للقارئ العربي. كما أن تنوع الأصوات فيه يعزز فكرة أن الكتابة ليست حكرًا على نمط واحد، بل مساحة مفتوحة للجميع.

الكتاب يتجاوز كونه مجرد تجميع لتجارب شخصية إلى عمل يفتح نوافذ على تعقيدات الكتابة كفن وعملية نفسية واجتماعية. بعد الغوص في أفكاره الأساسية . ومن الجوانب اللافتة فيه تصويره لعملية الكتابة كما لو أنها معركة مستمرة بين الذات والعالم الخارجي. كما لا يتجاهل الجانب المظلم للكتابة، بل يبرزه من خلال حكايات الكتاب المشاركين. على سبيل المثال، يتحدث جيمس فري عن كيف كانت الكتابة بالنسبة له ملاذًا من إدمانه وفوضى حياته، لكنها في الوقت نفسه كانت مواجهة مؤلمة مع ذكرياته. هذا الصراع يظهر أيضًا في تجربة غيش جين، التي تكتب عن الهوية والعرق، حيث تصف الكتابة كمحاولة لفهم التناقضات داخلها قبل أن تقدمها للقارئ. هذه الفكرة تؤكد أن الكتابة ليست دائمًا فعلًا مريحًا، بل غالبًا ما تكون نزاعًا مع النفس، يتطلب شجاعة لمواجهة الحقائق الداخلية.
إضافة إلى ذلك نجد بأن الكتاب لا يركز فقط على النجاحات التي حققها هؤلاء الكتاب، بل يسلط الضوء على علاقتهم بالفشل كجزء لا يتجزأ من مسيرتهم. ديفيد بالداتشي، الذي تحول من محامٍ إلى كاتب روايات بوليسية، يروي كيف كان عليه أن يواجه الرفض مرات عديدة قبل أن يحقق اختراقه الأول. بينما تكشف تيري ماكميلان عن لحظات الشك التي مرت بها حتى بعد نجاحها الكبير. هذا الجانب يقدم فكرة محورية: الكتابة ليست مسارًا خطيًا نحو النجاح، بل رحلة مليئة بالعثرات، حيث يكمن الدافع الحقيقي في الاستمرار رغم الفشل. هذا المنظور يجعل الكتاب مريحًا وملهمًا للكتاب الجدد الذين قد يشعرون بالإحباط من العقبات الأولية.

الكتابة فعل مقاومة للنسيان

فكرة أخرى تتسلل عبر صفحات الكتاب هي أن الكتابة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة. إيزابيل الليندي، التي عاشت تجربة المنفى بعد الانقلاب في تشيلي، تتحدث عن الكتابة كوسيلة للحفاظ على ذاكرتها الوطنية ومقاومة النسيان الذي فرضته الديكتاتورية. هذا المنظور يتردد أيضًا في كلمات غيش جين، التي تستخدم الكتابة لمواجهة الصور النمطية عن الآسيويين في أمريكا. الكتابة هنا ليست مجرد تعبير، بل أداة لتحدي السلطة، سواء كانت سياسية أو ثقافية، مما يضيف بُعدًا سياسيًا للكتاب لم يُناقش بما فيه الكفاية في السياقات النقدية العربية.
إن تنوع الكتاب المشاركين في الكتاب – من حيث الجنس، العرق، والأسلوب الأدبي – يعزز فكرة أن الكتابة لا تعرف حدودًا. سوزان أورلين، التي تكتب مقالات غير روائية، تقدم منظورًا مختلفًا عن جيمس فري، الذي اشتهر بسيرته الذاتية المثيرة للجدل. هذا التنوع ليس مجرد زخرفة، بل يعكس فكرة أن كل صوت له مكان في عالم الكتابة، وأن الاختلافات بين الكتاب هي ما يجعل هذا الفن غنيًا. الكتاب يدعو القارئ لتقبل أسلوبه الخاص دون محاولة تقليد الآخرين، وهي رسالة قوية للكتاب الطامحين في سياقات ثقافية قد تفرض نمطية معينة.

تأملات حول السياق العربي

في النسخة العربية، تضيف المقدمة التي كتبتها بثينة العيسى طبقة إضافية من التأمل. تصف العيسى الكتابة كـ”محاولة لترتيب الفوضى”، وهي فكرة تلقى صدى خاصًا في السياق العربي، حيث تعيش العديد من المجتمعات حالة من عدم الاستقرار. ومن خلال تجارب كتاب عالميين، يقدم الكتاب نموذجًا يمكن أن يُلهم الكتاب العرب لاستخدام الكتابة كوسيلة لفهم واقعهم المضطرب، وربما لمقاومته. كما أن النصائح العملية التي يقدمها، مثل “أكتب ما تعرف” أو “لا تنتظر الإلهام”، يمكن أن تكون بمثابة دليل لكتاب عرب يواجهون تحديات مثل غياب السوق الأدبي القوي أو الرقابة.

من جانب آخر ما يستحق الاستكشاف في هذا الاصدار مناقشته لعلاقة الكتاب باللغة نفسها. فالكتاب يلمح إلى أن اللغة ليست مجرد أداة، بل شريك في العملية الإبداعية. إيزابيل الليندي تتحدث عن حبها للكلمات وكيف تترك اللغة تقودها أحيانًا في كتاباتها، بينما يرى ديفيد بالداتشي أن اختيار الكلمات الدقيقة هو ما يحدد نجاح القصة. هذه الفكرة تضيف بُعدًا فلسفيًا للكتاب، حيث تصبح الكتابة لعبة بين الكاتب واللغة، تتطلب توازنًا بين السيطرة والاستسلام.

يمكن القول بأن هذا الكتاب يتجاوز السؤال السطحي ليصبح تأملًا في الإنسانية نفسها. من خلال أفكار مثل الصراع الداخلي، المقاومة، والعلاقة بالفشل واللغة، لإنه يقدم رؤية شاملة للكتابة كفعل متعدد الأوجه. سواء كنت ترى الكتابة كملاذ، تحدٍ، أو صرخة ضد الظلم، فإن هذا الكتاب يذكرك أنها في النهاية تعبير عن الحياة بكل تناقضاتها. وفي سياق عربي، يحمل الكتاب دعوة للكتاب لاستكشاف أصواتهم الخاصة، متجاوزين الحدود التقليدية، ليجدوا في الكتابة أداة للشفاء والتغيير.